الاستثمارات بجهة سوس ماسة: فرص كبيرة وأرقام تكشف حجم الرهان

11 دقائق (معدل القراءة)

لا تبدو جهة سوس ماسة مجرد مجال ترابي ينتظر الاستثمارات، بل جهة تقف عند مفترق اقتصادي دقيق: لديها فلاحة تصديرية قوية، ووجهة سياحية صاعدة، ومناطق صناعية في طور التموقع، وميناء ومطار وموقع جغرافي مهم، لكنها تواجه في الوقت نفسه أسئلة ثقيلة حول التشغيل، الماء، وتوزيع ثمار الاستثمار بين الساحل والداخل.

الأرقام تمنح صورة أوضح من الخطاب العام. فحسب الحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط، مثلت جهة سوس ماسة 6,6 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني سنة 2023، وهي نسبة تضعها ضمن الجهات المتوسطة الوزن اقتصاديا، بعيدا عن تمركز الثروة في محور الدار البيضاء ـ سطات والرباط ـ سلا ـ القنيطرة وطنجة ـ تطوان ـ الحسيمة.

هذا الرقم يكشف مفارقة مهمة: الجهة حاضرة بقوة في قطاعات حساسة مثل الفلاحة والتصدير والسياحة، لكنها لم تتحول بعد إلى قطب اقتصادي وطني بنفس وزن إمكانياتها الترابية. وهنا يبدأ سؤال التحقيق: هل المشكل في ضعف الفرص أم في بطء تحويلها إلى مشاريع منتجة للشغل والقيمة المضافة؟

فلاحة تقود الصادرات.. لكنها تواجه سقف الماء

أول باب كبير للاستثمار في سوس ماسة هو الفلاحة. فالجهة تعد من أهم الأحواض الفلاحية بالمغرب، خاصة في الخضر المبكرة والحوامض. وتفيد معطيات وزارة الفلاحة، خلال مجلس إدارة المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لسوس ماسة في يونيو 2024، بأن إنتاج الحوامض بلغ 429 ألف طن، بينما وصل إنتاج الخضر المبكرة إلى 1.934.895 طنا، مع مساهمة الجهة في 65 في المائة من صادرات الحوامض و86 في المائة من صادرات الخضر المبكرة على الصعيد الوطني.

هذه الأرقام تجعل الفلاحة في سوس ماسة قطاعا استثماريا مركزيا، لكنها تكشف أيضا أن الاستثمار المقبل لا يمكن أن يظل محصورا في الإنتاج الخام. الفرصة الحقيقية توجد في تثمين المنتوج: وحدات تحويل، تعبئة وتلفيف، تبريد، لوجستيك، علامات جودة، وتتبع رقمي لسلاسل الإنتاج.

فالطماطم والحوامض والمنتجات المحلية لا تحقق أقصى قيمة حين تغادر الجهة في شكل خام فقط. القيمة الأكبر تبدأ حين تتحول داخل الجهة إلى عصائر، ومركزات، ومنتجات غذائية، ومعلبات، ومدخلات للصناعات الغذائية، وهو ما يخلق فرص شغل أكثر استقرارا من العمل الموسمي وحده.

لكن هذا القطاع يحمل أكبر تحد بيئي واقتصادي في الوقت نفسه: الماء. لا يمكن لأي سياسة استثمارية في سوس ماسة أن تتجاهل الإجهاد المائي، لأن الفلاحة التصديرية نفسها تحتاج إلى نموذج أكثر اقتصادا للمياه، وإلى توجيه الاستثمارات نحو تقنيات الري، والتحلية، وإعادة استعمال المياه، والزراعات الأقل استنزافا.

الصناعة الغذائية.. عندما تتحول الفلاحة إلى مصنع

تظهر أهمية الصناعة الغذائية في سوس ماسة من خلال مشاريع ملموسة. فوزارة الصناعة والتجارة أعلنت، في سياق مشاريع صناعية لتعاونية كوباك بتارودانت، أن وحدتين جديدتين لصناعة الجبن المطبوخ وعصر الحوامض لإنتاج العصير ستخلقان 380 منصب شغل مباشر وأكثر من 2200 منصب غير مباشر. كما جرى توقيع بروتوكول اتفاق لمشروع صناعي جديد لتثمين وتحويل اللحوم البيضاء باستثمار يقارب 108 ملايين درهم، مع توقع خلق أكثر من 200 منصب مباشر و300 منصب غير مباشر.

هذه الأرقام مهمة لأنها تقدم مثالا واضحا على ما تحتاجه الجهة: ربط الإنتاج الفلاحي بالتصنيع المحلي. فكل وحدة تحويل تعني أن جزءا من القيمة التي كانت تغادر في شكل منتوج خام يمكن أن يبقى داخل الجهة في شكل أجور، ضرائب، خدمات نقل، صيانة، تبريد، تغليف، ومشتريات محلية.

ومن هنا، تبدو الصناعة الغذائية واحدة من أكثر فرص الاستثمار واقعية في سوس ماسة، لأنها لا تبدأ من الصفر. لديها قاعدة إنتاجية فلاحية، ومقاولات قائمة، وخبرة في التصدير، وموقع قريب من الميناء والمطار والطرق الوطنية.

الصناعة الموجهة للتصدير.. منطقة تسريع لكنها تحتاج إلى امتلاء فعلي

تراهن جهة سوس ماسة كذلك على الصناعة الموجهة للتصدير. ويعرض المركز الجهوي للاستثمار Zone d’Accélération Industrielle de Souss Massa كفضاء مخصصا للصناعات ذات القيمة المضافة، من بينها الصناعات الغذائية، والكيمياء وشبه الكيمياء، والسيارات، والطاقات المتجددة، والنسيج، ومواد البناء، مع اشتراط أن تحقق المقاولات المستقرة بها 85 في المائة على الأقل من رقم معاملاتها عند التصدير.

وتقدم هذه المنطقة امتيازات ضريبية وجمركية مهمة، من بينها الإعفاء الكلي من الضريبة على الشركات خلال السنوات الخمس الأولى، والإعفاء من الرسوم الجمركية على عمليات الاستيراد والتصدير، وفق ما يورده المركز الجهوي للاستثمار.

لكن وجود منطقة تسريع صناعي لا يكفي وحده لصناعة قطب صناعي. الاختبار الحقيقي هو عدد المشاريع التي تستقر فعليا، ونوعية مناصب الشغل، وحجم الإدماج المحلي، ومدى استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة في أكادير وإنزكان وآيت ملول وتارودانت وتزنيت من سلاسل المناولة والخدمات المرتبطة بهذه المنطقة.

السياحة.. أرقام قوية ولكن الرهان في تنويع المنتوج

السياحة تمنح سوس ماسة رقما ثانيا لا يقل أهمية عن الفلاحة. فقد أعلنت شركة التنمية الجهوية للسياحة سوس ماسة أن وجهة أكادير وتغازوت سجلت في 2025 أكثر من 1,5 مليون وافد سياحي، بارتفاع 9 في المائة مقارنة مع 2024، وأكثر من 6,3 ملايين ليلة مبيت، بزيادة 7,65 في المائة، مع معدل ملء تجاوز 66 في المائة في مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة.

هذه المؤشرات تؤكد أن أكادير وتغازوت تستعيدان قوة سياحية مهمة، لكنها تفتح سؤالا آخر: هل تستفيد باقي أقاليم الجهة بالقدر نفسه؟ الاستثمار السياحي إذا ظل محصورا في الساحل سيعمق الفوارق داخل الجهة، أما إذا امتد إلى تارودانت وتزنيت وتافراوت وإيموزار وتاتا والمجالات الجبلية والواحات، فقد يتحول إلى رافعة ترابية أوسع.

وتكشف شركة التنمية الجهوية للسياحة عن مشاريع ميدانية في عدد من المواقع، من بينها قصبة أكادير أوفلا، المدينة القديمة لأكادير، مركز إيموزار، مغارة أسيف ن لحد، ممشى أملن، منتزه أسكاون، واحة تيوت، ومواقع أخرى. كما تشير إلى تقدم مشاريع في Anchor Point وإمسوان، وإلى برامج لتأهيل مؤسسات إيواء حضرية وقروية.

هذه المعطيات تعني أن الاستثمار السياحي في سوس ماسة لم يعد ينبغي أن يختزل في الفنادق فقط. الفرصة المقبلة توجد في التجربة: مسارات، إرشاد سياحي، مطاعم محلية، نقل صغير، منصات حجز رقمية، منتوجات ترابية، سياحة بيئية، وفضاءات استقبال تحترم خصوصية كل منطقة.

التشغيل.. الرقم الذي يجب أن يقود كل استثمار

أي حديث عن الاستثمار في سوس ماسة يفقد معناه إذا لم يرتبط بالتشغيل. فحسب مذكرة المندوبية السامية للتخطيط حول سوق الشغل، سجلت الجهة معدل بطالة بلغ 13,3 في المائة سنة 2024، مقابل 13 في المائة سنة 2023. كما تكشف المعطيات نفسها أن البطالة وسط الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغت 39,3 في المائة سنة 2024، وأن بطالة النساء بلغت 23 في المائة.

