الدروس الخصوصية: أحد معوقات التحول الديمقراطي للتعليم
مع قرب الامتحانات، تجد الأسر المغربية نفسها أمام أعباء كثيرة، سواء على المستوى المادي أو النفسي، وتأتي الدروس الخصوصية على رأس قائمة الأولويات التي تسعى الأسر إلى تسديد فاتورتها، بعد أن أصبحت “ضرورة تعليمية” لا يمكن للتلميذ الاستغناء عنها من أجل الاستعداد “الأمثل” للامتحانات، وضمان استيعاب الدروس واجتياز مواد الامتحان بشكل أفضل، وبالتالي النجاح بميزة تفتح له باب التسجيل في المدارس والكليات ذات الاستقطاب المحدود.
لأجل النجاح في الامتحانات الإشهادية، أصبحت الدروس الخصوصية عادة وسلوكًا عامًا وظاهرة تربوية واجتماعية شائعة ومنتشرة، يقبل عليها التلاميذ بشراهة وكثرة، لأنها حسب اعتقادهم واعتقاد أولياء أمورهم تدعم مكتسباتهم المعرفية وتعززها، وترفع مستوى تحصيلهم، وتساعد على إكمال المقرر والبرنامج الدراسي، وتعدهم لاجتياز الامتحانات بنجاح، وحتى بتفوق وتميز.
هي “ثقافة” جديدة تشجع على دخول “سوق” رواج الدروس الخصوصية، وتطرح مشكلة تعد من أهم المشكلات التي تواجه المنظومة التعليمية، ويطلق عليها البعض “التعليم في السوق السوداء” أو “تعليم الظل” أو “التعليم الموازي”، وهو نظام خفي متسلق وانتهازي يعتمد في سيرورته ووجوده على “إخفاق” نظام التعليم الرسمي، بل ويتأثر به، فكلما انخفض مستوى جودة الخدمة التعليمية في النظام التعليمي الرسمي العمومي، استقوت وانتشرت الدروس الخصوصية.
بل إنها أحد معوقات التحول الديمقراطي للتعليم في المغرب، لدرجة أن الوزارة الوصية على القطاع، ومعها الحكومة، رفعت الراية البيضاء اتجاه ظاهرة الدروس الخصوصية، بعد أن لاحظت تجذر هذه الظاهرة في المجتمع المغربي بشكل لم تبلغه حتى الدروس النظامية، وتحولت مراكز تقديم الدروس الخصوصية إلى مدارس موازية قائمة بذاتها، وأحيانًا يمكن اعتبارها المدرسة الأولى للتلميذ، تتحكم في مساره وفي كل أطواره الدراسية من الابتدائي إلى الإعدادي إلى الثانوي.
وأصبح الطلب عليها أكثر من العرض، كما تستقطب كل الشرائح الاجتماعية، من أبناء الفقراء إلى أبناء أغنى الأغنياء، بل وحتى من أبناء المسؤولين في قطاع التربية والتعليم الذين يعارضونها قولًا ويرضخون لها فعلًا بحجة أن “مستوى التعليم العمومي انهار”.
تتضارب تقييمات الباحثين والدراسين والمربين حول الظاهرة، حتى أصبحت موضع جدال حاد بين من يرى فيها علاجًا للأمراض “التربوية” التي تنخر جسد المنظومة التعليمية، ومن يرى فيها تهديدًا للمجانية والمساواة وتكافؤ الفرص وإقبارًا للمدرسة العمومية، وهناك من يعتبرها نتيجة للسياسة الليبرالية المتوحشة للاقتصاد الوطني.
الفئة الأولى ترى أن الدروس الخصوصية ظاهرة سلبية لا تعبر إلا عن جشع المقاولة التربوية “الخاصة” وسعيها إلى الكسب غير المشروع، وتحويل الدروس الخصوصية المقدمة للزبناء إلى سلع وبضائع تخضع لقانون “العرض والطلب” و”الجودة والربح”.
أما الفئة الثانية، فترى أنها ليست نتاج تقصير من قبل المدرسين أو إهمال من المدرسة العمومية، بقدر ما هي نتاج ضعف أداء المنظومة التربوية، واكتظاظ الأقسام، وانعدام الشروط التربوية، وعدم ملاءمة المقرر الدراسي لقدرات التلاميذ وحاجاتهم كمًّا وكيفًا، مما يدفع المدرسين إلى نهج أسلوب التقزيم والتلخيص لإتمام المقرر والمنهاج على حساب الكفايات المعرفية ومهارات الفهم والتحليل والإنجاز والتقييم، وكذا عدم مراعاة اختلاف القدرات التعليمية للتلاميذ، الأمر الذي يدفع أغلبية التلاميذ إلى اللجوء إلى الدروس الإضافية الخصوصية لدعم وتقوية مكتسباتهم المعرفية ورفع مستوى تحصيلهم وإنهاء البرنامج الدراسي.
أما الفئة الثالثة، فتذهب إلى وصف ظاهرة الدروس الخصوصية بأنها نتاج السمة الاستهلاكية المتصاعدة للمجتمع، إذ ينشغل الآباء والأمهات في واجباتهم اليومية لتأمين حاجيات أبنائهم في التعليم وغيره.
وعمومًا، فإن الدروس الخصوصية المدفوعة الأجر لها أضرار وآثار سلبية واسعة وممتدة تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، وتعيق دمقرطة المؤسسات التعليمية، وتساهم في تفشي ظاهرة الغش، كما أن لها آثارًا مدمرة على الأسرة وعلى المؤسسات الاجتماعية ذات الصلة بالتنشئة والتربية والتعليم.
