لم تعد مدينة أكادير تعيش مجرد وتيرة عادية لتنفيذ برنامج تنموي ممتد لسنوات، بل دخلت، وتحديداً في الأسابيع الماضية، مرحلة “السرعة القصوى” التي تشبه عمليات “اللمسات الأخيرة” قبل إسدال الستار. فالمتجول في شوارع عاصمة سوس اليوم، يلمس تغيراً جذرياً في “نبض” الأشغال يختلف كلياً عما كان سائداً قبل أشهر قليلة فقط. حالة استنفار قصوى حولت المدينة إلى ورشة مفتوحة لا تهدأ، مدفوعة بهاجس واحد: “العد التنازلي” لاستقبال إفريقيا في حدث “كان 2025”.

هذه الدينامية المتسارعة التي طفت على السطح مؤخراً، ليست مجرد استمرار روتيني لـ”برنامج التنمية الحضرية” الذي انطلق قبل أربع سنوات، بل هي “طفرة تنفيذية” آنية ومكثفة، فرضتها ضرورة الانتقال من مرحلة “التشييد الهيكلي” إلى مرحلة “الجاهزية الجمالية والوظيفية”. ففي غضون أيام معدودة، انتقل ثقل القرار الإداري والولائي من الاجتماعات المغلقة إلى الأرصفة والمواقع، في سباق محموم ضد الزمن لردم الهوة بين التخطيط والتسليم.
لكن، كيف تحولت أكادير في الآونة الأخيرة إلى نموذج حي لـ”الإدارة الميدانية” الصارمة؟ وكيف أعاد اقتراب موعد العرس القاري تشكيل المشهد الحضري، محولاً المشاريع الملكية من أوراش قيد الإنجاز إلى واقع ملموس يفرض نفسه بقوة اللحظة الراهنة؟
تعيش مدينة أكادير، الحاضرة المركزية لوسط المملكة، تحولاً تاريخياً يجسد نجاح نموذج تدبيري يقطع نهائياً مع أساليب التسيير التقليدية. ففي الوقت الذي تضع فيه المدينة اللمسات الأخيرة على “برنامج التنمية الحضرية (2020-2024)” الذي أطلقه جلالة الملك بغلاف مالي يناهز 6 مليارات درهم، تقف على أهبة الاستعداد لاستضافة تحدي كأس أمم إفريقيا 2025. هذا التزامن بين “حصاد ورش ملكي” و”جاهزية لاستحقاق قاري” فرض على السلطات الولائية والإدارية بالجهة، ترسيخ عقيدة تدبيرية جديدة؛ قوامها مغادرة “المكاتب المكيفة” والنزول بثقل القرار الإداري إلى “الميدان”.

لم يعد الرهان اليوم في عاصمة سوس ماسة مرتبطاً بتنفيذ مشاريع على الورق، بل بتكريس ثقافة الإنجاز الملموس. القراءة المتفحصة للمشهد المحلي تظهر أن المدينة انتقلت من سرعة “التخطيط” إلى سرعة “التسليم المتقن”، حيث أصبحت “الزيارة الميدانية” هي الآلية الوحيدة لضمان الجودة ومطابقة التنفيذ للتصاميم، بعيداً عن تقارير المكاتب التي قد لا تعكس الواقع النهائي.
سقوط مع “بيروقراطية المكاتب” أمام “واقعية الحذاء الميداني”
الملاحظة الأبرز في التحول الذي شهدته أكادير هي تغيير “مركز ثقل” القرار. لسنوات، كانت المشاريع تتعثر في دهاليز المراسلات الإدارية. اليوم، تم استبدال هذا النمط بما يمكن تسميته بـ “الإدارة عبر المعاينة المباشرة”.
هذا النهج، الذي يعتمد على “الحذاء الميداني” كأداة عمل رئيسية، ألغى المسافة الفاصلة بين صاحب القرار والورش. حينما ينتقل المسؤول الترابي الأول وفريقه التقني إلى مواقع الأشغال بشكل شبه يومي، فإن ذلك يبعث برسالة مزدوجة: الأولى للشركات نائلة الصفقات بأن معايير الجودة والتسليم في الوقت المحدد غير قابلة للتفاوض، والثانية للمصالح الخارجية بأن التنسيق يتم فوق “الإسمنت” وليس عبر الهاتف. هذه الدينامية مكنت من حلحلة مشاكل تقنية كانت توقف مشاريع حيوية لشهور، كتداخل الشبكات (ماء، كهرباء، اتصالات) في مسار خط الحافلات عالية الجودة “أملواي”، حيث يتم اتخاذ القرار فورياً في عين المكان بحضور جميع المتدخلين.
البرنامج الملكي: مرحلة “حصاد الإنجازات”
يشكل برنامج التنمية الحضرية لأكادير (PDU) العمود الفقري لهذا التحول. ومع وصوله إلى مراحله النهائية، دخلت المدينة مرحلة “تسليم المفاتيح” والإغلاق المتقن للأوراش الكبرى. التركيز الحالي منصب على ضمان جودة التشطيبات النهائية واستلام المشاريع التي غيرت وجه المدينة بالكامل.
ويعتبر المركز الاستشفائي الجامعي لأكادير، الذي تم الانتهاء من بنائه وتجهيزه بطاقة استيعابية تبلغ 867 سريراً وبتكلفة إجمالية فاقت 2.3 مليار درهم، جوهرة تاج هذا البرنامج التنموي. هذا الصرح الصحي الضخم لا يمثل فقط إنجازاً عمرانياً، بل هو تجسيد حي لأثر التنمية على حياة المواطنين، وتأكيد على أن الرؤية الملكية تضع العنصر البشري في صلب أولوياتها.
إلى جانب ذلك، يظهر التحليل الميداني الأثر الهائل لمحاور البنية التحتية الطرقية، من مداخل رئيسية ومحاور مدارية وأنفاق وجسور، والتي تحولت من مجرد رسومات هندسية إلى واقع ملموس فك العزلة المرورية عن المدينة وجعلها أكثر انسيابية وجاذبية. ومن أبرز هذه المشاريع المنجزة: تهيئة المدخل الشمالي الشرقي عبر الطريق السريع، إنشاء الممر تحت أرضي عند تقاطع شارع عبد الرحيم بوعبيد وشارع الجيش الملكي، وتأهيل شبكة طرق القرب في أكثر من 20 حياً ناقص التجهيز. كما أن مشروع الحافلات عالية الجودة “أملواي” على طول 15.5 كيلومتر وبـ 35 محطة، دخل مراحله النهائية ليغير مفهوم النقل الحضري بالمدينة.
“الكان 2025”: تتويج الجاهزية بمعايير دولية
إذا كان البرنامج الملكي قد وضع الأسس، فإن استحقاق كأس أمم إفريقيا 2025 يمثل “المسرّع” (Accelerator) الذي دفع بالمدينة نحو الجاهزية التامة. الاستعدادات لهذا الحدث القاري نقلت مستوى التدبير من “المحلي” إلى “المعايير الدولية”.
محيط ملعب “أدرار” الكبير وملاعب التداريب الملحقة لم تعد مجرد ورش، بل أصبحت بنية تحتية رياضية متكاملة وجاهزة. فقد تم تخصيص ميزانية هامة لإعادة تأهيل الملعب الرئيسي ليشمل تحديث الإنارة، المقاعد، والمرافق الإعلامية وفق معايير “الكاف” الدولية، بالإضافة إلى إنجاز ملاعب جديدة للتدريب بمواصفات عالمية. الأهم من ذلك هو الفلسفة التي أطّرت هذه الأشغال؛ فالأمر لم يتعلق فقط بتأهيل ملعب، بل بتأهيل المجال الحضري المحيط به ليكون في أبهى حلة لاستقبال ضيوف المملكة. هذا الربط بين “الرياضي” و”الحضري” يعكس نضجاً في الرؤية الاستراتيجية، حيث تم استغلال الحدث الرياضي لرفع جودة البنية التحتية والخدمات في المدينة ككل.
حلول استراتيجية هيكلية بمؤشرات استباقية
ولا تكتمل صورة “التدبير الميداني” دون الإشارة إلى الحلول الاستراتيجية للملفات الشائكة. فبدلاً من الاكتفاء بإجراءات ظرفية لمواجهة ندرة المياه، تبنت المدينة حلاً هيكلياً تمثل في محطة تحلية مياه البحر بمنطقة اشتوكة آيت باها، التي دخلت الخدمة فعلياً وتوفر حالياً قدرة إنتاجية تصل إلى نحو 275,000 متر مكعب يومياً (قابلة للتوسعة إلى 400,000 م³/يوم)، لتأمين الماء الصالح للشرب لأكادير الكبير وتوفير مياه السقي لـ 15,000 هكتار، في نموذج استباقي فريد.
في موازاة ذلك، تستمر حملات تحرير الملك العمومي وتنظيم قطاع النقل، والتي شملت إعادة تنظيم محطات سيارات الأجرة الكبيرة والصغيرة وإخلاء الأرصفة والشوارع الرئيسية التي تعيق انسيابية السير ومسار المشاريع المهيكلة. هذه الإجراءات تعكس رغبة في فرض “هيبة القانون” كجزء لا يتجزأ من التنمية. فلا يمكن الحديث عن مدينة سياحية عالمية تحتضن “الكان” في ظل الفوضى. هذا “التنظيم المجالي” يسير جنباً إلى جنب مع البناء والتشييد، لخلق بيئة حضرية متوازنة وجاذبة للاستثمار.
والظاهر أن ما حدث في أكادير ليس مجرد طفرة مؤقتة، بل هو تأسيس لـ “نموذج تدبيري” يقطع مع الانتظارية. الانتقال من “برودة المكاتب” إلى “حرارة الميدان” أثبت نجاعته في تحقيق إنجازات كبرى في وقت قياسي. وبينما تستعد المدينة لاستقبال إفريقيا في 2025، يبدو أن السلطات الترابية قد مرت إلى السرعة الثانية لتبيلغ الدرس جيداً للجميع: الإنجازات لا تتحقق بالتمنيات، بل بالمتابعة الميدانية الدقيقة والصرامة في التنفيذ. أكادير اليوم تقف على أعتاب مرحلة جديدة، وقد تحولت من ورش مفتوح إلى واجهة عصرية جاهزة، واللغة الوحيدة المسموعة فيها هي لغة الإنجاز بالأرقام والمشاريع الملموسة.


التعاليق (0)