بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة
لو كانت السياسة فناً لإدارة التناقضات، لكان النظام العسكري الجزائري مرشحاً لنيل جائزة عالمية بلا منازع. فليس سهلاً أن تقول الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، وأن تفعل ذلك أمام العالم كله، وعلى شاشات التلفزيون، وفي البيانات الرسمية، ومن دون أن يرف لك جفن.
فها هي الجزائر تستقبل المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، وتعلن بكل وقار دبلوماسي أنها تدعم المفاوضات “دون شروط مسبقة”، وأنها تؤيد جهود الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي للنزاع حول الصحراء المغربية.
- كلام جميل. بل جميل جداً.
لكن المشكلة أن هذا الكلام يصطدم مباشرة بجدار الواقع.
فمنذ سنوات، لا يكاد يمر أسبوع دون أن يخرج أحد قادة البوليساريو بخطاب تهديد أو وعيد أو دعوة إلى التصعيد أو محاولة نسف كل ما تدعو إليه الأمم المتحدة من تهدئة ومسار سياسي. والسؤال البسيط الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت الجزائر تدعو فعلاً إلى التفاوض دون شروط، فمن الذي يشجع الطرف الذي تحتضنه وتموله وتدافع عنه دبلوماسياً على التمرد المستمر على روح هذا التفاوض؟
- هنا تبدأ الكوميديا السياسية.
فالجزائر تقول إنها ليست طرفاً في النزاع، لكنها تتحرك فيه أكثر من أطراف النزاع أنفسهم. وتقول إنها مجرد “بلد جار”، لكنها تخصص له جزءاً كبيراً من دبلوماسيتها وتحركاتها الدولية. وتقول إنها تدعم الأمم المتحدة، لكنها لا تتوقف عن توفير الغطاء السياسي لخطاب يهاجم كل مقاربة واقعية للحل.
- إنها معجزة سياسية حقيقية.
وجه أول يظهر أمام الأمم المتحدة بربطة عنق دبلوماسية أنيقة، يتحدث عن الحوار والتوافق والحلول السياسية.
ووجه ثانٍ يختبئ خلف كراكيز البوليساريو، يواصل النفخ في أبواق التصعيد ويروج لأوهام تجاوز قرارات مجلس الأمن والعودة إلى نقطة الصفر.
ووجه ثالث يجوب العواصم والمنتديات والمنظمات الإقليمية بحثاً عن أي موقف يمكن تقديمه على أنه “انتصار” ضد المغرب، حتى لو كان مجرد تصريح عابر أو موقف هامشي لا يغير شيئاً من موازين الواقع.
أما المواطن المتابع لهذا المشهد، فلا يملك إلا أن يتساءل: هل نحن أمام سياسة خارجية واحدة أم أمام فرقة مسرحية تتناوب على الخشبة بالأقنعة نفسها؟
والأكثر إثارة للسخرية أن هذه التناقضات لم تعد تُمارس في الخفاء. لم تعد تُدار خلف الأبواب المغلقة أو في الغرف المظلمة. بل أصبحت تُعرض أمام الملأ، في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، وفي التصريحات السياسية، وفي المنابر الدولية، وكأن أحداً لم يعد يكلف نفسه عناء البحث عن الحد الأدنى من الانسجام بين الخطاب والممارسة.
وفي كل مرة يتحدث فيها المسؤولون الجزائريون عن “التفاوض دون شروط”، يعود السؤال ليطرق الباب بإلحاح أكبر: هل تم إبلاغ البوليساريو بذلك؟ وهل طُلب منها فعلاً الالتزام بما تدعو إليه الجزائر رسمياً؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه خطاباً موجهاً للاستهلاك الدبلوماسي الخارجي، بينما تجري على الأرض لعبة مختلفة تماماً؟
لقد أصبحت المفارقة صارخة إلى درجة أن المجتمع الدولي بات يدرك أن المشكلة لم تعد في غياب المبادرات، بل في وجود خطابين متناقضين يصدران من الجهة نفسها: خطاب رسمي يتحدث لغة الأمم المتحدة، وخطاب سياسي وإعلامي موازٍ يعيش خارج الزمن الدولي وخارج التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة.
إن أخطر ما في هذا السلوك ليس فقط أنه يطيل أمد النزاع، بل أنه يضعف مصداقية أصحابه. فالعالم قد يختلف حول الحلول، وقد يتباين حول المقاربات، لكنه لا يحترم سياسة تقوم على ارتداء قناع جديد في كل مناسبة.
وفي النهاية، لا تكمن السخرية في دعوة الجزائر إلى التفاوض دون شروط، بل في كون هذه الدعوة تصدر من سلطة أمضت سنوات وهي تتحدث بلغة، بينما تشجع حلفاءها على التحرك بلغة أخرى.
إنه مشهد عبثي مكتمل الأركان: يد تمتد إلى طاولة المفاوضات أمام الكاميرات، ويد أخرى تدفع نحو التصعيد خلف الستار.
أما الباقي، فليس سياسة ولا دبلوماسية، بل مجرد محاولة متواصلة للضحك على الذقون… وعلى المجتمع الدولي أيضاً.

