ثمة صورة سائدة في مجتمعنا تتعلق بنظرات الشفقة والرأفة للمتقاعدين والمتقاعدات على اعتبار أجلهم المهني والوظيفي قد انتهى وفائدتهم الاجتماعية لم تعد قائمة وأصبحوا عاجزين عن توفير الحاجيات الأساسية للحياة وغير قادرين على تأمين كلفة الخدمات الصحية مع استمرار تكالب السياسات الاجتماعية “وقوانينها” الحمائية المتوحشة مما أثر في جودة حياتهم وحوّل تقاعدهم الى مقتل.
بعد ثلاثين أو أربعين سنة من العمل ومن التضحيات والبذل والإخلاص والعطاء للوطن والمجتمع يحال الموظف على التقاعد ليبدأ تدريبا جديدا في تدبير موارده المحدودة التي تنهشها الأوضاع الاقتصادية المتأزمة وقوانينها الحمائية المتوحشة ولم يكن ذلك ضمن شروط حياة الوظيفة التي قضى فيها زهرة حياته.. هو تدريب خاص على فن البقاء على قيد الحياة بأقل الإمكانيات وهي دورة تدريبية الزامية لا تحتاج الى شهادة تقدير أو شهادة احتياج ولا تمنح فيها الكفاءة..
في حياة التقاعد لا يحتاج المتقاعد الى تطبيقات الكترونية أو برامج في الادخار والاستثمار لإدارة مصروفه الشهري لأن الوضعية التي يدبّرها بسيطة جدا: الراتب الشهري لا يتغير الاّ الى ما هو أسوأ .. المعاش تابت لا يتغير في قيمته وأرقامه وحروفه، لكن فواتير الماء والكهرباء والدواء والديون وغيرها تتساقط وتصطف لاستقباله مع بداية اليوم الأول من صرف المعاش أو الراتب التقاعدي ويحدث لقاء قصير بين الراتب أو المعاش التقاعدي وبين حاجاته الأساسية للحياة وقد لا يتجاوز ذلك أياما قليلة ليصاب المعاش أو الراتب التقاعدي بالتلاشي والذوبان لأنه منزوع الدسم ثم يعلن عن وفاة الراتب والمعاش الشهري وفي انتظار اشعار آخر الشهر من الصندوق أو البنك !!
والمضحك المبكي في نفس الآن أن المتقاعد ينصح بعد فترة طويلة من العمل أن (يحافظ على صحته)وكأن الصحة قرار شخصي لا علاقة له بالمستوى المعاشي وبسعر الدواء ولا بطوابير المستشفيات ولا بفاتورة العلاج أو كأن المرض يحتاج الى موافقة مسبقة قبل أن يزور المتقاعد !!
أما كلمة (استراحة بعد الخدمة) فهي من أجمل النكات الإدارية، فالمتقاعد يكتشف أن الخدمة انتهت لكن أقساط الديون لم تنته، والأبناء ما يزالون في طور الدراسة أو في جحيم البطالة، والمرض لم يحترم قرار التقاعد، والأسعار الملتهبة لم تحصل على نسخة من قرار الإحالة على التقاعد !!
يقف المتقاعد أمام راتبه الشهري المتجمد ويحاول أن يفهم المعادلة العجيبة: كيف يمكن لمعاشه أن يوفر له حياة كريمة وهو الذي أفنى عمره في خدمة المِؤسسة والدولة والمجتمع. المتقاعد لا يطلب فيلا فاخرة، ولا سيارة فارهة، ولا رحلة حول العالم.. كل أحلامه أصبحت متواضعة الى درجة مؤلمة: دواء متوفر وقادر على اقتنائه، راتب أو معاش يلبي الاحتياجات اليومية في حدودها الدنيا، ويوفر امكانية أداء فواتير الماء والكهرباء والهاتف والسكن ومتطلبات العيش البسيط له ولأبنائه، ويتمنى كرسيا مريحا يجلس عليه دون أن يحسب ثمنه أو فنجان قهوة كل صباح في مكان يوفر الكرامة !!
ربما آن الأوان في وطننا أن يدخل(علم التقاعد المغربي ) ضمن التدريب والتكوين النظري والعملي للموظف والأجير أو يدرس في الجامعات والمعاهد والمدارس العليا لأنه تجربة فريدة في الحياة تجمع بين الاقتصاد وعلم النفس وفنون الصبر وقليل من الكوميديا السوداء !!
