عاد مشروع تمديد القطار فائق السرعة نحو أكادير إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، بعد سؤال شفوي وجهه النائب البرلماني حسان التابي إلى وزارة النقل واللوجستيك، طالب من خلاله بالكشف عن الجدول الزمني المرتبط بتنفيذ مشروع ربط مدينة أكادير بقطار “البراق”، مع استحضار أفق ربط هذا المسار مستقبلا بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
ويأتي هذا السؤال في سياق تزايد انتظارات ساكنة أكادير وسوس ماسة بخصوص هذا المشروع الاستراتيجي، الذي لم يعد ينظر إليه فقط كخط سككي جديد، بل كبوابة محتملة لفك نوع من العزلة السككية التاريخية عن عاصمة سوس، وربطها بمحور مراكش والدار البيضاء والرباط وطنجة.
وشدد التابي، في مداخلته البرلمانية، على أن قطاع النقل السككي بالمغرب يعيش تحولا مهما خلال السنوات الأخيرة، ضمن رؤية وطنية تروم تحديث البنيات التحتية، وتعزيز الترابط بين الجهات، وجعل النقل السككي رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
واستحضر البرلماني، في هذا السياق، المكاسب التي حققتها المملكة في مجال السكك الحديدية، مبرزا أن المغرب يتوفر على شبكة تمتد على آلاف الكيلومترات، مع نسبة مهمة من الخطوط المكهربة، إلى جانب التجربة النموذجية لقطار “البراق” فائق السرعة، الذي قلص زمن السفر بين طنجة والدار البيضاء، ورسخ صورة جديدة للتنقل السككي بالمملكة.
غير أن السؤال الأبرز بالنسبة لأكادير وسوس ماسة لا يتعلق بما تحقق في الشمال والوسط فقط، بل بما تبقى منتظرا في الجنوب. فساكنة أكادير، ومعها مناطق واسعة من سوس والأقاليم الجنوبية، تترقب الانتقال من مرحلة الدراسات والإعلانات إلى مرحلة جدول زمني واضح يحدد متى يصل القطار فائق السرعة إلى المدينة.
وتؤكد المعطيات المنشورة من طرف وزارة النقل واللوجستيك أن مشروع تمديد الخط فائق السرعة نحو أكادير يقوم على إنشاء خط سككي جديد بين مراكش وأكادير بطول يقارب 240 كيلومترا، وبكلفة تقديرية كبيرة، تجعل منه واحدا من أضخم أوراش النقل المنتظرة جنوب المملكة.
وتكمن صعوبة هذا المشروع في طبيعته الجغرافية والهندسية، لأنه يعبر مجالا معقدا بين مراكش وأكادير، مرورا بمناطق جبلية وممرات تتطلب منشآت فنية ضخمة، من قناطر وأنفاق وتجهيزات تقنية، بما يجعل المشروع أكبر من مجرد تمديد عادي للشبكة السككية.
ولهذا، فإن مطلب الكشف عن الجدول الزمني لا يبدو مطلبا سياسيا عاديا، بل حاجة ترابية واقتصادية. فمدينة أكادير تستعد لاستحقاقات سياحية ورياضية واقتصادية كبرى، وتراهن على تعزيز موقعها كقطب جنوبي للمملكة، وهو رهان لا يمكن أن يكتمل دون ربط سككي قوي وسريع.
اقتصاديا، يمكن لخط مراكش–أكادير فائق السرعة أن يغير علاقة الجهة بالأسواق الوطنية. فاختصار زمن السفر سيرفع جاذبية أكادير بالنسبة للمستثمرين والسياح والطلبة والمهنيين، كما سيسهل الربط بين المدينة ومطارات وموانئ ومراكز اقتصادية كبرى.
سياحيا، سيكون المشروع ذا أثر مباشر على وجهة أكادير، التي تعتمد اليوم أساسا على الربط الجوي والطريق السيار. فوجود قطار فائق السرعة سيفتح أمام الزوار خيارا ثالثا، ويجعل الربط بين مراكش وأكادير أكثر سلاسة، بما قد يدعم البرامج السياحية المشتركة بين المدينتين.
