منذ قرون بعيدة، وقبل ظهور مؤسسات النقل الحديثة وشبكات الإيواء المنظمة، برز المغاربة بروح المبادرة والتكافل، وأسهموا في صناعة واحدة من أروع الصفحات الحضارية في تاريخ الحج الإسلامي. فقد كان المغربي الصوفي والعالم الجليل أبو محمد صالح الماجري من أوائل من فكروا في تنظيم رحلة الحج للمغاربة والأندلسيين عبر مشروع إنساني ولوجستي متكامل، يُعد بحق سابقة حضارية في العالم الإسلامي.
وفي زمن الدولة الموحدية، حين كانت رحلة الحج شاقة ومحفوفة بالمخاطر، عانى الحجاج المغاربة من طول الطريق، وقساوة الصحراء، وندرة الماء، وغياب أماكن الإقامة الآمنة، إضافة إلى أخطار اللصوص والأمراض والتعب. وكانت الرحلة إلى الديار المقدسة تستغرق أشهرًا طويلة، يواجه خلالها الحجاج أهوال السفر ومشقة التنقل بين البلدان والقفار.

أمام هذه المعاناة، بادر أبو محمد صالح الماجري إلى تأسيس أول ركب مغربي منظم للحج، واضعًا أسس شبكة لوجستيكية متقدمة بمقاييس ذلك العصر. ولم يكن المشروع مجرد قافلة تسير نحو مكة المكرمة، بل منظومة متكاملة لخدمة الحجاج وتأمين راحتهم وسلامتهم على امتداد الطريق.
وقد بدأ مشروعه بتأسيس ست وأربعين زاوية موزعة بين المغرب والحجاز، تحولت إلى محطات استراحة استراتيجية للحجاج المغاربة. وكانت هذه الزوايا تؤدي أدوارًا متعددة؛ فهي أماكن للأكل والشرب والتزود بالمؤونة، ومراكز للاستراحة والعلاج، كما كانت بمثابة فنادق مجانية تستقبل الحجاج دون مقابل، في صورة تعكس قيم التضامن والتكافل التي عُرف بها المغاربة عبر التاريخ.
ولم تكن الزوايا مجرد بنايات عابرة، بل شكلت مؤسسات اجتماعية وروحية ساهمت في حماية الحجاج وربط أجزاء العالم الإسلامي ببعضها البعض. فقد كانت توفر الأمن المعنوي والدعم الإنساني للمسافرين، وتخلق نوعًا من التواصل الحضاري بين المغرب والمشرق، حتى أصبحت طريق الحج المغربية واحدة من أشهر الطرق وأكثرها تنظيمًا في ذلك العصر.

ويبرز هذا المشروع العبقري مدى الوعي الحضاري الذي امتلكه المغاربة منذ القدم، إذ نجحوا في ابتكار نظام يشبه في مفهومه المعاصر شبكات الخدمات اللوجستيكية ومحطات الاستقبال الحديثة. كما يكشف عن الدور الكبير الذي لعبته الزوايا المغربية، ليس فقط في التربية الروحية ونشر العلم، بل أيضًا في خدمة المجتمع وتأمين المسافرين ورعاية الفقراء وعابري السبيل.
لقد شكلت الزوايا المغربية عبر التاريخ ركيزة أساسية في الحياة الاجتماعية والدينية، وأسهمت في ترسيخ صورة المغرب كأرض للتضامن والعطاء والتنظيم. وما قام به أبو محمد صالح الماجري يظل شاهدًا على عبقرية الإنسان المغربي وقدرته على تحويل المعاناة إلى مشروع حضاري متكامل يخدم الإنسان والدين والحضارة.
إن استحضار هذه الصفحات المشرقة من تاريخ المغرب ليس مجرد حديث عن الماضي، بل هو تذكير بأن روح المبادرة والإبداع والتكافل كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من الهوية المغربية، وأن المغاربة ساهموا منذ قرون في بناء جسور التواصل بين شعوب العالم الإسلامي وخدمة قاصدي بيت الله الحرام بكل تفانٍ وإخلاص.
بقلم: أحمد بومهرود، باحث في الإعلام والصناعة الثقافية