لم يعد النقاش حول استعمال الأطفال للسوشيال ميديا مجرد خلاف عائلي حول عدد ساعات الهاتف أو توقيت إطفاء الشاشة. في بريطانيا، دخل كبار الأطباء على الخط برسالة أكثر حدة: الخطر الذي تطرحه المنصات الرقمية على صحة الأطفال أصبح، في نظرهم، من القضايا التي توحد المهنة الطبية كما وحّدها سابقاً ملف التدخين والسلامة داخل السيارات. هذا التشبيه لا يعني أن الهاتف يسبب نفس أمراض التبغ، لكنه يكشف حجم القلق من محتوى عنيف، تصميمات إدمانية، اضطراب النوم، ومشاكل نفسية وجسدية بدأت تظهر يومياً داخل العيادات.
تحذير طبي غير عادي من بريطانيا
حذرت أكاديمية الكليات الطبية الملكية في بريطانيا وإيرلندا من أن السوشيال ميديا والتعرض غير المنضبط للتكنولوجيا والأجهزة الرقمية يشكلان خطراً متزايداً على الأطفال واليافعين. وجاء موقف الأكاديمية ضمن مساهمة رسمية في مشاورات الحكومة البريطانية حول حماية الأطفال على الإنترنت، وهي مشاورات تبحث إجراءات أكثر صرامة لتنظيم وصول القاصرين إلى المنصات الرقمية.
وبحسب تقرير نقلته وكالة Reuters يوم 26 ماي 2026، قالت الأكاديمية إن هذه القضية باتت تصطف إلى جانب التدخين ووضع أحزمة الأمان في السيارات كواحدة من الملفات النادرة التي تجمع الأطباء حول ضرورة التدخل. وتمثل الأكاديمية 23 كلية وهيئة طبية ملكية في المملكة المتحدة وإيرلندا، ما يمنح موقفها وزناً مهنياً كبيراً في النقاش العام.
لماذا استُخدم تشبيه التدخين؟
تشبيه السوشيال ميديا بالتدخين لا يجب فهمه كمعادلة طبية حرفية بين شاشة الهاتف والسيجارة. المقصود، كما يظهر من خطاب الأطباء، هو أن المجتمع تعامل طويلاً مع التدخين باعتباره اختياراً فردياً قبل أن تتراكم الأدلة وتفرض الصحة العامة قواعد جديدة: تحذيرات، منع الإعلانات المضللة، تحديد السن، وتقليص التعرض القسري. اليوم يرى الأطباء أن الأطفال يواجهون بيئة رقمية مصممة لجذب الانتباه لأطول مدة ممكنة، بينما قدرتهم على التمييز والحماية الذاتية ما تزال في طور النمو.
الخطر هنا لا يأتي من الوجود العادي على الإنترنت فقط، بل من اجتماع عدة عوامل: خوارزميات تقترح المحتوى باستمرار، خاصية التمرير اللامحدود، الإشعارات المتكررة، البث المباشر، مشاركة الموقع، والمحتوى العنيف أو الجنسي أو المحرض على إيذاء الذات. لذلك يدعو الأطباء إلى الانتقال من نصائح فردية للأسر إلى قواعد عامة تُلزم الشركات والحكومات.
أرقام مقلقة من عيادات الأطباء
أشارت الأكاديمية إلى أن أكثر من نصف الأطباء المشاركين في استطلاع شمل 132 طبيباً قالوا إنهم يشاهدون أسبوعياً على الأقل حالة ضرر صحي يمكن أن تكون مرتبطة بالتكنولوجيا والأجهزة الرقمية. كما قال أكثر من الثلث إنهم يلاحظون أدلة على هذا النوع من الضرر مرات متعددة في الأسبوع.
وتتراوح الأضرار، وفق ما أورده التقرير، بين إصابات جسدية مرتبطة بتقليد محتويات خطيرة أو متطرفة، وتأثيرات نفسية مثل الصدمة بعد مشاهدة العنف، والقلق، اضطراب النوم، التوتر، أو الانخراط في سلوكيات مؤذية. هذه المعطيات لا تعني أن كل استعمال للسوشيال ميديا خطر، لكنها تؤكد أن التعرض غير المحكوم، خصوصاً في سن مبكرة، صار موضوعاً صحياً لا ترفيهياً فقط.
ما الإجراءات التي تدرسها بريطانيا؟
تبحث الحكومة البريطانية سلسلة إجراءات للحد من تعرض الأطفال للمخاطر الرقمية. ومن بين الخيارات المطروحة منع استعمال السوشيال ميديا لمن هم دون 16 سنة، أو فرض قيود أقل شمولاً مثل حظر ليلي، حدود زمنية للتطبيقات، أو تعطيل بعض الميزات التي توصف بأنها إدمانية.
وتشمل النقاشات أيضاً تقليص أثر الخوارزميات الشخصية، وتقييد ميزات مثل التمرير اللانهائي، البث المباشر، مشاركة الموقع، وبعض وظائف تطبيقات الدردشة أو روبوتات الذكاء الاصطناعي. وتقول الحكومة البريطانية إن قانون السلامة على الإنترنت يلزم المنصات بحماية الأطفال من المحتوى غير القانوني والضار، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى نيتها الذهاب أبعد من ذلك.
ليست بريطانيا وحدها في هذا المسار
تأتي التحذيرات البريطانية وسط موجة عالمية أوسع. فقد أصبحت أستراليا أول دولة تعتمد حظراً على استخدام منصات التواصل لمن هم دون 16 سنة، بينما تناقش دول أوروبية إجراءات مماثلة أو بدائل تنظيمية أكثر تدرجاً. وفي بريطانيا نفسها، تخوض مئات الأسر تجارب تشمل الحظر المؤقت، تقليص وقت التطبيقات، والحظر الليلي لمعرفة تأثيرها على نوم الأطفال، الدراسة، والحياة العائلية.
غير أن النقاش لم يُحسم بعد. فبعض الخبراء يخشون أن يؤدي الحظر الكامل إلى دفع الأطفال نحو فضاءات أقل أماناً أو إلى حرمانهم من تعلم مهارات رقمية ضرورية. كما يعارض بعض اليافعين القيود الشاملة، معتبرين أن المشكلة ليست في وجود المنصات بحد ذاته، بل في طريقة تصميمها وفي ضعف أدوات الحماية.
ما الذي يجب أن تفهمه الأسر؟
بالنسبة للأسر المغربية والعربية، لا يعني الخبر البريطاني انتظار قانون محلي حتى يبدأ النقاش داخل البيت. المطلوب هو التعامل مع الهاتف والتطبيقات كما نتعامل مع النوم، الغذاء، الرياضة، والوقت المدرسي: جزء من صحة الطفل لا مجرد وسيلة ترفيه. فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى “منع” مفاجئ، بل إلى حدود واضحة، حوار، ومرافقة تدريجية.
- تحديد أوقات ثابتة بلا هاتف، خاصة قبل النوم وأثناء الوجبات.
- إبعاد الهاتف عن غرفة النوم عند الأطفال واليافعين قدر الإمكان.
- تفعيل أدوات الرقابة الأبوية، لكن دون تحويل العلاقة إلى مراقبة قاسية فقط.
- سؤال الطفل عن المحتوى الذي يراه، لا الاكتفاء بعدّ الساعات.
- الانتباه إلى علامات القلق، الانعزال، اضطراب النوم، تراجع الدراسة، أو تقليد سلوكيات خطيرة.
- تقديم بدائل حقيقية: رياضة، قراءة، أنشطة عائلية، صداقات واقعية، ومهارات خارج الشاشة.
المشكلة ليست في الطفل وحده
من الأخطاء الشائعة تحميل الطفل أو الأسرة المسؤولية كاملة. فالمنصات الكبرى بُنيت في جزء كبير منها على اقتصاد الانتباه: كل دقيقة إضافية داخل التطبيق تتحول إلى بيانات وإعلانات ومكاسب. لذلك يطالب الأطباء بأن يتحمل القطاع الرقمي مسؤوليته، لا أن تُترك العائلات وحدها أمام خوارزميات أقوى من قدرتها اليومية على المتابعة.
وتبرز هنا أهمية التفريق بين الاستعمال المفيد للتكنولوجيا، مثل التعلم والتواصل المنظم والبحث، وبين الاستعمال القهري الذي يصبح مرتبطاً بالقلق، المقارنة المستمرة، التنمر، المحتوى العنيف، أو السهر الطويل. التنظيم الذكي لا يعني معاداة التكنولوجيا، بل حماية الطفل من نموذج تجاري لا يضع مصلحته دائماً في المركز.
تحذير الأطباء البريطانيين يفتح مرحلة جديدة في النقاش حول السوشيال ميديا والأطفال. فبعد سنوات من اعتبار المشكلة شأناً تربوياً داخل البيوت، يتحول الملف إلى قضية صحة عامة، مثلما حدث سابقاً مع التدخين والسلامة الطرقية. وبين الحظر الكامل والقيود الجزئية، تبقى الرسالة الأساسية واضحة: ترك الأطفال وحدهم أمام تصميمات رقمية إدمانية ومحتويات صادمة لم يعد خياراً آمناً. المطلوب اليوم توازن جديد يحمي الصحة النفسية والجسدية، دون حرمان الجيل الجديد من استعمال التكنولوجيا بشكل واع ومسؤول.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله