كلما اقترب موعد تغيير أسعار المحروقات في المغرب، يعود السؤال نفسه بإلحاح أكبر: إذا كانت السوق محررة منذ سنوات، فلماذا لا يلمس المستهلك منافسة حقيقية بين الشركات؟ لماذا تبقى الأسعار متقاربة إلى هذا الحد، ولماذا تتغير في توقيت شبه موحد، وكأن الجميع يتحرك بالإيقاع نفسه؟ الظاهر أن السوق حرة، لكن الأرقام وبنية القطاع والتقارير الرسمية تكشف أن الصورة أكثر تعقيداً، وأن ما يبدو منافسة على الورق لا يظهر دائماً على المضخة أمام المواطن.
سوق “محررة”.. لكن بهوامش ضيقة
من الناحية النظرية، يُفترض أن يؤدي تحرير أسعار المحروقات إلى تنافس واضح بين الشركات، بحيث ينعكس اختلاف تكاليف الشراء والتخزين والنقل والتسويق على السعر النهائي الذي يراه المستهلك. لكن ما يحدث في الواقع مختلف كثيراً. فمجلس المنافسة أوضح في تقاريره أن الشركات العاملة في السوق الوطنية تعتمد في الغالب على المرجع الدولي نفسه تقريباً، وهو سوق شمال غرب أوروبا، خاصة منطقة أمستردام–روتردام–أنتويرب، ما يجعل كلفة الشراء الأساسية متقاربة بين الفاعلين. وعندما تُضاف إلى ذلك ضرائب موحدة مفروضة على الجميع، تصبح مساحة الاختلاف في السعر النهائي أضيق بكثير مما يتصوره المواطن.
هذا المعطى مهم لأنه يفسر جانباً من تشابه الأسعار، لكنه لا يفسر كل شيء. فلو كانت المنافسة قوية بما يكفي، لظهرت فروقات أوضح على مستوى التسعير، ولو بشكل محدود، بحكم اختلاف توقيتات الشراء، وتدبير المخزون، والاستراتيجية التجارية لكل شركة. غير أن ما يلفت الانتباه في السوق المغربية هو أن هذا الاختلاف يبقى ضعيفاً جداً، وأحياناً شبه غير مرئي.
الأرقام تكشف أين يضيق هامش المنافسة
حين نفكك سعر لتر المحروقات، يتضح أن جزءاً كبيراً منه لا يخضع أصلاً لمنافسة حقيقية. فبحسب تقرير مجلس المنافسة المتعلق بالربع الرابع من سنة 2024، بلغ متوسط سعر لتر الغازوال 11.57 درهماً، منها 6.23 دراهم كلفة شراء و3.58 دراهم ضرائب، بينما توزع الباقي بين هامش التوزيع بالجملة وهامش محطات الخدمة. أما البنزين، فبلغ متوسط سعره 13.51 درهماً، منها 6.21 دراهم كلفة شراء و5.11 دراهم ضرائب، بينما شكلت بقية العناصر جزءاً أصغر من السعر النهائي. هذه الأرقام تعني ببساطة أن قسماً كبيراً من السعر تحدده عناصر موحدة أو شبه موحدة، فيما تظل المساحة المتبقية للمنافسة السعرية المباشرة أضيق من الصورة التي تُقدم عادة للرأي العام.
لكن هنا بالذات يظهر جوهر الإشكال. فإذا كانت هوامش المنافسة محدودة أصلاً، فإن ذلك لا يعني أن المنافسة غير ممكنة، بل يعني فقط أنها تحتاج إلى سوق أكثر دينامية ومرونة، وإلى فاعلين مستعدين للتمايز فعلاً في طريقة التسعير. وهذا ما لا يشعر به المستهلك المغربي بوضوح.
تسع شركات تسيطر على معظم السوق
المشكلة الثانية تكمن في بنية السوق نفسها. فمجلس المنافسة أشار إلى أن تسع شركات فقط تستحوذ على النسبة الكبرى من واردات الغازوال والبنزين، كما تهيمن على الجزء الأكبر من قدرات التخزين الوطنية. وحين تكون السوق مركزة بهذا الشكل، فإن احتمالات المنافسة السعرية الحادة تصبح أضعف، ليس بالضرورة بسبب اتفاق صريح، بل لأن كل فاعل كبير يدرك حدود الحركة داخل سوق يتقاسمها عدد محدود من المنافسين الأقوياء.
في الأسواق المركزة، لا تحتاج الشركات دائماً إلى اتفاق مباشر حتى تتقارب الأسعار. أحياناً يكفي أن يراقب كل فاعل سلوك الآخرين، وأن يعرف أن خفضاً كبيراً للأسعار لن يقلب قواعد اللعبة، بل قد يضغط فقط على هوامشه. في مثل هذا السياق، يصبح “الاصطفاف” في السلوك السعري نتيجة شبه طبيعية لبنية السوق، حتى دون وجود تعليمات مكتوبة أو تفاهمات معلنة.
تشابه التوقيتات يثير الأسئلة
من أكثر ما يثير الانتباه في السوق المغربية ليس فقط تقارب الأسعار، بل أيضاً تقارب توقيت تعديلها. فمجلس المنافسة سجل في إحدى مذكراته أن الشركات تواصل إلى حد بعيد العمل بإيقاع مراجعة قريب من اليوم الأول واليوم السادس عشر من كل شهر، وهو إيقاع يعود في جذوره إلى المرحلة التي كانت فيها الأسعار مقننة قبل التحرير. ورغم أن المجلس قال إنه لم يرصد خلال الفترة المدروسة سلوكاً مضاداً للمنافسة بالمعنى القانوني الصارم، فإنه أقر في المقابل بأن اصطفاف الفاعلين حول تواريخ مراجعة متشابهة، مع تغييرات متقاربة في الحجم، يفضي إلى تطورات سعرية متشابهة نسبياً.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن الحديث عن سوق حرة بالكامل، إذا كانت الأسعار تتحرك في مواعيد شبه موحدة وبفوارق محدودة جداً؟ صحيح أن هذا لا يكفي قانونياً لإثبات وجود تواطؤ، لكنه يكفي اقتصادياً لإثارة شكوك جدية حول مدى حيوية المنافسة.
هل يعني هذا وجود اتفاق سري؟
من المهم هنا التمييز بين شيئين. الأول هو وجود اتفاق محظور قانونياً بين الشركات، وهو أمر يحتاج إلى أدلة ومعطيات دقيقة ومساطر إثبات واضحة. والثاني هو وجود سلوك متوازٍ أو اصطفاف ضمني داخل سوق قليلة الفاعلين. هذا النوع الثاني لا يعني بالضرورة وجود اتفاق مكتوب أو تنسيق مباشر، لكنه يؤدي عملياً إلى النتيجة نفسها تقريباً من زاوية المستهلك: أسعار متقاربة، ومراجعات متشابهة، وشعور عام بأن لا أحد ينافس فعلاً على السعر.
وهذا هو جوهر الإحباط الشعبي في ملف المحروقات. فالمواطن لا يطلب بالضرورة الاطلاع على البنية القانونية أو التقنية للسوق، بل ينظر إلى النتيجة النهائية: لماذا حين يرتفع السعر ترتفعه كل الشركات تقريباً، وحين ينخفض يكون الفرق بين اللوحات محدوداً إلى حد يكاد يضيع معه معنى المقارنة؟
الملف لم يكن مجرد جدل شعبي
هذا الإحساس الشعبي لم يأت من فراغ. ففي نونبر 2023 أعلن مجلس المنافسة موافقته على اتفاقات صلح مع تسع شركات توزيع كبرى ومنظمتها المهنية في ملف الممارسات المنافية للمنافسة في سوق الغازوال والبنزين. وفرض المجلس ضمن هذه الاتفاقات التزامات مالية وسلوكية، مع إلزام الشركات بتقديم تقارير فصلية مفصلة حول التزود والتخزين والتوزيع والأسعار، حتى يتم تتبع العلاقة بين الأسعار الدولية والأسعار المحلية. هذا المعطى مهم لأنه يثبت أن الأمر لم يكن مجرد انطباع اجتماعي، بل ملفاً مؤسساتياً خضع للمتابعة الرسمية والرقابة المستمرة.
غير أن السؤال الذي بقي مطروحاً بعد الصلح والغرامات هو: هل تغيّر شيء جوهرياً في إحساس المستهلك بالمنافسة؟ إلى الآن، يبدو أن الجواب ليس بالحجم الذي كان ينتظره الرأي العام.
أين توجد المنافسة إذاً؟
المنافسة الحقيقية في سوق المحروقات المغربية لا تظهر بقوة على السعر النهائي المعلن للعموم، بل تتجلى أكثر في مجالات أخرى أقل ظهوراً. فهي تظهر في انتشار شبكات المحطات، والخدمات الإضافية، واللوجستيك، والقدرة على تأمين المخزون، وشروط التعامل مع المهنيين، والانتشار الجغرافي، وقوة العلامة التجارية. أما على مستوى السعر المباشر الذي يهم المستهلك العادي، فالمنافسة تبدو أضعف حضوراً، لأن السوق مقيدة بعوامل بنيوية تجعل الشركات تتحرك داخل هامش ضيق أصلاً.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالشركات تتنافس فعلاً، لكن ليس في المجال الذي ينتظر فيه المواطن أن يراها تتنافس. المواطن يريد أن يرى الفرق في السعر على المضخة، بينما السوق تدفع الفاعلين إلى التنافس في مجالات أخرى لا تخفف بالضرورة العبء المباشر على جيبه.
القانون يسمح بالتدخل.. لكن استثنائياً
الإطار القانوني المغربي لا يترك هذا السوق دون ضوابط. فالقانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يحظر الاتفاقات والتحالفات التي يكون هدفها أو أثرها عرقلة المنافسة أو افتعال ارتفاع الأسعار، كما يمنع الاستغلال التعسفي للوضع المهيمن. وفي الوقت نفسه، يتيح القانون للسلطات العمومية، بعد استشارة مجلس المنافسة، اتخاذ تدابير مؤقتة ضد الارتفاعات أو الانخفاضات الفاحشة في الأسعار إذا كانت السوق تعرف ظروفاً استثنائية أو وضعية غير عادية بشكل واضح.
لكن اللجوء إلى هذا التدخل يظل استثنائياً، لأن القاعدة العامة بعد التحرير هي ترك السوق تعمل تحت الرقابة، لا العودة الدائمة إلى التسقيف الإداري. وهذا ما يجعل النقاش اليوم لا يدور فقط حول شرعية التدخل، بل أيضاً حول فعالية أدوات المراقبة والشفافية والردع داخل سوق يفترض أنها تنافسية.
لماذا لا يشعر المواطن بالمنافسة؟
الجواب الصريح هو أن المستهلك لا يحاكم السوق من خلال النظريات، بل من خلال أثرها المباشر على حياته اليومية. حين يرى أن الأسعار متقاربة جداً بين مختلف العلامات، وأن توقيت مراجعتها متشابه، وأن أي انخفاض دولي لا يظهر بالسرعة أو الوضوح نفسيهما اللذين تظهر بهما الزيادات، فإن شعوره الطبيعي يكون أن المنافسة ضعيفة أو غائبة. هذا الإحساس لا يكفي وحده لإدانة قانونية، لكنه كافٍ لطرح سؤال سياسي واقتصادي ومؤسساتي كبير: هل تحققت فعلاً الوعود التي رافقت تحرير الأسعار؟
تشابه أسعار المحروقات بين الشركات في المغرب ليس وهماً، لكنه أيضاً ليس لغزاً غامضاً بالكامل. فهناك تفسير اقتصادي واضح يتعلق بوحدة مرجع الشراء، وبالضرائب الموحدة، وبضيق هامش المناورة. وهناك في المقابل تفسير بنيوي أعمق يتعلق بتركيز السوق في يد عدد محدود من الفاعلين، واستمرار سلوك مراجعة سعري متقارب حتى بعد التحرير. أما المنافسة الحقيقية، فهي موجودة، لكنها لا تظهر بالقوة الكافية على المضخة، ولذلك لا يشعر بها المواطن كما ينبغي.
السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم لم يعد فقط: لماذا تتشابه الأسعار؟
بل أصبح أيضاً: كيف يمكن جعل المنافسة تُرى وتُحس فعلاً في السعر النهائي، لا فقط في التقارير والبيانات؟
