Cet article reflète l’opinion de son auteur et ne représente pas nécessairement la ligne éditoriale de .

استقلالية المحاماة والتنظيم الذاتي: ضمانة كونية للعدالة لا امتياز مهني

كُتّاب وآراء

لا يمكن فهم مهنة المحاماة خارج سياقها الطبيعي كإحدى الركائز الأساسية لدولة الحق والقانون، ولا يمكن اختزالها في مجرد نشاط مهني يخضع لمنطق الضبط الإداري أو التدبير التقني ،فالمحاماة، في جوهرها، رسالة حقوقية وإنسانية، وفاعل مركزي في منظومة العدالة، تضطلع بمهمة الدفاع عن الحقوق والحريات، وتسهم في تحقيق التوازن بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم، حماية لحق الإنسان في محاكمة عادلة.
ومن هذا المنطلق، يكتسي مبدأ الاستقلالية والتنظيم الذاتي للهيئات المهنية للمحامين مظهرا طبيعيا ملحا و مطلوبا، إذ لا يتعلق الأمر بامتيازات فئوية أو مطالب مهنية ضيقة، بل بضمانات جوهرية لصالح المجتمع ككل. فالمحامي لا يؤدي رسالته إلا إذا كان مستقلا في قراره، حرا في أدائه، غير خاضع لأي ضغط أو تأثير قد يمس جوهر الدفاع أو يحد من فعاليته.
لقد عمل القانون المغربي رقم 28.08 على تكريس هذا التصور حين اعتبر المحاماة مهنة حرة مستقلة، تمارس في إطار هيئات مهنية تتمتع بالتنظيم الذاتي بما يعنيه من استقلال مالي وشخصية مدنية، وتضطلع بتدبير شؤونها وفق قواعد القانون و الأنظمة الداخلية و الأعراف و التقاليد المهنية الضاربة في جذور التاريخ. ولم يكن هذا الاختيار التشريعي معزولًا عن السياق الدستوري أو الحقوقي، بل جاء منسجما مع التزامات المغرب الدولية، ومع الفلسفة الكونية التي تؤطر مهنة المحاماة في مختلف الأنظمة الديمقراطية.
فالمبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة في مؤتمر الأمم المتحدة الثامن بهافانا سنة 1990، تشكل مرجعية دولية واضحة في هذا المجال، حيث تؤكد صراحة على حق المحامين في إنشاء والانخراط في جمعيات مهنية مستقلة، وعلى ضرورة أن تدير هذه الجمعيات شؤونها دون تدخل غير مبرر من السلطات. كما تشدد هذه المبادئ على أن الدولة ملزمة بضمان ممارسة المحامين لمهامهم دون ترهيب أو مضايقة أو ضغط، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لحماية حقوق المتقاضين وضمان حسن سير العدالة.
ويتعزز هذا المعنى بما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 14 منه، التي تضمن الحق في محاكمة عادلة، بما يشمل الحق في الدفاع والاستعانة بمحام يمارس مهامه باستقلال وحرية. فحق الدفاع لا يقاس بالتدخل الشكلي للمحامي في المسطرة القانونية، بل بقدرته الفعلية على ممارسة الدفاع دون قيود تمس جوهر مهمته، ودون خشيته من أي تأثير قد يفرغ هذا الحق من محتواه.
لذالك فإن التنظيم الذاتي لهيئات المحامين، كما هو معمول به في التجارب المقارنة، ليس خروجا عن منطق الدولة أو انتقاصا من سلطتها، بل هو تعبير عن توزيع متوازن للاختصاصات و الأدوار داخل منظومة العدالة ،فكما ينتظر من القضاء أن يكون مستقلا، ومن النيابة العامة أن تمارس صلاحياتها في إطار القانون، ينتظر من المحاماة أن تنظم ذاتها بذاتها، وفق أحكام القانون و وفق إرثها المهني المتكون من قواعد مهنية وأخلاقية صارمة، تضمن الانضباط والمسؤولية دون المساس بالاستقلالية.
وعليه، فإن أي مساس باستقلالية مهنة المحاماة أو بالتنظيم الذاتي لهيئاتها لا ينعكس سلبا على المحامين وحدهم، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأسره ،ذالك أن إضعاف استقلال المحامي يعني إضعاف الدفاع، وإضعاف الدفاع يعني المساس بحقوق المتقاضين، وبالتالي تقويض الثقة في العدالة نتيجة الإخلال بمبدأ المحاكمة العادلة. وهذا هو ما يجعل من استقلال المحاماة ضمانة جماعية لعدالة متوازنة و منصفة، لا مطلبا مهنيا معزولا.
إن النقاش الذي أثير حول مشروع القانون رقم 66.23، وما رافقه من رفض مهني واسع و مشروع، لا يمكن قراءته خارج هذا الإطار. فهو نقاش يعكس وعيا جماعيا بخطورة المساس بتوازنات دقيقة كرستها المبادئ الكونية و بنتها الممارسة المهنية عبر عقود من تاريخ المحاماة بالمغرب.
وعليه فإن أي إصلاح تشريعي حقيقي لمهنة المحاماة يجب أن ينطلق من تعزيز استقلاليتها، لا تقييدها، ومن تقوية تنظيمها الذاتي، لا إفراغه من مضمونه، انسجاما مع المبادئ الكونية للمهنة والتزامات الدولة المغربية في مجال حقوق الإنسان.
إن المحاماة المستقلة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لحماية حقوق الأفراد، وضمان عدالة منصفة، وبناء ثقة مستدامة في المؤسسات. ومن ثم، فإن الدفاع عن استقلالية المهنة هو في جوهره، دفاع عن الحق في الدفاع، وعن المحاكمة العادلة، وعن مجتمع يسوده القانون لا منطق التحكم.
الأستاذ خالد الغريص محام بهيئة المحامين بأكادير كلميم و العيون.