أما اجتماعيا، فالمشروع يعني الكثير لساكنة سوس ماسة. فهو ليس فقط وسيلة نقل مريحة، بل مؤشر على العدالة المجالية، وعلى حق الجهة في الاستفادة من نفس مستوى البنيات الكبرى التي عرفتها جهات أخرى. ومن هنا، يكتسب السؤال البرلماني بعدا رمزيا واضحا: متى يدخل الجنوب زمن السرعة السككية؟
ويطرح التابي، من خلال سؤاله، بعدا آخر يتمثل في التفكير في ربط أكادير مستقبلا بالأقاليم الجنوبية. وهذا الطرح ينسجم مع الرؤية التي تعتبر أكادير بوابة طبيعية نحو الجنوب، ونقطة وصل بين وسط المغرب وأقاليمه الجنوبية، سواء على مستوى التنقل البشري أو اللوجستيك أو التنمية الاقتصادية.
لكن تحويل هذا الطموح إلى واقع يتطلب أكثر من الإعلان عن الرغبة. فالأمر يحتاج إلى تمويل واضح، وجدولة دقيقة، وتواصل منتظم مع الرأي العام، حتى لا يبقى المشروع محصورا في خانة الانتظار أو الوعود العامة.
كما أن ساكنة أكادير وسوس ماسة تحتاج إلى معرفة موقع المشروع ضمن الأولويات الوطنية: هل سيأتي مباشرة بعد تمديد الخط نحو مراكش؟ ما هي المراحل المقبلة؟ هل انتهت الدراسات التقنية؟ ما هي مصادر التمويل؟ وهل توجد آجال تقريبية للانطلاق الفعلي للأشغال؟
وتزداد هذه الأسئلة أهمية لأن المغرب يعيش مرحلة توسع في مشاريع البنيات التحتية، استعدادا لاستحقاقات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، إضافة إلى الرهانات السياحية والاقتصادية المرتبطة بجعل المملكة منصة إفريقية ومتوسطية في النقل واللوجستيك.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل مشروع البراق نحو أكادير عن وضعية النقل الحالية بين مراكش وأكادير. فالطريق السيار يشكل اليوم العمود الفقري للتنقل بين المدينتين، لكنه لا يعوض الحاجة إلى ربط سككي عصري قادر على نقل أعداد كبيرة من المسافرين بسرعة وأمان، وتقليص الضغط على الطرق.
كما أن المشروع، إذا أنجز، سيكون له أثر على مدن ومناطق وسيطة، وعلى الدينامية الاقتصادية المحيطة بالمحطات المحتملة، وعلى الاستثمار في الخدمات والفندقة والنقل الحضري، شريطة أن يتم التفكير فيه ضمن رؤية متكاملة لا تكتفي بإنجاز الخط، بل تضمن ربطه بباقي وسائل النقل داخل أكادير والجهة.
وفي انتظار جواب أكثر تفصيلا من وزارة النقل واللوجستيك، يبقى السؤال البرلماني إشارة سياسية إلى أن ملف قطار أكادير لم يعد ملفا تقنيا داخل مكاتب الدراسات فقط، بل أصبح مطلبا جهويا واضحا يتكرر في النقاش العمومي والبرلماني.
فأكادير التي تراهن على السياحة، والموانئ، والفلاحة، والخدمات، والرياضة، لا يمكن أن تظل خارج الخريطة السككية الحديثة إلى أجل غير محدد. وكل تأخر في توضيح الجدول الزمني يعمق شعور الساكنة بأن الجنوب ما يزال ينتظر حصته من مشاريع السرعة الكبرى.
في النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد هل تحتاج أكادير إلى القطار فائق السرعة، بل متى يتحول هذا المشروع إلى ورش ملموس؟ فالمدينة والجهة تنتظران جوابا واضحا، لأن ربط أكادير بالبراق لن يكون مجرد إنجاز تقني، بل خطوة في اتجاه إدماج سوس ماسة بقوة أكبر في الدينامية الوطنية الكبرى.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله