بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام والصناعة الثقافية
بين هدير الجماهير في المدرجات، وحماس المباريات التي تشعل مدن المغرب، تخطف كأس إفريقيا للأمم 2025 الأضواء باعتبارها أكبر تظاهرة كروية تشهدها القارة السمراء. غير أن نجاح هذا الحدث لا يُقاس فقط بما يحدث داخل المستطيل الأخضر، بل بما يجري خلف الكواليس، حيث يعمل آلاف المتطوعين في صمت، مجسدين صورة «جنود الخفاء» الذين يقوم عليهم التنظيم اليومي للبطولة.
- التطوع: ركيزة أساسية في التنظيم
منذ الإعلان عن استضافة المغرب لنهائيات كأس إفريقيا للأمم 2025، كان واضحًا أن التحدي لا يقتصر على البنية التحتية أو الجاهزية الرياضية، بل يمتد إلى الجانب البشري والتنظيمي. وهنا برز دور المتطوعين كعنصر محوري في إنجاح التظاهرة، من خلال توليهم مهام متعددة تشمل الاستقبال، الإرشاد، التنظيم داخل الملاعب، مرافقة الوفود، الدعم اللوجستي، والمساعدة الإعلامية.
في المدن المستضيفة، تحوّل المتطوعون إلى الواجهة الأولى التي يلتقي بها الزوار والمشجعون القادمون من مختلف أنحاء إفريقيا والعالم، ما جعلهم سفراء غير رسميين للمغرب وللحدث القاري.
- تكوين وتأطير يعكسان احترافية التنظيم
لم يكن اختيار المتطوعين عشوائيًا. فقد خضعوا لعملية انتقاء دقيقة، تلتها دورات تكوينية ركزت على مهارات التواصل، التعامل مع الجماهير، إدارة الحشود، الإسعافات الأولية، واحترام القوانين التنظيمية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
هذا التأطير عكس رغبة الجهات المنظمة في تقديم نسخة احترافية من “الكان”، تليق بصورة المغرب كبلد منظم وقادر على احتضان تظاهرات كبرى، وقادر أيضًا على المنافسة على تنظيم كأس العالم مستقبلًا.
- بين الشغف الوطني وروح المسؤولية
بالنسبة لغالبية المتطوعين، لا يقتصر الأمر على أداء مهام تنظيمية، بل هو تعبير عن انتماء وطني ورغبة في المساهمة في إنجاح حدث تاريخي على أرضهم. هذا الشغف انعكس في التفاني والانضباط، وفي القدرة على التعامل مع ضغط المباريات، كثافة الجماهير، واختلاف الثقافات واللغات.
ومع ذلك، يظل العبء الملقى على المتطوعين كبيرًا، خاصة مع طول أيام البطولة، وتنوع المسؤوليات، ما يفتح نقاشًا حول ضرورة موازنة التطوع بين الحماس الشعبي والحقوق المعنوية والتنظيمية.
- الطلبة الأفارقة جنوب الصحراء: بعد إفريقي متجذر في تجربة التطوع
ومن بين المكونات اللافتة داخل منظومة التطوع في كأس إفريقيا للأمم 2025، يبرز حضور الطلبة الأفارقة جنوب الصحراء الذين يتابعون دراستهم بالمعاهد والجامعات المغربية. هؤلاء الطلبة لم يكونوا مجرد عنصر داعم في التنظيم، بل شكلوا قيمة مضافة حقيقية، بحكم إلمامهم بثقافات بلدانهم الأصلية، وقدرتهم على التواصل بلغات متعددة، وفهمهم العميق لخصوصيات الجماهير الإفريقية.
مشاركتهم في مجالات الاستقبال، الإرشاد، ومرافقة الوفود والجماهير، جسدت البعد الإفريقي العميق للمغرب، ورسخت صورته كفضاء للاندماج والتعايش والتعاون جنوب جنوب. كما عكست هذه المشاركة نجاح السياسة المغربية في مجال التعاون الأكاديمي والثقافي مع دول إفريقيا، حيث تحوّل الطلبة من مستفيدين من التكوين إلى فاعلين ميدانيين في إنجاح أكبر تظاهرة كروية بالقارة.
- صورة المغرب في أعين إفريقيا
لعب المتطوعون دورًا محوريًا في ترسيخ صورة إيجابية عن المغرب لدى الجماهير الإفريقية. حسن الاستقبال، سرعة التفاعل، والقدرة على التواصل بعدة لغات، جعلت تجربة المشجعين أكثر سلاسة، وأسهمت في خلق أجواء احتفالية تعكس عمق الروابط الإفريقية.
وفي كان 2025، بدا واضحًا أن التنظيم لا يعتمد فقط على المنشآت الحديثة، بل على العنصر البشري المؤهل، الذي شكّل المتطوعون عماده الأساسي.
- اعتراف ضروري بدور جنود الظل
رغم مساهمتهم الحاسمة، يبقى المتطوعون بعيدين عن الأضواء الإعلامية، مقارنة باللاعبين والمنتخبات. غير أن أي تقييم موضوعي لنجاح كأس إفريقيا للأمم 2025 لا يمكن أن يتجاهل دورهم. فالانسيابية في التنظيم، غياب الفوضى، وسلاسة الخدمات، كلها مؤشرات على عمل ميداني دؤوب يقوم به هؤلاء الجنود المجهولون.
- خاتمة
في كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب، لم يكن المتطوعون مجرد عنصر مساعد، بل كانوا شريكًا حقيقيًا في صناعة النجاح. هم الجنود الذين عملوا بصمت، وحملوا على عاتقهم مسؤولية كبيرة، وساهموا في تقديم صورة مشرفة عن المغرب وعن الكرة الإفريقية. وبين صخب المدرجات وبريق النجوم، يظل المتطوعون الركيزة الخفية التي بدونها لا يكتمل العرس الكروي القاري.
