فايننشال تايمز: العالم يدخل مرحلة جديدة وخطيرة من أزمة الطاقة

حذرت صحيفة فايننشال تايمز من أن أزمة الطاقة العالمية تدخل مرحلة جديدة وأكثر خطورة، مع اقتراب موسم الصيف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، حيث يرتفع الطلب على الوقود والكهرباء والنقل، في وقت تتعرض فيه إمدادات النفط لضغوط متزايدة بسبب اضطرابات الشرق الأوسط ومضيق هرمز.

ووفق ما نشرته الصحيفة، لم تعد الأزمة محصورة في ارتفاع الأسعار فقط، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية تتعلق باستنزاف المخزونات، وتزايد إجراءات الطوارئ الحكومية، واتساع المخاوف من نقص الوقود في عدد من الاقتصادات، خصوصا الدول الأكثر هشاشة أو اعتمادا على الاستيراد.

لماذا تتحدث فايننشال تايمز عن “مرحلة جديدة”؟

المرحلة الجديدة التي تتحدث عنها الصحيفة ترتبط بعاملين متداخلين: استمرار الضغط على إمدادات النفط من جهة، واقتراب ذروة الطلب الصيفي من جهة أخرى. ففي العادة، يزداد استهلاك الطاقة خلال الصيف بسبب السفر، والتكييف، والنقل الجوي، والأنشطة الصناعية والخدماتية.

لكن هذه السنة تأتي ذروة الطلب في ظرف مختلف، إذ تقول فايننشال تايمز إن العالم يستهلك حاليا كميات تفوق الإنتاج، في وقت يجري فيه الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية والتجارية لسد الفجوة. وتشير تقديرات أوردتها الصحيفة إلى أن الاستهلاك العالمي قد يتجاوز الإنتاج بنحو 6 ملايين برميل يوميا بين مارس ويونيو.

هذا المعطى يعني أن الأسواق لا تواجه فقط ارتفاعا عابرا في الأسعار، بل اختبارا حقيقيا لقدرة المخزونات وسلاسل الإمداد على الصمود إذا طال أمد الأزمة.

مضيق هرمز في قلب الأزمة

يبقى مضيق هرمز نقطة الضعف الكبرى في الأزمة الحالية. فاضطراب الملاحة عبر هذا الممر الحيوي يضغط على صادرات النفط والغاز من الخليج، ويدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل حاد.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن خسائر الإمدادات المرتبطة بمضيق هرمز تستنزف المخزونات العالمية بوتيرة قياسية، مشيرة إلى أن المخزونات المرصودة، بما فيها النفط الموجود على الماء، تراجعت بنحو 250 مليون برميل خلال مارس وأبريل، أي بما يعادل حوالي 4 ملايين برميل يوميا.

كما أطلقت الوكالة أدوات ومتابعات خاصة بالأزمة، بينها متتبع لاستجابات الحكومات في أزمة الطاقة لعام 2026، في سياق أكبر عملية استخدام للمخزونات الطارئة، إلى جانب إجراءات لتقليل الطلب وتخفيف الضغط عن المستهلكين والأسواق.

نحو 80 دولة تعتمد إجراءات طارئة

من أبرز ما ورد في تغطية فايننشال تايمز أن نحو 80 دولة اتخذت إجراءات طارئة لحماية اقتصاداتها من تداعيات الأزمة. وتشمل هذه الإجراءات، بحسب طبيعة كل بلد، دعم أسعار الوقود، تقنين الاستهلاك، تشجيع النقل العمومي، تقليص بعض الأنشطة غير الضرورية، أو اللجوء إلى العمل عن بعد لتخفيف الطلب على الوقود.

لكن هذه السياسات ليست بلا كلفة. فالدول الغنية تستطيع تحمل جزء من صدمات الدعم والسحب من المخزونات، بينما تواجه الدول النامية وضعا أصعب بسبب ضعف الاحتياطيات، وارتفاع فاتورة الاستيراد، وضغط العملة، واتساع مخاطر التضخم.

لماذا تهم الأزمة المغرب؟

رغم أن المغرب ليس طرفا في التوترات الجيوسياسية التي فجرت الأزمة، إلا أنه بلد مستورد للطاقة، ما يجعل أي ارتفاع قوي في أسعار النفط والغاز والوقود المكرر مؤثرا على الاقتصاد الوطني ومعيشة الأسر.

فالطاقة لا تؤثر فقط على ثمن الوقود في محطات الخدمة، بل تمتد إلى النقل، وأسعار المواد الغذائية، وكلفة الإنتاج الصناعي والفلاحي، وأسعار الشحن، والسياحة، وحتى ميزانيات الجماعات والمقاولات. لذلك، فإن أي أزمة طويلة في السوق العالمية قد تصل آثارها إلى جيب المواطن المغربي عبر موجات غير مباشرة من الغلاء.

كما أن ارتفاع أسعار النفط يضغط عادة على ميزان المدفوعات في الدول المستوردة، ويزيد كلفة النقل واللوجستيك، وهي عناصر تنعكس في النهاية على الأسعار الداخلية، خاصة عندما تكون سلاسل الإمداد العالمية متوترة.

هل نحن أمام أزمة شبيهة بسبعينيات القرن الماضي؟

لا يمكن الجزم بأن العالم يتجه آليا إلى تكرار أزمة الطاقة في السبعينيات، لكن بعض المؤشرات تثير القلق: صدمة إمدادات، ارتفاع أسعار، مخاوف من تقنين الاستهلاك، وتدخلات حكومية واسعة. غير أن الفرق اليوم أن الأسواق أكثر تعقيدا وترابطا، وأن الاعتماد على المنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال وسلاسل النقل العالمية يجعل أثر الأزمة أسرع انتقالا بين القارات.

وتشير فايننشال تايمز إلى أن استمرار الأزمة قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير، مع تحذيرات من سيناريوهات قد تصل فيها الأسعار إلى مستويات قادرة على إشعال التضخم ودفع بعض الاقتصادات نحو الركود إذا استمر التصعيد.

ما الذي يجب مراقبته في الأيام المقبلة؟

أول مؤشر حاسم هو وضع الملاحة في مضيق هرمز، لأن أي تحسن في حركة الناقلات قد يخفف الضغط على الأسواق، بينما أي تعثر إضافي سيزيد المخاوف من نقص الإمدادات.

المؤشر الثاني هو مستوى المخزونات التجارية والاستراتيجية. فإذا استمر السحب منها بوتيرة مرتفعة، ستجد الحكومات نفسها أمام خيارات أصعب بين دعم الأسعار، أو تقليل الاستهلاك، أو ترك السوق يرفع الأسعار على المستهلكين.

المؤشر الثالث هو سعر المنتجات المكررة، خصوصا الديزل ووقود الطائرات، لأن الأزمة لا تتعلق بالنفط الخام وحده. فقد تبقى أسعار الوقود مرتفعة حتى إذا استقر سعر الخام نسبيا، بسبب ضغط التكرير والنقل والتوزيع.

خلاصة المقال

تحذر فايننشال تايمز من أن أزمة الطاقة العالمية تدخل مرحلة جديدة مع اقتراب الصيف، بسبب اتساع الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج واستنزاف المخزونات العالمية.

  • الأزمة مرتبطة أساسا بتداعيات اضطراب الملاحة والإمدادات عبر مضيق هرمز.
  • نحو 80 دولة لجأت إلى إجراءات طارئة لمواجهة ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات.
  • المغرب قد يتأثر عبر أسعار الوقود والنقل والمواد المستوردة وكلفة الإنتاج.

تحذير فايننشال تايمز لا يعني أن العالم دخل حتما في انهيار طاقي شامل، لكنه يؤكد أن الأزمة تجاوزت مرحلة القلق النظري إلى اختبار عملي لقدرة الحكومات والأسواق على الصمود. ومع اقتراب الصيف، ستصبح المعادلة أكثر صعوبة: طلب أعلى، مخزونات أقل، وأسواق أكثر حساسية لأي تطور في مضيق هرمز أو الشرق الأوسط.

بالنسبة للمغرب، تبقى متابعة هذه الأزمة ضرورية لأنها لا تتعلق بالنفط وحده، بل بما يصل إلى حياة الناس اليومية: ثمن النقل، كلفة السلع، وتوازن القدرة الشرائية في مواجهة عالم يدخل مرحلة طاقة أكثر اضطرابا.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *