في كثير من الأحيان لا يكون أكثر ما يرهق المرأة في العمل هو ضغط المهام أو كثرة الملفات أو ضيق الوقت، بل طريقة التعامل اليومية مع أشخاص ينقلون الإحباط إلى كل زاوية: زميل يشتكي باستمرار، يهاجم كل فكرة جديدة، يقلل من مجهود الآخرين، أو يحوّل أبسط نقاش مهني إلى موجة من التذمر والقلق.
- من هو الزميل السلبي؟ ليس كل من يشتكي عدواً لك
- الخطوة الأولى: لا تدخلي في عدوى المزاج السيئ
- ضعي حدوداً واضحة من دون قسوة
- لا تحاولي إصلاحه على حساب نفسك
- احمي سمعتك المهنية: ابتعدي عن القيل والقال
- استعملي التواصل الحازم لا العدواني
- وثقي السلوك إذا تجاوز الحدود
- ابحثي عن الحلفاء الهادئين داخل العمل
- اعتني بنفسك خارج المكتب أيضاً
- متى يجب رفع الأمر للإدارة؟
- الهدوء ليس ضعفاً… بل مهارة بقاء مهنية
هذا النوع من السلبية قد يبدو في البداية مجرد طبع شخصي عابر، لكنه مع التكرار يصبح عاملاً مؤثراً في التركيز والمزاج والثقة بالنفس. لذلك لا يتعلق الأمر بتغيير شخصية الزميل أو الدخول في حرب صامتة معه، بل بتعلم طريقة ذكية لحماية الطاقة النفسية، والحفاظ على المهنية، ووضع حدود واضحة من دون أن يتحول مكان العمل إلى ساحة صراع.
من هو الزميل السلبي؟ ليس كل من يشتكي عدواً لك
الزميل السلبي ليس بالضرورة شخصاً سيئاً أو مؤذياً عن قصد. أحياناً يكون تحت ضغط، أو يعيش احتراقاً مهنياً، أو تعلّم أن النقد المستمر وسيلة للدفاع عن نفسه. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه السلبية إلى نمط دائم: تعليقات محبطة، تشكيك في كل قرار، نقل الإشاعات، تضخيم الأخطاء، أو محاولة جرّ الآخرين إلى دوائر الغضب والشكوى.
التمييز مهم هنا: هناك زميل يمر بمرحلة صعبة ويحتاج إلى تعاطف، وهناك زميل يجعل السلبية سلوكاً يومياً يستهلك من حوله. التعامل مع الحالتين لا يكون بنفس الطريقة. التعاطف مطلوب، لكن التعاطف لا يعني أن تتحولي إلى حاوية لمشاعر الآخرين طوال اليوم.
الخطوة الأولى: لا تدخلي في عدوى المزاج السيئ
السلبية معدية لأنها تتسلل عبر التفاصيل الصغيرة: تعليق ساخر في الصباح، نظرة تشاؤمية قبل اجتماع مهم، أو جملة من نوع “لن يتغير شيء”. ومع الوقت، تجدين نفسك تكررين نفس النبرة أو تتوقعين الفشل قبل أن تبدئي. لذلك أول دفاع هو الوعي: اسألي نفسك بعد كل حديث طويل مع هذا الزميل، هل خرجت بمعلومة مفيدة أم خرجت بطاقة أقل؟
عندما تلاحظين أن الحوار يتحول إلى دائرة مغلقة من الشكوى، لا تحتاجين إلى مقاطعته بعنف. يكفي أن تعيدي النقاش إلى العمل: “ما الحل العملي الآن؟”، “ما الخطوة التي يمكن تنفيذها؟”، أو “خلينا نركز على المهمة الحالية”. هذه الجمل البسيطة لا تهاجم الشخص، لكنها تمنع السلبية من قيادة يومك.
ضعي حدوداً واضحة من دون قسوة
أكبر خطأ تقع فيه بعض النساء في بيئة العمل هو الخلط بين اللطف والتوفر الدائم. يمكنك أن تكوني لطيفة، متعاونة، ومهنية، من دون أن تقبلي كل مكالمة، وكل حديث جانبي، وكل شكوى لا تنتهي. الحدود لا تعني الوقاحة؛ الحدود تعني أن وقتك وطاقتك لهما قيمة.
يمكنك استعمال عبارات قصيرة وواضحة: “عندي موعد تسليم، نكمل لاحقاً”، “ما نقدرش ندخل في هاد النقاش دابا”، “خلينا نخلي الحديث مرتبطاً بالمهمة”. كلما كانت الجملة هادئة ومباشرة، قلت فرصة تحويلها إلى صدام. المهم ألا تفتحي الباب لتبريرات طويلة، لأن التبرير المبالغ فيه قد يعطي الطرف الآخر فرصة للضغط عليك.
لا تحاولي إصلاحه على حساب نفسك
من الطبيعي أن ترغبي في مساعدة زميلة أو زميل يمر بضغط نفسي أو مهني. لكن تحويل نفسك إلى مستشارة دائمة داخل المكتب قد يرهقك، خصوصاً إذا كان الطرف الآخر يرفض الحلول ويبحث فقط عن شخص يسمعه يكرر نفس الشكوى. هنا يجب التفريق بين الدعم الإنساني وبين استنزافك.
قولي مثلاً: “أفهم أن الأمر مزعج، ربما من الأفضل مناقشته مع المسؤول المباشر”، أو “يمكن أن نركز على ما يمكن تغييره الآن”. بهذه الطريقة تظهرين الاحترام، لكنك لا تتحملين مسؤولية مشاعر شخص آخر بالكامل. لا أحد يستطيع إنقاذ بيئة العمل وحده، ولا ينبغي أن تدفعي صحتك النفسية ثمناً لمحاولة إصلاح كل شيء.
احمي سمعتك المهنية: ابتعدي عن القيل والقال
الزميل السلبي غالباً ما يخلط بين الفضفضة والقيل والقال. يبدأ الحديث بشكوى من ضغط العمل، ثم يتحول إلى انتقاد زملاء آخرين أو التشكيك في نوايا الإدارة. المشاركة في هذه الأحاديث قد تبدو بريئة، لكنها قد تضعك في دائرة لا تريدينها، خصوصاً إذا نُقلت كلماتك خارج سياقها.
الأفضل أن تخرجي من النقاشات الشخصية بلباقة: “ما عنديش كل المعطيات باش نحكم”، “نخليو الموضوع مهني”، أو “الأفضل يتناقش الأمر مع الشخص المعني مباشرة”. هذه العبارات تحميك من التورط، وتبعث رسالة واضحة بأنك لا ترغبين في بناء علاقات العمل على الشائعات.
استعملي التواصل الحازم لا العدواني
التواصل الحازم يعني أن تقولي ما تحتاجينه بوضوح، من دون هجوم ولا تراجع زائد. إذا كان الزميل يقاطعك باستمرار، يمكنك أن تقولي: “خليني نكمل الفكرة، وبعدها نسمع رأيك”. إذا كان يهاجم اقتراحاتك دائماً، قولي: “أرحب بالملاحظات، لكن نحتاج ملاحظات محددة تساعدنا نطور الفكرة”.
هذه الصياغات مهمة لأنها تنقل الحوار من الشخصنة إلى السلوك. أنت لا تقولين “أنت سلبي”، بل تقولين إن طريقة النقاش الحالية لا تساعد العمل. هذا الفرق يقلل التوتر، ويجعل موقفك أقوى إذا احتجت لاحقاً إلى توثيق المشكلة أو عرضها على المسؤولين.
وثقي السلوك إذا تجاوز الحدود
إذا تحولت السلبية إلى إساءة، تهكم متكرر، إقصاء، إهانة، ضغط، أو عرقلة مباشرة لعملك، فلا تتعاملي مع الأمر كأنه مجرد “طبع صعب”. هنا يصبح التوثيق ضرورياً: التاريخ، الوقت، ما حدث، من كان حاضراً، وأثر ذلك على العمل. لا تكتبي انطباعات عامة فقط؛ اكتبي وقائع واضحة.
