مفارقة التكنولوجيا والواقع الميداني:
في وقت يتسابق فيه العالم نحو دقة متناهية في أنظمة الإنذار المبكر والتنبؤ بالكوارث الطبيعية، يجد المغاربة أنفسهم أمام تساؤلات مشروعة حول نجاعة “مديرية الأرصاد الجوية الوطنية”.
لقد أثار التأخر الملحوظ في توقيت ودقة النشرات الإنذارية الأخيرة موجة من الجدل الواسع، بعدما كشف الفارق الزمني بين “التوقعات” و”الواقع” عن فجوة تتجاوز مجرد الخطأ التقني لتصل إلى ارتباك يؤثر في عصب الحياة اليومية والاقتصاد الوطني.
استنفار “على بياض”: حين تُشل المدن بسبب توقعات متأخرة
خلال الأيام الماضية، عاشت أقاليم أكادير إداوتنان، تارودانت، واشتوكة آيت باها حالة من “الاستنفار القصوى” بعد صدور نشرة إنذارية من المستوى الأحمر. واستجابةً لهذا التحذير، تحركت السلطات المحلية بصرامة استباقية، فقامت بتوقيف الدراسة في عدة مؤسسات تعليمية، و إغلاق مرافق حيوية مثل “سوق الأحد” الشهير بأكادير، و تجميد الأنشطة التجارية واللوجستيكية لحماية الأرواح والممتلكات.
لكن الصدمة كانت في “ساعة الصفر”؛ فبينما حددت الأرصاد الخامسة مساء الجمعة موعداً للعاصفة، ظلت السماء صافية والشوارع هادئة لساعات طوال. سجل المتابعون تأخراً تجاوز 9 ساعات عن الموعد المعلن، مما جعل القرارات السيادية المتخذة تبدو وكأنها استجابة لـ “سراب جوي”، وهو ما تسبب في خسائر اقتصادية مباشرة وضياع مجهودات تنظيمية جبارة.
عقدة “الأرصاد الإسبانية”: هل يتكرر سيناريو ضعف الرصد؟
لا يعد هذا الارتباك وليد اللحظة، بل أعاد للأذهان ذكريات مؤلمة حين عجزت المنظومة الوطنية في سنوات سابقة عن رصد اضطرابات خطيرة، ليأتي التنبيه من “الأرصاد الجوية الإسبانية”. ذلك التدخل الأجنبي هو ما أنقذ الموقف في اللحظات الأخيرة بمدينة أكادير آنذاك.
اليوم، يتساءل الرأي العام:
“لماذا تفشل مؤسساتنا في استغلال التقدم التكنولوجي لتقديم معطيات دقيقة، بينما تنجح مراصد دول الجوار في قراءة أجوائنا بفعالية أكبر؟”
النشرة الحمراء: مسؤولية وطنية أم مجرد وثيقة إخبارية؟
إن إعلان “المستوى الأحمر” ليس مجرد خبر عابر، بل هو “بروتوكول أزمات” تترتب عليه تبعات قانونية ومالية واجتماعية. وأي خلل في دقة التوقيت أو المبالغة في التقدير يؤدي إلى:
_ فقدان الثقة المؤسساتية: حيث يصبح المواطن أقل استجابة للتحذيرات المستقبلية (ظاهرة “الذئب الكاذب”).
_ الاستنزاف الاقتصادي: تعطيل المصالح والأسواق دون ضرورة قصوى.
_ التشويش الأمني: وضع الأجهزة في حالة استنفار قد تكون مطلوبة في أماكن أخرى.
نحو إصلاح منظومة اليقظة المناخية
أصبح من الملح اليوم فتح نقاش وطني حول حوكمة الأرصاد الجوية. إن الضرورة تقتضي مساءلة القائمين على هذا القطاع حول معايير التحيين الفوري للبيانات ومستوى مواكبتهم للذكاء الاصطناعي في التنبؤ.
فلا يمكن أن يظل مبدأ “الحيطة والحذر” ذريعة لتعطيل الدولة، بل يجب أن يكون نتاجاً لعلم دقيق وتواصل مسؤول، لضمان حماية الوطن دون خنق اقتصاده.


التعاليق (0)