ومن ذلك:
أ- الآثار السلبية على الأسرة
الأسرة تتحمل الأعباء المادية التي تثقل كاهلها، وفي بعض الأحيان يستدين ولي الأمر أو يوفر من دخل الأسرة الذي ينفقه على ضروريات الحياة، بعد أن فقدت هذه الأسر الثقة في المدرسة لأنها لا تفي بالمتطلبات التعليمية والتربوية للأبناء.
ب- الإرهاق البدني والنفسي
سواء أثناء التنقل إلى مراكز الدعم الخصوصي أو خلال الساعات المتتالية والطويلة التي تمتد إلى وقت متأخر من الليل، وخاصة خلال الأيام الأخيرة قبيل الامتحانات، مما يحرم التلاميذ من الحصول على أوقات للراحة والأنشطة المجتمعية.
ج- الهجرة الجماعية إلى مراكز الدعم
وإفراغ الفصول الدراسية والأقسام من التلاميذ الذين يفضلون “الاعتكاف” داخل هذه المراكز لأسابيع وأيام قبل الامتحانات، وقد يستغرق “الاعتكاف” اليومي من الساعة التاسعة صباحًا إلى ما بعد الساعة العاشرة ليلًا.
د- هيمنة أسلوب التلقين
القائم على حفظ وتذكر المعلومات وليس فهمها أو تنمية القدرات الأساسية على التفكير والمهارات الحياتية، وهو ما يفقد القدرة على التعلم الذاتي.
هـ- ضرب مجانية التعليم
تنفق الأسر مبالغ لا طاقة لها بها على الدروس الخصوصية، مما يهدر مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص التعليمية.
و- العزوف عن المواد الثانوية
التي لا تدخل ضمن المواد الأساسية في الامتحانات الإشهادية، مما يخلق تفاوتًا وإشكالًا في نظام التقويم.
الغش يدمر مؤشرات الجودة
الغش يعد من أخطر الظواهر التربوية لأنه يلحق الضرر بالنظام التعليمي ويؤثر في نزاهة الامتحانات ويمس بسمعتها ومصداقيتها، ويدمر مؤشرات الجودة، وينتج تفوقًا وهميًا، مما ينعكس سلبًا على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين المتعلمين.
كما أنه يسيء إلى القيمة الرمزية والأكاديمية للشهادة التعليمية ويدمر مصداقيتها وطنيا ودوليا.
الغش حين يتسلل إلى جسم المنظومة التعليمية وإلى نظام التقويم أساسًا، فإنه يعمل على تدمير وتبخيس جهود التلاميذ المتميزين والمتفوقين والنجباء، من خلال سرقة تميزهم والسطو على مرتبتهم المتميزة المتحققة بمجهوداتهم الذاتية.
كما يتسبب الغش في تزييف نتائج التقييم والتقويم وعدم احترام تكافؤ الفرص بين المتعلمين، ومن ثم التشكيك في مصداقية الشهادة العلمية والأكاديمية ومصداقية النظام التعليمي بشكل عام.
وإذا لم يتم علاج هذه الظاهرة والقضاء عليها، فإن ذلك يعد خيانة للقيم التربوية والمجتمع ككل.
الغش هو عملية تحريف وتزييف للتقويم التربوي، مما يضرب في العمق مبدأ المساواة أو دمقرطة التعليم، ويحد من نجاعة نظام الامتحانات ويشكك في النتائج.
وهو أخطر تهديد يحول دون تطوير منظومة التربية والتكوين والارتقاء بجودة التعليم.
وتتداخل عوامل تربوية واجتماعية وتكنولوجية في انتشار عدوى الغش في الامتحانات والمباريات، من بينها:
- الضغط الاجتماعي والأسري
- التطور التكنولوجي
- الخوف والقلق
- الغياب عن الدروس النظامية
- ضعف الوازع الأخلاقي والتربوي
القوانين والمذكرات لردع الغش… لكن دون ردع أسبابه
قبل موعد امتحانات الباكالوريا، تشدد الوزارة الوصية تدابيرها الخاصة بالتصدي للغش عبر تأمين وتجهيز مراكز الامتحانات وتوفير العدد الكافي من الأطر الإدارية والمراقبين، ومنع إدخال أو استعمال الهواتف النقالة والأجهزة الإلكترونية داخل مراكز الامتحان.
كما أصدرت الوزارة مذكرة تدعو إلى تشديد إجراءات تنظيم الامتحانات الإشهادية بمختلف أسلاك التعليم، مع التركيز على محاربة ظاهرة الغش.
ومن بين الإجراءات الجديدة:
- إلزام المترشحين بتسليم الهواتف النقالة قبل دخول مركز الامتحان
- تعميم النظام الإلكتروني لرصد حالات الغش
- تعزيز دور الملاحظين واللجان المحلية والمتنقلة
- إحداث خط أخضر للتبليغ عن الخروقات
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يعاود الغش الظهور مع كل امتحان؟
إن الحل لا يكون فقط في المزيد من الرقابة والتشديد والردع، بل في إرساء البنيات الوظيفية لتطوير التقويم وتحسين الجودة وتحقيق تكافؤ الفرص، وعقد لقاءات وندوات ودورات تكوينية وتوجيهية بالمؤسسات التعليمية، لإرشاد التلاميذ إلى كيفية الاعتماد على النفس وتنظيم الوقت والمراجعة الصحيحة.
إن من شأن هذه الإجراءات وغيرها الحد من انتشار الغش الذي يدمر مؤشرات جودة التعليم في بلدنا.
ذ. محمد بادرة