سيدة سنغالية في مرمى التضليل: حين تحوّلت رقصة فرح إلى تهمة سياسية

خارج الحدود

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

  • استغلال الرموز
    السياسية في لحظة فرح رياضي: حين يتحول الاحتفال إلى فخ أيديولوجي في شوارع فرنسا

تحوّلت لحظة فرح عفوية أعقبت تتويج المنتخب السنغالي بكأس إفريقيا للأمم، المنظمة مؤخرًا بالمغرب، إلى قضية رأي عام ذات أبعاد سياسية وقانونية، بعدما استُغلت سيدة سنغالية في مدينة مانت لا جولي الفرنسية داخل احتفال رياضي، لتمرير رسالة أيديولوجية لا علاقة لها لا بالرياضة ولا بالحدث نفسه. الواقعة، التي انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أعادت إلى الواجهة إشكالية استغلال الرموز السياسية في الفضاء العام الأوروبي، وحدود حرية التعبير حين تمس بكرامة الأفراد وتحوّر الحقائق.

  • تفاصيل الواقعة

عقب فوز السنغال في نهائي كأس إفريقيا، خرجت مجموعات للاحتفال في عدد من المدن الفرنسية، من بينها مانت لا جولي. وسط هذه الأجواء، ظهرت مجموعة من الأشخاص من أصول جزائرية، وُصفت لاحقًا بكونها قريبة من أطروحات جبهة البوليساريو، وهي تحمل ما يُعرف بـ“شرويطة البوليساريو”.
وخلال الاحتفال، قامت هذه المجموعة بوضع الراية على ظهر سيدة سنغالية كانت ترقص وتشارك الحشود فرحتها. السيدة، وبحسن نية، قبلت الراية معتقدة أنها علم فلسطين، في ظل التشابه اللوني المعروف واستحضار الرمزية التضامنية التي يحملها هذا العلم لدى الشعوب الإفريقية.
غير أن الأمور أخذت منحى مختلفًا بعد تفرق المحتفلين، إذ فوجئت السيدة بمقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، تُظهرها وكأنها تشارك “مرتزقة” في احتفال سياسي موجه ضد المغرب، وتروّج لرواية مفادها أن السنغاليين يحتفلون بخسارة المغرب في النهائي، وهو ما لا يمت للحقيقة بصلة.

  • من الاحتفال إلى التشهير

ما وقع لا يمكن تصنيفه في خانة “سوء الفهم” فقط، بل يدخل ضمن التدليس الرمزي والتشهير الرقمي. فقد تم اقتطاع اللحظة من سياقها الرياضي والإنساني، وإعادة تأطيرها سياسيًا، بما يسيء إلى السيدة المعنية، وإلى الجالية السنغالية عمومًا، ويزج بها في صراع سياسي لا علاقة لها به.
هذا التحوير المتعمد للوقائع يطرح تساؤلات عميقة حول أخلاقيات الفعل السياسي داخل المجتمعات الأوروبية، خصوصًا حين يتم توظيف أفراد عاديين، وبالأخص النساء، كأدوات دعائية دون علمهم أو موافقتهم.

  • المسار القانوني وردّ الفعل

أمام حجم الإساءة وانتشار الفيديوهات المضللة، سارعت السيدة السنغالية إلى وضع شكاية رسمية لدى السلطات الفرنسية، مرفقة بالأدلة الرقمية التي تُظهر تعرضها للاستغلال والتشهير. كما تابعت المجموعة المعنية قضائيًا، في خطوة تعكس وعيًا متزايدًا لدى الأفراد بحقوقهم داخل الفضاء العام الأوروبي، ورفضهم أن يكونوا وقودًا لصراعات أيديولوجية عابرة للحدود.
القضية باتت اليوم بين أيدي القضاء الفرنسي، الذي يُنتظر أن يبتّ في مدى خرق القوانين المتعلقة بالتشهير، والتحريض، واستغلال الصورة دون إذن، وهي قوانين صارمة نسبيًا في فرنسا.

  • دلالات أوسع من حادثة معزولة

تكشف هذه الحادثة عن ثلاث إشكالات رئيسية:

  • تسييس الفرح الرياضي وتحويله إلى منصة لتصفية حسابات سياسية.
  • استغلال الرموز الإنسانية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لتمرير أجندات أخرى، مما يسيء لتلك القضايا نفسها.
  • قوة وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة روايات زائفة، وتأثيرها المباشر على سمعة الأفراد وحياتهم الخاصة.
  • خاتمة

ما حدث في مانت لا جولي الفرنسية ليس مجرد حادث عرضي، بل مؤشر على خطورة التلاعب بالرموز والصور في زمن السرعة الرقمية. كما يبرز الحاجة إلى وعي جماعي يحمي الأفراد من الوقوع ضحايا للاستغلال السياسي، ويؤكد أن الفرح الرياضي يجب أن يبقى مساحة للتقارب الإنساني، لا ساحة لتصفية النزاعات.
في النهاية، تبقى العدالة هي الفيصل، ويبقى احترام كرامة الإنسان خطًا أحمر، مهما كانت الشعارات المرفوعة أو القضايا المعلنة.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً