ليست الديمقراطية أن تترك الآخر يترشح فقط حين تكون واثقا من خسارته. وليست حقوق الإنسان أن تمنح المنابر الدولية لمن يردد خطاب الأقوياء، ثم تهدد بسحب التأشيرة عندما يقرر طرف ضعيف استعمال حقه الرمزي في الترشح داخل مؤسسة أممية.
لهذا تبدو واقعة تهديد واشنطن بإلغاء تأشيرات أعضاء في الوفد الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، إن لم يسحب السفير رياض منصور ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة، أكبر من مجرد خلاف إجرائي داخل أروقة نيويورك. إنها تكشف سؤالا أعمق: ماذا يعني أن تتحدث دولة كبرى، طوال عقود، باسم الديمقراطية والحقوق والقانون الدولي، ثم تمارس ضغطا مباشرا لمنع ترشح سياسي لا يعجبها؟
وحسب وكالة “رويترز”، هددت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإلغاء تأشيرات أعضاء في الوفد الفلسطيني لدى الأمم المتحدة إذا لم يسحب السفير الفلسطيني رياض منصور ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة. واستندت الوكالة إلى برقية داخلية لوزارة الخارجية الأمريكية، مؤرخة في 20 ماي 2026، طلبت من دبلوماسيين أمريكيين في القدس إبلاغ السلطة الفلسطينية بأن استمرار الترشيح سيقوض خطة الإدارة الأمريكية بشأن غزة ويؤجج التوترات.
وتحدثت “الغارديان” بدورها عن برقية مؤرخة في 19 ماي، تطلب توجيه إنذار دبلوماسي للفلسطينيين لسحب الترشيح قبل 22 ماي، مع التلويح بعواقب تشمل احتمال إلغاء تأشيرات مسؤولين فلسطينيين لدى الأمم المتحدة. وأشارت الصحيفة إلى أن واشنطن تخشى أن يمنح منصب نائب رئيس الجمعية العامة للفلسطينيين دورا مؤثرا في إدارة نقاشات رفيعة المستوى، خصوصا تلك المرتبطة بالشرق الأوسط.
هنا لا يعود الأمر متعلقا بمنصب أممي تقني فقط. فالجمعية العامة للأمم المتحدة يفترض أن تكون فضاء للتمثيل والنقاش والتصويت، لا مجالا لإخضاع الترشيحات لرغبة الدولة المضيفة. وإذا كان الترشح حقا مؤسساتيا، فإن تحويل التأشيرة إلى أداة ضغط يجعله حقا مشروطا: ترشح ما دمت لا تزعج، وتراجع إذا أزعجت.
المفارقة أن الولايات المتحدة ليست مجرد دولة عادية في هذا الملف. فهي الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك، وتربطها بالأمم المتحدة اتفاقية مقر تعود إلى سنة 1947. وتنص هذه الاتفاقية على أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تفرض عوائق على عبور ممثلي الدول والأشخاص المشمولين إلى مقر الأمم المتحدة، كما تنص على أن التأشيرات، حين تكون مطلوبة، تُمنح بسرعة ودون رسوم، مع تطبيق هذه الضمانات بصرف النظر عن طبيعة العلاقات بين حكومة الشخص المعني وحكومة الولايات المتحدة.
صحيح أن واشنطن تقول عادة إنها تأخذ التزاماتها بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة على محمل الجد، كما ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية في ردها على تقارير صحفية، لكنها تضيف في الوقت نفسه أنها لا تعلق على إجراءات التأشيرات الفردية. غير أن الإشكال السياسي لا يزول بهذه الصيغة الدبلوماسية، لأن الرسالة التي تصل للعالم واضحة: الدولة التي تستضيف المؤسسة الأممية تستطيع، عند الحاجة، أن تستعمل باب الدخول إلى المؤسسة للضغط على خصم سياسي.
وهنا تظهر هشاشة الديمقراطيات الكبرى حين تخرج العملية السياسية عن النتائج المرغوبة. فالقوة لا تحتاج دائما إلى منع التصويت مباشرة. أحيانا تكفي رسالة دبلوماسية، أو تهديد بتأشيرة، أو تلميح بقطع مسار مالي، حتى تتغير موازين القرار. الأغلبية لا تُصنع دائما بالإقناع؛ أحيانا تُصنع بالخوف من الكلفة.
في الظاهر، تتحدث واشنطن عن خطة سلام في غزة وعن منع “تصعيد التوتر”. لكن السؤال المشروع هو: هل يصبح السلام ذريعة لمنع طرف تحت الاحتلال من ترشيح ممثله داخل مؤسسة دولية؟ وهل يمكن لخطة سلام أن تبدأ بإخراج صوت فلسطيني من دائرة القرار الرمزي؟ إذا كان المنصب لا يملك سلطة تنفيذية كبرى، فلماذا كل هذا الضغط لمنع الفلسطينيين من الوصول إليه؟
تكمن خطورة الواقعة في أنها تكشف ازدواجية معيارية عميقة. عندما يتعلق الأمر بحلفاء واشنطن، يصبح التمثيل الدولي جزءا من السيادة والحق السياسي. وعندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، يتحول التمثيل نفسه إلى “خطوة أحادية” أو “استفزاز” أو “تقويض لخطة السلام”. بهذا المنطق، لا يعود الحق حقا، بل امتيازا تمنحه القوة لمن ترضى عنه.
وليست هذه أول مرة يصبح فيها ملف التأشيرات أداة ضغط في المسألة الفلسطينية. ففي غشت 2025، تحدثت “واشنطن بوست” و“الغارديان” عن منع أو إلغاء تأشيرات مسؤولين فلسطينيين قبل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع جدل واسع حول مدى انسجام ذلك مع اتفاقية مقر الأمم المتحدة.
لهذا، فإن الواقعة الجديدة لا تبدو حادثا معزولا، بل حلقة إضافية في نمط سياسي أوسع: كلما حاول الفلسطينيون نقل قضيتهم إلى فضاء دولي، سواء عبر الاعتراف، أو القضاء الدولي، أو الترشيح داخل الأمم المتحدة، ظهر ضغط أمريكي مباشر أو غير مباشر لإعادة الملف إلى حدود ترسمها واشنطن وحلفاؤها.
ومن زاوية أخلاقية، تبدو المسألة أكثر قسوة. دولة كبرى تملك حق الفيتو، والنفوذ المالي، والعسكري، والدبلوماسي، تضغط على وفد لا يملك حتى عضوية كاملة في الأمم المتحدة. فلسطين تتمتع بصفة دولة مراقب غير عضو، ولا تملك حق التصويت مثل الدول الأعضاء. ومع ذلك، يبدو مجرد احتمال أن يجلس ممثلها في موقع رمزي داخل الجمعية العامة كافيا لإثارة تهديدات التأشيرة.
هذا هو المعنى الحقيقي للديمقراطية تحت الإكراه: لا تُمنع من الكلام علنا، لكن تُدفع إلى الصمت قبل أن تتكلم. لا تُسحب منك الورقة داخل الصندوق، لكن تُهدد قبل أن تصل إلى القاعة. لا يقال لك إنك بلا حق، بل يقال لك إن استعمال الحق ستكون له عواقب.
والأخطر أن هذا السلوك لا يضعف الفلسطينيين وحدهم، بل يضعف صورة الأمم المتحدة نفسها. فحين يشعر أي طرف أن الوصول إلى المؤسسة الدولية يمكن أن يخضع لمزاج الدولة المضيفة، فإن حياد المنبر الأممي يتآكل. وحين تتحول التأشيرة إلى أداة سياسية، يصبح باب الأمم المتحدة جزءا من الصراع، لا مساحة لإدارته.
قد تقول واشنطن إن موقفها مبرر بحسابات السلام والأمن وخطة غزة. وقد تقول إن الترشيح الفلسطيني رسالة سياسية في توقيت حساس. لكن الديمقراطية الحقيقية لا تختبر عندما يترشح من نحب، بل عندما يترشح من نختلف معه. وحقوق الإنسان لا تقاس بالخطب، بل بطريقة التعامل مع الخصم الضعيف عندما يطالب بمقعد أو صوت أو اعتراف.
في النهاية، لا تكشف هذه الواقعة قوة واشنطن فقط، بل تكشف أيضا قلقها من الرمز. فلو كان المنصب بلا أثر، لما استحق كل هذا الضغط. ولو كانت الديمقراطية الأممية تعمل بلا إكراه، لترك الترشيح لصندوق التصويت داخل الجمعية العامة. أما حين تتحول التأشيرة إلى سلاح سياسي، فذلك يعني أن بعض الديمقراطيات لا تخاف من الديكتاتوريات بقدر ما تخاف من صندوق قد يمنح خصمها انتصارا رمزيا صغيرا.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله