“أخطر إنسان هو من فشل في إصلاح نفسه وقرر محاربة كل من نجح في ذلك.”
ليست الخطورة دائمًا في صاحب القوة أو النفـوذ، بل قد تكمن في الإنسان الذي هزمته معركته مع نفسه، ثم قرر أن ينقل ساحة المعركة إلى الآخرين. فمن يعجز عن إصلاح ذاته، يجد في نجاح غيره مرآةً تعكس تقصيره، فيختار كسر المرآة بدل مواجهة صورته.
إن إصلاح الذات رحلة شاقة، تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والانضباط، والصبر، والقدرة على مراجعة النفس وتغيير السلوك. وهي رحلة لا ينجح فيها الجميع، لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تبرير أخطائه أكثر من الاعتراف بها. لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في الفشل ذاته، وإنما في طريقة التعامل معه؛ فهناك من يجعل من إخفاقه دافعًا للنهوض، وهناك من يحوله إلى وقود للحقد على كل من استطاع أن ينجح فيما أخفق هو فيه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فبدل أن يتحول الإحباط إلى مراجعة للنفس، يتحول إلى عداء لكل ناجح، وتشكيك في كل إنجاز، وتقليل من قيمة كل متميز. وكأن الرسالة التي يريد إيصالها هي: “إذا لم أستطع أن أنجح، فلن أسمح لأحد أن ينجح.”
هذا النوع من الأشخاص لا يكتفي بإيقاف عجلة تقدمه، بل يسعى إلى تعطيل الآخرين أيضًا. فيهاجم أصحاب المبادرات، ويحارب الكفاءات، وينشر الإشاعات، و يعرقل الأنشطة ويستغل أي فرصة لإسقاط من اجتهد حتى لا يبقى أمامه من يذكره بعجزه.
وتزداد الخطورة عندما يجد هذا الشخص في المنصب أو السلطة ( رئيس مصلحة )وسيلة لتنفيذ أحقاده الشخصية. فبدل أن يكون المنصب أمانة لخدمة الناس وتحقيق العدالة، يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات، وإقصاء الكفاءات، والتضييق على أصحاب الضمير الحي. وهنا يصبح الخطر مضاعفًا، لأن الضرر لا يصيب الأفراد فقط، بل يمتد إلى المؤسسة والمجتمع بأكمله.
إن المجتمعات لا تتراجع بسبب قلة الكفاءات، بل لأن بعض أصحاب النفوذ(،،،) يضيقون ذرعًا بكل صاحب كفاءة، ويعتبرون نجاحه تهديدًا لمكانتهم، فيسعون إلى محاربته بدل دعمه. وهكذا تُحارب المبادرات، ويُهمش المخلصون، ويُفتح المجال لأصحاب الولاءات على حساب أصحاب الكفاءات.
وفي المقابل، فإن الإنسان الواثق من نفسه لا يرى في نجاح الآخرين خطرًا، بل مصدرًا للإلهام. يدرك أن النجاح ليس موردًا محدودًا، وأن تقدم الآخرين لا ينتقص من قيمته، بل يزيد المجتمع قوةً ورقيًا. لذلك يفرح للمتميزين، ويتعلم منهم، ويسعى إلى تطوير نفسه بدل الانشغال بإسقاط غيره.
ولعل ما يزيد هذا الموضوع أهمية أنه ليس مجرد طرح فكري أو تأمل فلسفي، بل إن المتأمل في واقعنا يجد نماذج عديدة تستحق الوقوف عندها. ففي مدينتنا الحبيبة، كما في غيرها من المدن، يلاحظ كثيرون ممارسات يطغى فيها الصراع الشخصي على روح المسؤولية، ويُستغل فيها المنصب أحيانًا بطريقة تُفقده رسالته النبيلة( ضيعة الوالد)، فيتحول من وسيلة لخدمة الصالح العام إلى أداة للتضييق على أصحاب الكفاءة والنزاهة، بدل احتضانهم وتشجيعهم.
ولذلك، فإن هذه الكلمات ليست موجهة إلى شخص بعينه، ولا تستهدف الإساءة إلى أحد ، وإنما هي دعوة صادقة لكل من يتحمل مسؤولية، بأن يجعل من منصبه وسيلة لخدمة الناس لا لمحاربة الشرفاء، ولترسيخ قيم العدل والإنصاف لا لتصفية الحسابات.
– رسالة إلى من يهمه الأمر…
إلى كل من يرى في منصبه وسيلة للانتقام، ويستغل الوظيفة التي اؤتمن عليها لمحاربة الشرفاء وأصحاب الكفاءة والإخلاص؛ تذكر أن المنصب زائل، وأن السلطة مهما طالت فهي مؤقتة، أما الأثر الذي يتركه الإنسان في ضمائر الناس وفي سجل التاريخ فباقٍ.
لعل هذه الرسالة توقظ ضميرًا غفل، أو تدفع نفسًا إلى مراجعة ذاتها قبل أن يفوت الأوان. فالشرفاء قد يتعرضون للظلم، لكنهم لا يفقدون شرفهم، أما من يجعل من وظيفته أداة لإقصاء المخلصين، فإنه لا يسيء إليهم بقدر ما يسيء إلى نفسه وإلى المؤسسة التي يمثلها.
ويبقى الحق أقوى من النفوذ، والضمير أبقى من السلطة، والتاريخ لا يخلّد أصحاب المناصب، بل يخلّد أصحاب المبادئ. فإصلاح الذات هو أعظم انتصار يحققه الإنسان، أما محاربة الناجحين فلن تكون يومًا طريقًا إلى النجاح، بل اعترافًا غير معلن بالهزيمة أمام النفس.
“و نحن و الحمد لله غنا الله”
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