التوثيق لا يعني أنك تبحثين عن مشكلة، بل أنك تحمين نفسك إذا احتجت إلى الحديث مع مسؤولة مباشرة أو قسم الموارد البشرية. عندما تكون الوقائع مرتبة، يصبح النقاش أكثر مهنية وأقل عاطفية. أما إذا شعرت بأن الأمر يصل إلى تنمر أو تحرش أو تمييز، فالأفضل طلب الدعم عبر القنوات الرسمية داخل المؤسسة.
ابحثي عن الحلفاء الهادئين داخل العمل
وجود شخص سلبي لا يعني أن بيئة العمل كلها سلبية. أحياناً يطغى صوت الشخص المتذمر لأن الآخرين صامتون. لذلك ابحثي عن زملاء مهنيين، هادئين، يركزون على الحلول لا على الدراما. العلاقة مع هؤلاء تمنحك توازناً نفسياً، وتذكرك بأن الصورة ليست قاتمة دائماً.
لكن انتبهي: الحليف المهني ليس فريقاً ضد الزميل السلبي. الهدف ليس صناعة معسكرات داخل المكتب، بل بناء شبكة دعم صحية: تبادل معلومات، تعاون في المهام، وتشجيع متبادل على الأداء الجيد. كلما زاد حضور العلاقات المتوازنة في يومك، قل تأثير الشخص السلبي على مزاجك.
اعتني بنفسك خارج المكتب أيضاً
التعامل مع السلبية يحتاج طاقة، والطاقة لا تأتي من العمل فقط. النوم الكافي، الحركة اليومية، فترات الراحة، تقليل التفكير في مشاكل المكتب بعد انتهاء الدوام، كلها عناصر تساعدك على عدم حمل التوتر إلى البيت. لا تسمحي لشخص واحد في العمل أن يحتل مساحة يومك كله.
إذا لاحظت أن القلق مستمر، أو أن مزاجك يتأثر بشدة قبل الذهاب إلى العمل، أو أنك تفقدين الثقة في نفسك بسبب تعليقات متكررة، فقد يكون من المفيد التحدث مع مختص نفسي أو مستشار مهني. طلب المساعدة ليس ضعفاً، بل خطوة واعية لحماية التوازن.
متى يجب رفع الأمر للإدارة؟
ليس كل موقف يستحق تصعيداً إدارياً، لكن هناك علامات لا ينبغي تجاهلها: تكرار الإهانة، التهديد، السخرية أمام الآخرين، تخريب العمل، نشر معلومات مضللة عنك، أو الضغط عليك لقبول ما يضر مهامك. في هذه الحالات، الحديث الودي قد لا يكفي.
اختاري توقيتاً هادئاً، وقدمي الوقائع لا الانفعالات: “حدث كذا في تاريخ كذا، وتكرر كذا، وهذا أثره على إنجاز المهمة”. هذه الطريقة تجعل الإدارة ترى المشكلة كمسألة عمل وسلامة نفسية، لا كخلاف شخصي بسيط. وإذا لم توجد استجابة، يمكن البحث عن قنوات بديلة حسب نظام المؤسسة والقانون المحلي.
الهدوء ليس ضعفاً… بل مهارة بقاء مهنية
التعامل مع الزميل السلبي لا يحتاج صراعاً يومياً ولا مجاملة مستمرة. يحتاج وعياً، وحدوداً، وذكاءً في اختيار المعارك. يمكنك أن تكوني متعاونة من دون أن تكوني مستنزفة، وأن تكوني محترمة من دون أن تسمحي لأحد بتقليل قيمتك أو سرقة تركيزك.
في النهاية، بيئة العمل الصحية لا تُبنى فقط بالقوانين، بل أيضاً بطريقة كل شخص في حماية طاقته واحترام طاقة الآخرين. وعندما تتعلمين قول “لا” بهدوء، وتحافظين على مهنيتك، وتطلبين الدعم عند الحاجة، تصبحين أقل تأثراً بالسلبية وأكثر قدرة على قيادة يومك بثقة.
