استعمل “طلاق الشقاق” للالتفاف على القانون الفرنسي… كيف تحمي الزوجة حقوقها؟

عالم المرأة

تتكاثر في السنوات الأخيرة حالات طلاق عابرة للحدود، يكون طرفاها من أصول مغربية عاشا سنوات طويلة في فرنسا قبل أن ينتهي الزواج بحكم صادر في المغرب، غالبًا عبر مسطرة طلاق الشقاق. وبينما يبدو الأمر للوهلة الأولى “إجراء قانونيًا طبيعيًا”، يكشف واقع بعض الملفات عن إشكال أخطر: تحويل اختلاف القوانين بين المغرب وفرنسا إلى ثغرة عملية تُستعمل لإضعاف الزوجة وإقصائها عن حقوقها، خصوصًا عندما تُستغل لحظات هشاشة مرتبطة بالإقامة أو السفر أو النفاذ إلى القضاء.

في هذا السياق، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يمكن لحكم طلاق صادر في المغرب أن يتحول إلى أداة ضغط داخل فرنسا؟ وهل يكفي انتهاء وثيقة إقامة الزوجة أو وجودها المؤقت خارج التراب الفرنسي لإسقاط حقها في السكن والحقوق المالية والاجتماعية التي راكمتها خلال سنوات حياة زوجية كاملة؟

مركز الحياة الزوجية… معيار أقوى من ورقة الجنسية

في القانون الفرنسي، لا يُبنى الاختصاص في قضايا الأسرة فقط على “الجنسية”، بل على معيار أكثر واقعية يُعرف بـ الإقامة المعتادة ومركز الحياة الزوجية. بمعنى آخر، عندما تكون الحياة الزوجية قد تشكلت في فرنسا – سكنًا وعملًا وأطفالًا ومصالح اقتصادية – فإن القضاء الفرنسي ينظر إلى فرنسا كالإطار الطبيعي لترتيب الآثار المالية والاجتماعية للطلاق، حتى لو صدر حكم أجنبي موازٍ.

هذا المبدأ يكتسي أهميته القصوى في حالات الزوجات اللواتي عشن في فرنسا سنوات طويلة بإقامة قانونية، واشتغلن داخل القطاع الخاص، وأسسن حياة أسرية مستقرة، دون أن يحملن بالضرورة الجنسية الفرنسية. فـالحماية ليست حكرًا على الجنسية، بل تقوم على الاندماج الواقعي في المجتمع واستقرار الإقامة وتراكم الحقوق.

حين يُستغل عامل الوقت: “انتهاء الإقامة” كأداة لإقصاء الزوجة

أكثر ما يثير الانتباه في بعض القضايا العابرة للحدود هو توقيت اللجوء إلى القضاء المغربي. في حالات محددة، تزامن رفع دعوى الطلاق في المغرب مع انتهاء صلاحية بطاقة الإقامة الفرنسية للزوجة، وهو ما يجعلها في وضع إداري حساس، وقد يعجزها عمليًا عن العودة إلى فرنسا أو توكيل محامٍ أو جمع الوثائق أو الحضور الفعلي أمام القضاء الفرنسي.

هنا لا نتحدث عن “صدفة زمنية”، بل عن نمط يتكرر: الانتظار حتى لحظة الضعف الإداري ثم تفعيل المسطرة القضائية بالخارج. والنتيجة غالبًا واحدة: زوجة غير قادرة على الدفاع في الوقت المناسب، وحكم أجنبي يصدر في غياب توازن فعلي بين الطرفين.

استعمال الحكم الأجنبي كضغط داخل فرنسا… لا كحل قانوني

الإشكال لا يقف عند صدور حكم الطلاق بالخارج، بل يبدأ حين يُقدَّم هذا الحكم داخل فرنسا كأنه “نهاية كل شيء”، ويُستعمل للضغط على الزوجة وقطع طريقها أمام المحكمة الفرنسية.

في بعض الملفات، يُبنى دفاع الطرف الآخر على عبارات قاطعة من قبيل:
“لا يمكن للزوجة قانونًا طلب الانتفاع بالسكن الزوجي لأنها تعيش في بلد آخر ولا تملك ما يثبت أنها ستتمكن من العودة إلى فرنسا.”

هذه العبارات ليست مجرد صياغة قانونية، بل تكشف أحيانًا يقينًا مسبقًا بأن الزوجة لن تعود، وكأن الخطة تقوم على غيابها النهائي. لكن المفارقة تظهر عندما تفاجئ الزوجة الجميع بحضورها في فرنسا، ما يجعل تلك المذكرات تسقط في تناقض واضح:
كيف يتم الجزم بأنها “لن تعود”، بينما هي أمام القاضي فعلًا؟

هذا التناقض، وإن بدا بسيطًا، قد يحمل في عمقه دلالة خطيرة: أن المسطرة كانت تُصاغ على أساس إقصاء الزوجة لا على أساس مناقشة حقوقها.

السكن الزوجي: ليس امتيازًا… بل حق مرتبط بالواقع

في فرنسا، السكن الزوجي ليس “هدية” يمنحها طرف لطرف، بل حق مرتبط بمعايير متعددة مثل:

  • طبيعة الملكية (ملكية مشتركة/شيوع)
  • وجود قرض بنكي مشترك
  • مدة الحياة الزوجية
  • الوضع الاجتماعي والاقتصادي للطرفين
  • هشاشة الطرف المتضرر بعد الانفصال

لذلك فإن مجرد كون الزوجة خارج فرنسا لفترة – خصوصًا لأسباب إدارية – لا يسقط تلقائيًا حقها في المطالبة بالحماية القضائية أو السكن أو التوازن المالي. بل العكس: هذه الهشاشة قد تكون سببًا إضافيًا للتدخل القضائي لحمايتها.

لماذا يُعدّ هذا خطيرًا على الزوجات المقيمات بالخارج؟

لأن كثيرات لا يعلمن أن:

  • حكم الطلاق المغربي لا يمنع تلقائيًا إجراءات فرنسا
  • الاعتراف بالأحكام الأجنبية في فرنسا يخضع لشروط
  • الإقامة القانونية ليست الشرط الوحيد للحماية
  • حضور الزوجة ودفاعها يغيّر كل المعادلة

وبسبب هذا الجهل القانوني، قد تقبل الزوجة بالأمر الواقع، وتنسحب بصمت، فتفقد تدريجيًا:

  • حقها في السكن
  • حقها في التعويض
  • النفقة عند الاقتضاء
  • الحقوق الاجتماعية والمهنية
  • وكل ما راكمته من استقرار وحياة مشتركة

ما الذي يجب أن تفعله كل زوجة في حالة مشابهة؟

هذه ليست دعوة إلى الصراع، بل دعوة إلى الوعي. وأبسط قواعد الوعي هنا:

أولًا، لا تعتمدي على الكلام. اعتمدي على الوثيقة.
ثانيًا، لا تتأخري في الدفاع، لأن الزمن أحيانًا هو السلاح الأقوى.
ثالثًا، إذا كان هناك طلاق أجنبي، استشيري محاميًا في فرنسا فورًا لمعرفة أثره الحقيقي.
رابعًا، اجمعي ما يثبت مركز حياتك في فرنسا: السكن، الضرائب، العمل، المدرسة، الوثائق الصحية.
خامسًا، لا تسلّمي بحقوقك بدعوى “الطلاق صدر وانتهى كل شيء”، لأن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الجملة.

الطلاق يُنهي الزواج… لكنه لا يُنهي المسؤولية

الطلاق حق، والمساطر القضائية قد تختلف من بلد إلى آخر. لكن الخطير ليس اختلاف القوانين، بل استغلال هذا الاختلاف لإنتاج ظلم صامت.

وحين تصبح ثغرات الإقامة أو السفر أو ضعف المعرفة القانونية وسيلة لإسقاط حقوق زوجة عاشت عقودًا في فرنسا، فنحن لسنا أمام “إجراء طبيعي”، بل أمام سؤال عدالة حقيقي:
هل تُستعمل المساطر لإنهاء الزواج… أم للتهرب من تبعاته؟

في القضايا العابرة للحدود، لا يكفي أن نعرف “أين صدر الحكم”، بل يجب أن نطرح السؤال الأهم:
أين كانت الحياة؟ وأين تراكمت الحقوق؟ ومن حاول إقصاء الآخر عن الدفاع؟

يتبع …