هذه الأرقام تضع الاستثمار أمام امتحان اجتماعي واضح. لا يكفي الإعلان عن مشاريع أو مناطق صناعية أو برامج سياحية إذا لم تتحول إلى فرص عمل قابلة للقياس، خصوصا لفائدة الشباب والنساء وحاملي الشهادات.

ومن هنا، يجب أن يصبح سؤال التشغيل جزءا من تقييم أي مشروع استثماري في الجهة: كم منصب شغل سيخلق؟ هل هي مناصب موسمية أم قارة؟ ما مستوى الأجور؟ هل تحتاج إلى تكوين محلي؟ هل تفتح فرصا للمقاولات الصغيرة والموردين المحليين؟

الاستثمار الخاص.. هدف وطني كبير يحتاج إلى ترجمة جهوية

على المستوى الوطني، تحدد وزارة الاستثمار هدفا واضحا: بلوغ 550 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة في أفق 2026، وخلق 500 ألف منصب شغل بين 2022 و 2026. كما تؤكد الوزارة أن ميثاق الاستثمار الجديد جاء لتقديم إطار أوضح لدعم المستثمرين وتحسين مناخ الأعمال.

لكن السؤال في سوس ماسة هو: ما نصيب الجهة من هذا الهدف؟ هذا الرقم الوطني لا يكفي وحده. ما تحتاجه الجهة هو لوحة قيادة جهوية منشورة بانتظام، تتضمن عدد المشاريع المصادق عليها، قيمتها، مواقعها، القطاعات المعنية، المناصب المرتقبة، ونسبة الإنجاز الفعلي بعد الترخيص.

فالمستثمر الجاد يحتاج إلى شفافية في المعطيات، والمواطن يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الاستثمارات المعلنة تتحول فعلا إلى مصانع وفنادق ومقاولات ومناصب شغل، أم تبقى أرقاما داخل البلاغات.

أين توجد الفرص الأكثر قابلية للتحول إلى مشاريع؟

استنادا إلى الأرقام والمعطيات المتاحة، يمكن تحديد سبع فرص استثمارية أكثر وضوحا في جهة سوس ماسة.

أولا، الصناعات الغذائية، لأنها تستند إلى قاعدة فلاحية قوية، وحاجة واضحة إلى التثمين والتحويل والتعبئة والتبريد.

ثانيا، اللوجستيك وسلاسل التبريد، لأن صادرات الخضر والحوامض والسياحة والتجارة تحتاج إلى نقل منظم، تخزين مبرد، ومراكز توزيع أكثر كفاءة.

ثالثا، السياحة القروية والبيئية، لأنها قادرة على نقل جزء من القيمة السياحية من أكادير وتغازوت إلى المناطق الداخلية.

رابعا، الصناعة الموجهة للتصدير داخل مناطق التسريع الصناعي، خصوصا إذا تم ربطها بالمناولة المحلية والتكوين المهني.

خامسا، الاقتصاد الأزرق المرتبط بالبحر والصيد والخدمات الساحلية، مع ضرورة احترام الضوابط البيئية والصحية.

سادسا، الخدمات الرقمية للمقاولات والسياحة، من الحجز والتسويق إلى المحاسبة والذكاء الاصطناعي والخدمات عن بعد.

سابعا، الماء والطاقات والحلول البيئية، لأن الإجهاد المائي يجعل الاستثمار في التحلية، والري الذكي، وإعادة الاستعمال، والنجاعة الطاقية، مجالا استراتيجيا لا مجرد خيار تقني.

الجهة لا تعاني من غياب الفرص بل من اختبار التحويل

تكشف الأرقام أن سوس ماسة ليست جهة فقيرة في الإمكانيات. لديها 6,6 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني، وتنتج حصة ضخمة من صادرات الخضر المبكرة والحوامض، وتستقبل وجهة أكادير وتغازوت أكثر من 6,3 ملايين ليلة مبيت، وتتوفر على منطقة تسريع صناعي ومؤسسات مواكبة للاستثمار.

لكن المقال يقود إلى نتيجة أوضح: التحدي ليس في إقناع الناس بأن سوس ماسة تملك مؤهلات، فهذا أصبح معروفا. التحدي هو تحويل هذه المؤهلات إلى مشاريع قابلة للقياس، وإلى مناصب شغل قارة، وإلى قيمة مضافة تبقى داخل الجهة، لا أن تمر عبرها فقط

لذلك، تحتاج الجهة إلى مقاربة أكثر صرامة في تتبع الاستثمار: أرقام منشورة، عقار واضح، مساطر أسرع، تكوين ملائم، عدالة ترابية بين الساحل والداخل، وربط كل مشروع بسؤال بسيط: ماذا سيغير في حياة الناس؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.