بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
حين يلتقي المغرب والسنغال في نهائي كأس إفريقيا للأمم، فإن الأمر يتجاوز إطار مباراة تُحسم بتفصيل تكتيكي أو لمسة فردية. نحن أمام لحظة كروية تحمل دلالة أعمق: إفريقيا التي تعلّمت من نفسها، وبنت مشروعها، وبدأت تُعرّف نجاحها بمعاييرها الخاصة. لم يعد هذا النهائي صدى لما يحدث خارج القارة، ولا انعكاساً لمقارنات جاهزة مع مدارس كروية أخرى، بل تعبيراً صريحاً عن كرة قدم إفريقية ناضجة، قادرة على إنتاج التنافس، والتنظيم، والإنجاز بذاتها.
هذا النهائي، الذي يجمع بين منتخبين شقّا طريقهما بثبات واستمرارية، يرسّخ فكرة أن الرياضة الإفريقية بلغت مرحلة الاستقلال الفني والفكري. استقلال لا يعني الانعزال، بل القدرة على التفاعل مع العالم دون الارتهان له، وعلى بناء القوة دون انتظار الاعتراف الخارجي. المغرب والسنغال لا يمثلان منتخبات قوية فقط، بل مشروعين يؤكدان أن كرة القدم الإفريقية لم تعد في طور التعلّم الدائم، بل في موقع الفاعل وصانع التوازنات.
لم يكن بلوغ المغرب والسنغال لنهائي كأس إفريقيا للأمم المقامة بالمغرب مجرد صدفة كروية، ولا نتيجة ظرفية فرضتها معطيات مباراة أو مسار سهل. بل جاء هذا النهائي ليكرّس واقعاً جديداً في كرة القدم الإفريقية، واقعاً عنوانه الاستمرارية، وضوح المشروع، والانتقال من الإنجاز العابر إلى القوة القارية الدائمة.
على مدى سنوات طويلة، عاشت الكرة الإفريقية على إيقاع المفاجآت، حيث كانت الألقاب تتنقل بين منتخبات دون أن تنجح أغلبها في فرض هيمنة واضحة أو بناء مشروع طويل النفس. اليوم، يبدو أن المشهد يتغير، وأن هناك قوى جديدة تفرض نفسها بهدوء وثبات، وفي مقدمتها المغرب والسنغال.
- مشروعان… لا يعتمدان على الصدفة
يدخل المنتخبان النهائي وهما يحملان نفس القاسم المشترك: مشروع كروي واضح المعالم، يبدأ من التكوين ولا ينتهي عند حدود المنتخب الأول.
المغرب، منذ سنوات، اختار الاستثمار في البنية التحتية، والتكوين، والاحتراف، مستفيداً من تجربة مونديال قطر التي لم تكن نهاية الطريق، بل محطة في مسار متواصل. أما السنغال، فقد نجحت في تحويل وفرة المواهب إلى قوة جماعية منظمة، مدعومة بتجربة احترافية واسعة للاعبيها في أقوى الدوريات الأوروبية.
- الاستمرارية بدل الاندفاع
ما يميز هذا النهائي هو أن المنتخبين لم يبلغا المباراة النهائية عبر اندفاع عاطفي أو لحظة توهج عابرة، بل عبر توازن تكتيكي، نضج ذهني، وقدرة على إدارة المباريات الصعبة.
هي صفات لم تكن دائماً مرتبطة بكرة القدم الإفريقية، لكنها اليوم أصبحت جزءاً من هويتها الجديدة.
- نهائي يعكس تحوّل مركز الثقل
يجمع النهائي بين منتخب من شمال القارة وآخر من غربها، في إشارة واضحة إلى أن كرة القدم الإفريقية لم تعد حكراً على منطقة بعينها. لقد أصبح التنافس قائماً على أساس جودة المشروع، لا على التاريخ فقط.
كما يؤكد هذا النهائي أن المنتخبات الإفريقية القادرة على المنافسة قارياً وعالمياً هي تلك التي استثمرت في التخطيط، والاستقرار التقني، ومنحت الوقت الكافي لمدربيها ولاعبيها.
- أكثر من كأس… رسالة للمستقبل
مهما كان الفائز بالكأس، فإن الرابح الحقيقي هو كرة القدم الإفريقية نفسها.
نهائي المغرب والسنغال يبعث برسالة واضحة مفادها أن القارة تسير بخطى ثابتة نحو مستوى أعلى من التنظيم والاحتراف، وأن زمن الارتجال يفسح المجال تدريجياً لزمن المشاريع.
إنه نهائي لا يحسم لقباً فقط، بل يلخص مرحلة انتقالية في تاريخ الكرة الإفريقية، مرحلة تتشكل فيها قوى جديدة قادرة على المنافسة، والاستمرار، وصناعة الفارق.