عناء المتقاعدين والمتقاعدات له علاقة مباشرة بالسياسات الاقتصادية الحكومية وليس بالأخلاق الإنسانية، فثمة مشكلات يعانيها المتقاعدون بجميع أطيافهم ودرجاتهم ومنها عدم كفاية الرواتب التقاعدية لتلبية الحاجات الأساس للحياة وتضاؤل قيمتها في ضوء التراجع الاقتصادي والقوانين “الحمائية” وعدم وجود آلية اقتصادية واجتماعية منصفة لتعديل قيمة المعاش التقاعدي وفقا للتضخم الحاصل في البلد مما يتسبب في تراجع قيمة المعاش الحقيقي مع مرور الزمن، ويبدو أننا أمام سياسات حكومية يمكن تسميتها بلا مبالغة (القناعة القسرية) وهي ليست تلك القناعة التي يتغنى بها الوعاظ بل قناعة تفرض قسرا وتؤسس لثقافة وسياسة تقشفية يطلب فيها من المتقاعد أن يعيد النظر في كل تفاصيل حياته: ما يأكله.. ما يشربه.. ما يحلم به.. وكأن التقشف هو مرض اقتصادي لا يصيب الا المتقاعد.. والمتقاعد هو الصورة الأوضح لفلسفة التقشف، فهو رجل أفنى عمره في الخدمة تم كوفئ براتب يصلح لاختبار الصبر لا لتأمين العيش.. يطلب منه أن يتحمل الفاقة والخصاص ويؤمن بالصبر.. فاللحم مضر.. والدجاج خطر على الصحة (وينصح باتباع نظام الطيبات) أما السياحة فلا يجب أن يحلم بزيارة تركيا أو دبي وانما الاكتفاء بالمشي كنشاط رياضي !!
ان السياسات الحكومية تنظر الى المتقاعد كرقم يضاف أو ينقص أو يزال من أموال وموارد الدولة وهي الخطوات والقرارات التي تعرضها الحكومات عادة على مواطنيها تحت مسميات تتعلق عادة ب”الإصلاح” وتقول الباحثة الاجتماعية ابتسام العوفير أن نظرة المجتمع الى المتقاعد غالبا ما تكون قاصرة لا تستوعب مدى التغيرات التي تطرأ على شخصيته بعد التقاعد كما أنها نظرة تختزله في شخص ينتظر موته !!
نظام التقاعدي الحالي اذا استمر على هذه الوتيرة دون تعديل أو تغيير سيجر معه نتائج اجتماعية عكسية خطيرة وعليه لابد من اخراج قانون بديل للتقاعد للضرورة الاقتصادية والاجتماعية الملحة بأسرع وقت ودون تباطؤ أو تلكؤ أو تهاون أو تسويف ومن باب رد الجميل لهذه الفئة التي خدمت الوطن وأبناء الوطن .. على الحكومة أن تعيد النظر في أنظمة التقاعد عبر اصلاح جريء وعادل ومستدام يضع مصلحة الأجيال القادمة فوق الحسابات الاقتصادية الآنية والقوانين الحمائية المتوحشة ويؤسس لعقد اجتماعي يجمع بين التضامن والمسؤولية وبين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية..
ان شح الشيخوخة يستلزم سخاء الانفاق الذي بدوره يتطلب معاشا تقاعديا يستجيب لحاجات المتقاعد علما أن الفرد كلما كبر سنه ازدادت حاجته الى الانفاق وعند الشيخوخة أو المرض تزداد حاجته الى الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية مما يتطلب ضرورة تحسين معاش التقاعد ليلبي تلك الحاجات الأساسية وليكون قوة شرائية متلائمة مع الحياة الاقتصادية.. ولقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الفترة من 2021 وحتى 2030 عقدا للنهوض بالصحة في مرحلة الشيخوخة لكن المؤشرات حتى اللحظة لا تنبئ بنهضة أو ما يشابه النهضة بالصحة الانسانية قبل أو خلال فترة التقاعد..
فهل يحلم المتقاعد بالحياة الكريمة أم يرى نفسه منتهي الصلاحية ؟؟
ذ. محمد بادرة




