مخزون النفط العالمي يتراجع.. وغياب “سامير” يضع المغرب أمام كلفة التبعية

أعاد تراجع مخزون النفط العالمي بوتيرة قياسية سؤال الأمن الطاقي إلى واجهة النقاش في المغرب، خصوصاً في ظل غياب مصفاة “سامير” بالمحمدية عن الخدمة منذ سنة 2015، وتحول المملكة إلى بلد يعتمد كلياً تقريباً على استيراد الغازوال والبنزين والمنتجات النفطية المكررة الجاهزة.

ووفق ما نقلته بلومبرغ عن تقديرات “مورغان ستانلي”، تراجعت مخزونات النفط العالمية بنحو 4.8 ملايين برميل يومياً بين 1 مارس و25 أبريل 2026، في سياق اضطراب الإمدادات المرتبط بالحرب في منطقة الخليج، حيث شكل الخام نحو 60% من هذا التراجع، بينما مثلت المنتجات المكررة النسبة الباقية. كما أشارت “فايننشال تايمز” إلى هبوط عالمي يقارب 200 مليون برميل في أبريل، أي حوالي 6.6 ملايين برميل يومياً، وهو ما يعكس ضغطاً غير عادي على “وسادة الأمان” في سوق الطاقة.

هذه المعطيات لا تهم كبار المنتجين والمستوردين وحدهم، بل تهم المغرب مباشرة، لأنه بلد مستورد صافٍ للطاقة، ولا يتوفر حالياً على قدرة محلية لتكرير النفط الخام بعد توقف مصفاة “سامير”، وهي المصفاة الوحيدة التي كانت تشتغل بالمملكة قبل دخولها مسار التوقف والتصفية.

غياب سامير.. من ملف صناعي إلى سؤال سيادة طاقية

توقفت مصفاة “سامير” بالمحمدية عن الإنتاج سنة 2015 بسبب صعوبات مالية، ثم دخلت مسار التصفية القضائية سنة 2016، وفق مصادر متخصصة وتقارير دولية حول قطاع الطاقة بالمغرب. وكانت “سامير” تمثل المصفاة الوحيدة في البلاد، ما جعل توقفها نقطة تحول في نموذج التزود المغربي بالمحروقات.

منذ ذلك التوقف، لم يعد المغرب يشتري النفط الخام لتكريره محلياً، بل أصبح يعتمد على استيراد المنتجات النفطية المكررة، مثل الغازوال والبنزين، من الأسواق الدولية. وتؤكد رويترز أن المغرب أصبح معتمداً بالكامل على واردات الغازوال والبنزين منذ 2015 بعد إغلاق مصفاته الوحيدة، وأن غياب قدرة التكرير المحلية يجعل اضطرابات الإمداد أكثر إيلاماً للمملكة.

وهنا يظهر جوهر الإشكال: المغرب لا يشتري فقط “طاقة”، بل يشتري منتجاً نهائياً مكرراً، يدخل في سعره الخام، وهوامش التكرير الدولية، وكلفة الشحن، والتأمين، والتخزين، وهوامش الاستيراد والتوزيع، إضافة إلى أثر سعر الصرف والضرائب.

هل كان المغرب سيستفيد لو كانت سامير تشتغل؟

نعم، كان يمكن للمغرب أن يستفيد من تشغيل مصفاة محلية، لكن ليس بالطريقة المطلقة التي تُطرح أحياناً في النقاش العمومي.

لو كانت “سامير” تشتغل بكفاءة مالية وتقنية، لكان المغرب يملك خياراً إضافياً: استيراد النفط الخام وتكريره محلياً بدل الاعتماد الكامل على الوقود الجاهز. وهذا كان سيمنح البلاد هامش مناورة أكبر في أوقات اضطراب سوق المنتجات المكررة، خصوصاً عندما ترتفع هوامش التكرير أو تتشدد شروط التزود بالغازوال والبنزين في السوق الدولية.

لكن ذلك لا يعني أن الأسعار في المغرب كانت ستبقى منخفضة تلقائياً. فالمصفاة نفسها كانت ستشتري الخام من السوق الدولية، وسعر الخام يرتفع أيضاً خلال الأزمات. كما أن تشغيل مصفاة متوقفة منذ سنوات يحتاج استثمارات ضخمة في الصيانة، والتمويل، والسلامة، والامتثال البيئي، وتأمين الإمدادات. لذلك، الفائدة الحقيقية لسامير لا تكمن في “إلغاء أثر الأزمة”، بل في تقليص التبعية الكاملة للمنتجات المكررة المستوردة.

المغرب بين مستوردي النفط والوقود الجاهز

عندما تكون الأسواق هادئة، قد يبدو نموذج استيراد المنتجات المكررة عملياً وسهلاً. لكن عند الأزمات، تظهر كلفته الاستراتيجية. فالمغرب يصبح جزءاً من حسابات الموردين والتجار الدوليين للمنتجات الجاهزة، أي أنه ينافس دولاً أخرى على شحنات الغازوال والبنزين المتاحة، بدل أن يكون قادراً على شراء خام من مصادر متعددة وتكريره داخلياً.

وهذا لا يعني اتهام المستوردين المحليين وحدهم. السوق محررة، والاستيراد والتخزين والتوزيع تديرها شركات خاصة، والأسعار تتأثر بقوى السوق الدولية. رويترز نقلت عن وزارة الطاقة المغربية أن سياسة تنويع مصادر التزود، خصوصاً من أوروبا والولايات المتحدة، ساعدت في تخفيف أثر الأزمة، لكنها أوضحت أيضاً أن استيراد وتخزين وتوزيع المنتجات النفطية في المغرب تديره شركات خاصة ويتفاعل مع منطق السوق.

لذلك، الزاوية الدقيقة ليست أن المغرب “رهينة” جهة واحدة، بل أنه أصبح أقل امتلاكاً لأدوات صناعية داخلية في مواجهة تقلبات سوق عالمية شديدة الحساسية.

المخزون الاستراتيجي.. الحلقة الأضعف في لحظات التوتر

لا يكفي وجود واردات متنوعة إذا كان المخزون الاستراتيجي محدوداً. فقد ذكرت رويترز، نقلاً عن وزارة الطاقة المغربية، أن المغرب كان يتوفر في أبريل 2026 على مخزون يغطي 51 يوماً من الغازوال و55 يوماً من البنزين، في سياق اضطرابات كبرى في أسواق الطاقة.

لكن تقارير مغربية متخصصة أشارت إلى أن الحد القانوني لمخزون الأمان في المحروقات هو 60 يوماً، وأن المغرب لم ينجح لسنوات في بلوغ هذا السقف بشكل منتظم، مع متوسطات كانت تدور حول 30 يوماً أو أقل في فترات سابقة، وفق تحليل نشرته Medias24.

كما أظهر تقرير مجلس المنافسة حول الربع الرابع من 2024 أن القدرة الإجمالية المتاحة لتخزين الغازوال والبنزين في المغرب بلغت 1.56 مليون طن، 88% منها مخصصة للغازوال، وأن تسع شركات تملك مجتمعة حوالي 81.7% من هذه القدرة التخزينية.

هذه الأرقام تعني أن الأمن الطاقي لا يرتبط بالمصفاة وحدها، بل بثلاثة عناصر معاً: قدرة التكرير، قدرة التخزين، وتنوع مصادر التزود.

لماذا يصبح غياب التكرير مكلفاً أثناء الأزمات؟

في أزمة عالمية مثل تراجع المخزونات، لا يرتفع سعر النفط الخام فقط، بل قد ترتفع أيضاً أسعار المنتجات المكررة بسبب نقص الغازوال والبنزين ووقود الطائرات في مناطق معينة. وهنا يجد البلد الذي لا يملك مصفاة نفسه مضطراً إلى شراء المنتج النهائي بالسعر العالمي الكامل.

أما البلد الذي يملك مصفاة، فقد لا يفلت من ارتفاع الخام، لكنه يستطيع أحياناً إدارة جزء من الأزمة داخلياً عبر شراء خام مناسب، تشغيل وحدات التكرير، وتوجيه الإنتاج نحو الحاجات الأكثر استعجالاً. هذه القدرة لا تضمن أسعاراً منخفضة، لكنها تمنح الدولة والاقتصاد أداة صناعية إضافية في إدارة الصدمة.

ولهذا السبب، فإن النقاش حول “سامير” لم يعد مجرد حنين إلى مؤسسة صناعية توقفت، بل تحول إلى سؤال عن موقع المغرب داخل سلسلة الطاقة: هل يبقى مستورداً للمنتج النهائي فقط، أم يستعيد جزءاً من القيمة الصناعية عبر التكرير المحلي؟

هل إعادة تشغيل سامير حل سحري؟

لا. إعادة تشغيل “سامير” ليست حلاً سحرياً، ولا يمكن تقديمها للقارئ كأنها ستخفض الأسعار تلقائياً أو تحمي المغرب بالكامل من الصدمات العالمية.

هناك أسئلة عملية صعبة: من سيمول العودة؟ ما حجم الاستثمارات المطلوبة لتأهيل المصفاة؟ هل وحداتها التقنية ما زالت قابلة للتشغيل الاقتصادي؟ ما شروط السلامة والبيئة؟ ما مصير الديون والنزاعات القضائية؟ وهل سيكون التكرير المحلي منافساً لاستيراد المنتجات الجاهزة في كل الفترات؟

هذه الأسئلة مهمة لأنها تمنع تحويل الملف إلى شعار سياسي بسيط. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن غياب أي قدرة تكرير محلية يجعل المغرب أقل مرونة أمام أزمات النفط والوقود.

الخلاصة الاقتصادية: سامير لم تكن ستلغي الأزمة لكنها كانت ستمنح هامشاً

الاستنتاج المنطقي هو التالي: لو كانت مصفاة “سامير” تعمل اليوم بكفاءة، لما كان المغرب معزولاً عن ارتفاع أسعار النفط العالمية، لكنه كان سيملك هامشاً أفضل في تدبير الأزمة.

كان يمكنه أن يوازن بين استيراد الخام وتكريره محلياً وبين استيراد بعض المنتجات الجاهزة. وكان يمكن أن يحتفظ بجزء من القيمة المضافة داخل البلاد، وأن يدعم قدرته التخزينية والصناعية، وأن يقلل تعرضه الكامل لهوامش سوق المنتجات المكررة.

لكن بما أن المصفاة متوقفة، فإن المغرب يواجه الأزمة من موقع المستورد الكامل للوقود الجاهز، مع قدرة محدودة على التأثير في الأسعار العالمية أو هوامش التكرير الدولية.

ماذا يعني ذلك للمستهلك المغربي؟

بالنسبة للمستهلك المغربي، لا تظهر هذه المعادلات التقنية مباشرة، لكنها تصل في النهاية إلى سعر المحروقات والنقل والمواد. عندما ترتفع أسعار الوقود، ترتفع كلفة نقل البضائع، وتتأثر قطاعات النقل المهني والفلاحة والصيد واللوجستيك.

رويترز ذكرت أن أسعار الغازوال والبنزين في محطات الوقود بالمغرب ارتفعت بنحو 30% بعد تصاعد التوترات في الشرق الأوسط نهاية فبراير 2026، وأن الحكومة أعادت دعم مهنيي النقل، مثل سيارات الأجرة والحافلات والشاحنات، لمحاولة الحد من الأثر.

وهذا يوضح أن غياب أدوات صناعية داخلية لا يبقى شأناً تقنياً، بل يتحول في لحظة الأزمة إلى ضغط على الأسر والمقاولات والميزانية العمومية.

نحو مقاربة أكثر توازناً

الدرس الأهم من أزمة مخزون النفط العالمي ليس فقط أن الأسعار قد ترتفع، بل أن الدول التي تملك أدوات متعددة تكون أقدر على امتصاص الصدمات. والمغرب راكم جهوداً في تنويع مصادر التزود، وتطوير الطاقات المتجددة، وتأمين بعض المخزونات، لكن ملف التكرير المحلي ما زال الحلقة الأكثر حساسية منذ توقف “سامير”.

المطلوب اليوم ليس خطاباً عاطفياً حول المصفاة، ولا دفاعاً آلياً عن نموذج الاستيراد الحالي. المطلوب نقاش اقتصادي شفاف يجيب عن أسئلة محددة: كم سيكلف استرجاع قدرة التكرير؟ ما العائد الاستراتيجي؟ كيف يمكن ربطها بالمخزون الوطني؟ ومن يضمن ألا تتحول العودة إلى عبء مالي جديد؟

تراجع مخزون النفط العالمي بنحو ملايين البراميل يومياً يعيد إلى المغرب سؤالاً قديماً بثوب جديد: ماذا خسر البلد بتوقف “سامير”؟ الجواب الدقيق أن المغرب لم يخسر فقط مصفاة، بل خسر هامشاً صناعياً واستراتيجياً كان يمكن أن يساعده في إدارة أزمات الطاقة بمرونة أكبر.

ومع ذلك، لا يجب الادعاء بأن تشغيل “سامير” كان سيحمي المغرب تماماً من ارتفاع الأسعار. فالأزمة عالمية، والخام نفسه يرتفع، وسلاسل الطاقة كلها مضطربة. لكن وجود مصفاة محلية فعالة كان سيمنح المملكة خياراً إضافياً بين شراء الخام وتكريره محلياً أو استيراد الوقود الجاهز، بدل الارتهان الكامل لمنطق سوق المنتجات المكررة.

وهنا تكمن الخلاصة: في عالم تتراجع فيه المخزونات وتتصاعد فيه الأزمات الجيوسياسية، يصبح الأمن الطاقي أكبر من مجرد عقد استيراد. إنه قدرة على التخزين، والتكرير، والتنويع، والتدخل السريع. وملف “سامير” يعود اليوم لأنه يلامس بالضبط هذه الحلقة المفقودة في معادلة الطاقة المغربية.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *