تتجه مبادرة إحداث لجنة لتقصي الحقائق بمجلس النواب حول ملف استيراد القطيع واللحوم الحمراء نحو التعثر من جديد، بعدما لم ينجح رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة في التوصل إلى صيغة عملية لعقد اجتماع يحسم مسطرة تشكيلها، وذلك قبل أيام قليلة من اختتام الدورة البرلمانية.
ووفق معطيات أوردتها مصادر مطلعة، فإن الاتصالات التي جرت بين عدد من رؤساء الفرق لم تفض إلى توافق واضح بشأن موعد الاجتماع ولا بشأن الخطوات الإجرائية اللازمة لإطلاق اللجنة، في وقت تبادل فيه بعض المعنيين اللوم حول الجهة التي كان يفترض أن تبادر إلى الدعوة الرسمية.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن جزءا من المكونات السياسية برر هذا التعثر بانشغال قياداته بالتحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، خاصة الملفات المرتبطة بالتزكيات على المستويين الجهوي والإقليمي، وهو ما ساهم في تراجع زخم المبادرة داخل المؤسسة التشريعية.
ويبدو أن عامل الزمن أصبح أحد أبرز العوائق أمام هذه المبادرة، إذ إن اقتراب موعد إغلاق مجلس النواب، حتى في حال تمديد أشغاله إلى نهاية يوليوز، لا يترك هامشا كافيا أمام لجنة لتقصي الحقائق من أجل مباشرة عملها، والاستماع إلى الأطراف المعنية، وإعداد خلاصاتها قبل دخول البلاد في أجواء انتخابية.
وتفيد المصادر نفسها بأن بعض رؤساء الفرق يعتبرون أن التوقيت الحالي لم يعد مناسبا لإطلاق اللجنة، معتبرين أن الفرصة كانت أكثر ملاءمة خلال سنة 2025، بالتزامن مع بداية تنزيل إجراءات دعم استيراد القطيع، قبل أن يتحول الملف إلى محور سجال سياسي وإعلامي واسع.
وفي سياق متصل، تحدثت مصادر متطابقة عن لقاءات غير معلنة جمعت مسؤولين من الأغلبية والمعارضة على هامش أشغال لجنة مراقبة المالية العامة، جرى خلالها التداول في قضايا مرتبطة بالتنسيق الانتخابي ببعض الدوائر، وهو ما اعتبرته مصادر معارضة من العوامل التي أضعفت الحماس للانخراط في مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق.
وفي المقابل، نفت المصادر ذاتها صحة ما تم تداوله بشأن عقد اجتماع سري لرؤساء الفرق يوم الجمعة 3 يوليوز 2026 للحسم في تشكيل اللجنة، مؤكدة أن أيا من رؤساء الفرق لم يتوصل، حسب المعطيات المتوفرة، بدعوة رسمية للمشاركة في اجتماع من هذا النوع.
وكان اجتماع طارئ قد اقترح عقده مطلع الأسبوع الجاري لمناقشة سبل تفعيل المبادرة، غير أنه لم يعرف سوى حضور رئيس فريق التقدم والاشتراكية، رشيد حموني، الذي انتظر التحاق باقي رؤساء الفرق، قبل أن يتبين، بعد اتصالات أجراها، أن عددا منهم لم يكن على علم بوجود هذا الاجتماع.
ويأتي هذا التعثر في وقت ما يزال فيه ملف استيراد القطيع واللحوم الحمراء يثير نقاشا سياسيا واسعا، خصوصا حول حجم الدعم العمومي الموجه للمستوردين، ومدى انعكاس هذه الإجراءات على أسعار اللحوم في السوق الوطنية.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه مكونات من المعارضة عن استفادة مالية تناهز 1300 مليار، تؤكد مكونات من الأغلبية أن القيمة الفعلية للدعم بلغت حوالي 464 مليون درهم، وسط استمرار الجدل حول أثر هذا الدعم على القدرة الشرائية للمواطنين.
ويعد ملف استيراد القطيع من أكثر الملفات حساسية خلال الأشهر الأخيرة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بأسعار اللحوم الحمراء، وبوضعية مربي الماشية، وبالخيارات الحكومية المعتمدة لمواجهة نقص العرض وارتفاع الأسعار.
وفي موازاة هذا النقاش، أعلن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، خلال جلسة بمجلس المستشارين، أن الحكومة تستعد لفتح باب استيراد القطيع من جديد، بهدف تعزيز العرض في السوق الوطنية ومواجهة ارتفاع الطلب.
وأكد رئيس الحكومة أن هذا التوجه يروم تحقيق التوازن داخل السوق، مع مواصلة دعم مربي الماشية وتشجيع المستوردين، بما يساهم، حسب قوله، في حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
غير أن المعارضة ترى أن الملف يحتاج إلى قدر أكبر من الوضوح، خاصة في ما يتعلق بشروط الاستفادة من الدعم، وهوية المستفيدين، والنتائج الفعلية لهذه السياسة على أسعار اللحوم، وهي الأسئلة التي كانت لجنة تقصي الحقائق مطالبة بالإجابة عنها بشكل مؤسساتي.
وبين حسابات الزمن البرلماني، وتداخل الرهانات الانتخابية، وحساسية الملف اقتصاديا واجتماعيا، يبدو أن مبادرة لجنة تقصي الحقائق تسير نحو التأجيل أو الإقبار، ما لم يحدث توافق سياسي سريع يعيدها إلى مسارها الإجرائي قبل نهاية الدورة.
وتبقى الجريدة منفتحة على توضيحات جميع الفرق البرلمانية والجهات الحكومية المعنية، بما يساهم في تنوير الرأي العام حول مآل هذه المبادرة وحقيقة الأرقام المتداولة بشأن دعم استيراد القطيع واللحوم الحمراء.


