تشهد أسواق السلع العالمية، إلى حدود اليوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، حالة من التراجع في أسعار النفط والذهب، وسط تداخل واضح بين العوامل الجيوسياسية، وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية، وحركة الدولار، ومخاوف الطلب العالمي.
ففي الوقت الذي انخفضت فيه أسعار النفط مع ترقب المستثمرين لاحتمال استئناف محادثات بين الولايات المتحدة وإيران في الدوحة، تراجع الذهب بدوره تحت ضغط توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية وقوة الدولار، رغم استمرار التوترات في الشرق الأوسط.
النفط يتراجع مع ترقب المسار الدبلوماسي
سجلت أسعار النفط انخفاضاً خلال تعاملات الثلاثاء، حيث تراجع خام برنت تسليم غشت بنسبة 0.9 في المائة إلى 72.51 دولاراً للبرميل، بينما انخفض عقد شتنبر بنسبة 0.4 في المائة إلى 73.60 دولاراً للبرميل. كما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي تسليم غشت بنسبة 0.6 في المائة إلى 70.36 دولاراً للبرميل، وفق بيانات أوردتها رويترز.
ويأتي هذا التراجع في سياق تركيز المستثمرين على احتمال عقد محادثات أمريكية إيرانية في الدوحة، في ظل هدنة هشة بعد أشهر من التوترات العسكرية. وتقترب الأسعار الحالية من مستويات ما قبل التصعيد الأخير، ما يعكس تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت قد دفعت الأسعار إلى الارتفاع في وقت سابق.
ورغم ذلك، لا تزال السوق تتحرك بحذر، لأن أي تعثر في المسار الدبلوماسي أو اضطراب جديد في الملاحة عبر مضيق هرمز قد يعيد المخاوف إلى الواجهة بسرعة. فالممرات البحرية في الخليج تظل عنصراً حساساً في حسابات الطاقة العالمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإمدادات النفط والغاز.
الذهب يهبط رغم التوترات
في المقابل، واصل الذهب تراجعه، حيث انخفض السعر الفوري للمعدن النفيس إلى 3975.04 دولاراً للأونصة، متجهاً نحو تسجيل أكبر خسارة شهرية منذ أكتوبر 2008، بعد تراجع شهري بلغ 12.4 في المائة. كما هبطت العقود الأمريكية الآجلة للذهب إلى 3988.60 دولاراً للأونصة، بحسب رويترز.
ويعود هذا الضغط أساساً إلى توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، إضافة إلى قوة الدولار، وهما عاملان يقللان عادة من جاذبية الذهب، لأنه أصل لا يدر عائداً مباشراً. فعندما ترتفع الفائدة، يصبح الاحتفاظ بالدولار أو السندات أكثر جاذبية مقارنة بالذهب.
وتشير رويترز إلى أن الأسواق تسعر احتمالاً بنسبة 64 في المائة لرفع الفائدة الأمريكية في شتنبر، وهو ما زاد الضغط على الذهب، في وقت ينتظر فيه المستثمرون بيانات سوق الشغل الأمريكية لاختبار اتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
لماذا تراجع الذهب والنفط في الوقت نفسه؟
عادة ما يتحرك الذهب صعوداً عند ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، بينما ترتفع أسعار النفط عندما يخاف المستثمرون من اضطراب الإمدادات. غير أن ما يحدث حالياً يعكس تغيراً في ميزان المخاوف.
فبالنسبة للنفط، يبدو أن الأسواق تراهن على احتمال تهدئة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، وهو ما خفف المخاوف من تعطل الإمدادات. أما الذهب، فقد أصبح أكثر تأثراً بتوقعات رفع الفائدة وقوة الدولار، بدل استفادته من التوترات السياسية.
بمعنى آخر، السوق لا يتجاهل المخاطر، لكنه يعيد تسعيرها. المستثمرون لا يرون حالياً خطراً مباشراً وكبيراً على تدفقات النفط، وفي الوقت نفسه لا يجد الذهب دعماً كافياً أمام تشدد السياسة النقدية الأمريكية.
ماذا يعني ذلك للمستهلكين والأسواق؟
تراجع النفط، إذا استمر، قد يخفف جزئياً الضغوط على أسعار الطاقة والنقل عالمياً، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاضاً فورياً في أسعار المحروقات داخل الأسواق المحلية، لأن هذه الأسعار تخضع لعوامل أخرى، منها الضرائب، وهوامش التوزيع، وسعر الصرف، وتكاليف الاستيراد.
أما تراجع الذهب، فقد يهم المستثمرين والمدخرين أكثر من المستهلك العادي. فمن يشتري الذهب بغرض الادخار أو الزينة قد يراقب هذه المرحلة بحذر، لأن الأسعار ما زالت مرتفعة تاريخياً رغم الهبوط الأخير، كما أن تقلبات الفائدة والدولار قد تدفع السوق إلى مزيد من الحركة خلال الأيام المقبلة.
الأسواق تنتظر إشارات جديدة
خلال الأيام المقبلة، ستبقى أسعار النفط مرتبطة أساساً بمسار التوتر في الشرق الأوسط، وبأي إشارات رسمية حول المحادثات الأمريكية الإيرانية، إضافة إلى مؤشرات الطلب من الصين والاقتصادات الكبرى.
أما الذهب، فسيظل تحت تأثير بيانات الاقتصاد الأمريكي، خصوصاً التضخم والتوظيف، لأنها ستحدد بدرجة كبيرة ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيتجه فعلاً إلى رفع جديد للفائدة، أم سيؤجل الخطوة في انتظار معطيات أوضح.
في المحصلة، يمكن القول إن يوم 30 يونيو 2026 يعكس لحظة دقيقة في أسواق السلع: النفط يتراجع لأن المخاطر الجيوسياسية تبدو أقل حدة من السابق، والذهب يهبط لأن الأسواق تخاف من فائدة أمريكية أعلى ودولار أقوى. وبين هذين العاملين، يظل المستثمرون في حالة ترقب لأي خبر قد يغير اتجاه الأسعار بسرعة.

