عادت قضية إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التعليمية المغربية إلى الواجهة،من بوابة واقعة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تخفي أعطابا عميقة. إنها معاناة أستاذة للغة الأمازيغية في مؤسسة تعليمية بأيت ملول، والتي ظلّت لأكثر من عام دراسي تبحث عن “قسم” لتدرس فيه، فتحول بحثها عن حجرة دراسية إلى استعارة كاشفة عن تعثرات برنامج التنزيل الفعلي للأمازيغية، لا في شقه التقني فحسب، بل وفي أعماقه المجتمعية والذهنية.
كما يوضح الباحث أحمد بوزيد في تحليله للواقعة، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد عائق إداري في “تدبير جدول الحصص”، بل هو عائق له صلة بالذهنيات. إنه “نوع من مقاومة التعددية اللغوية والثقافية نتيجة سطوة نسق التطابق”، ورغبة في البقاء في “منطقة الطمأنينة” ومقاومة كل ضيف جديد على المدرسة بـ “ضيافة ترميقية لا تستلطف الضيف الرمزي”.
ويذهب تحليل بوزيد إلى أبعد من ذلك، مقيما تقاطعا لافتا مع الاستعارة الأشهر للحركة النسوية، “غرفة تخص المرء وحده” للروائية فرجينيا وولف. فإذا كانت غرفة وولف ترمز إلى البحث عن فضاء للخصوصية والاختلاف الجندري، فإن “قسم الأمازيغية” يرمز إلى البحث عن فضاء للخصوصية الثقافية والاختلاف اللغوي. وهكذا، فإن أوانس وولف تتصادى مع أوانس “تانيرت”، رمز الجذور الأمازيغية الممتدة في عمق التاريخ المغربي.
يشرح بوزيد أن هذه الظاهرة ليست جديدة على المدرسة المغربية، بل تتكرر مع كل مقاربة بيداغوجية جديدة أو اختيار في السياسة اللغوية. يتم “تهويل” الضيف الجديد و”التأليب عليه” قبل حتى “تبين معالمه”. وقد حدث هذا مع اللغة الأمازيغية نفسها عندما خرج أساتذتها المتخصصون من مراكز التكوين، كما حدث مع كتب اللغة العربية التي انفتحت على بعض المفردات من الدارجة المغربية، وكما يحدث مع كل امتحان أو نص تعليمي يحاول أن يقترب من محيط التلميذ الثقافي.
لكن الباحث يقدم لنا بصيص أمل من خلال قراءة سوسيولوجية للتحول. فالمجتمع، عبر التاريخ، يقاوم الجديد في البداية ثم ما يلبث أن يستوعبه ويُأْلِفه. لقد حُرّم الشاي حين دخل المغرب، ثم أصبح مشروب الفقهاء في مجالسهم. وقوبل ارتداء الجلابة من قبل النساء بوصم “الاسترجال”، قبل أن تتحول إلى رمز للحشمة والوقار. “وهكذا، يختل التوازن، ثم يحدث الاستيعاب والملاءمة، يتكفل الزمن بدوزنة الإيقاع والطباع”. والسؤال المطروح: هل لدينا من الوقت ما يكفي لاستيعاب لغة تتعرض ترسانتها اللغوية والثقافية لـ “إحاثة مستمرة” في زمن العولمة؟
ينتقل التحليل إلى مستوى أعمق، فيشير إلى منطلقين لهذه المقاومة. الأول، طباعي، مرتبط برفض الجديد كما أسلفنا. أما الثاني، والأكثر خطورة، فهو “عسر استنبات متخيل المواطنة”. فبدل أن يحكم مجتمع المدرسة بالقانون والعقلانية والحق والواجب، تسيطر الأهواء وتتحول النقابات – التي هي من منتجات متخيل المواطنة – من أدوات للدفاع عن الحق إلى “مطية لتصريف الأهواء”، حيث تُهيل على هذه الأهواء “ملمحا مؤسسيا يواريها”، فتدافع عن طرف دون آخر دون تحرٍّ للوقائع.
في واقعة أيت ملول، كما يذكر بوزيد، أصدرت سكرتاريات نقابية بيانا دون الاتصال بالطرف الآخر لفهم وجهتي النظر، مما يعكس “وجه التعمية” و”سطوة الأهواء على مقتضيات متخيل المواطنة”. متخيل المواطنة الحقيقي، كما يراه الكاتب، يجب أن يقوم على “عقلانية تقوم على الحق الذي يكفله القانون، لا على عاطفية ما يكفله الحشد”.
تكشف واقعة أستاذة الأمازيغية في أيت ملول عن “خيوط العنف المزدوج” الذي تتعرض له المرأة حاملة هم لغة وثقافة مغيبة. إن اجتماع قضية اللغة وقضية المرأة في واقعة واحدة، كما يخلص الباحث أحمد بوزيد، يكشف عن “أفق مدني مشترك بين حركتين مدنيتين، همهما المواطنة ومتخيلها، إزاء تاريخ من الألم والنسيان والوصم”.
إن البحث عن “قسم للغة الأمازيغية” هو في جوهره بحث عن اعتراف، ليس باللغة وحدها، بل بكل الاختلافات التي تثري النسيج الوطني. وهو اختبار حقيقي لمدى قدرة “مجتمع المدرسة” على تجاوز ذهنيات الماضي، والانخراط في إيقاع الزمن المجتمعي الذي أقر بالتعددية والاختلاف كأساس للمواطنة الحقة.


التعاليق (0)