في بلدٍ يعيش أسابيع طويلة تحت عتمة رقمية شبه كاملة، تحوّل جهاز أبيض صغير من Starlink إلى نافذة نادرة على العالم الخارجي. تحقيق جديد كشف عن شبكة سرية تهرّب محطات الإنترنت الفضائي إلى إيران، في عملية محفوفة بالمخاطر، هدفها مساعدة مواطنين ونشطاء على تجاوز الحجب ونقل ما يجري داخل البلاد إلى الخارج.
شبكة تهريب في مواجهة الحجب
كشف تقرير حديث نسبته عدة وسائل إعلام إلى BBC عن وجود شبكة سرية تعمل على إدخال أجهزة Starlink إلى إيران، رغم أن استخدام هذه التقنية وبيعها أو تهريبها يُعد مخالفاً للقانون داخل البلاد. وتقوم الفكرة على إيصال محطات إنترنت فضائي إلى أشخاص قادرين على استخدامها لتجاوز الرقابة الرقمية، خصوصاً في ظل انقطاع واسع للإنترنت الدولي.
وبحسب ما نقلته NDTV وThe National عن التحقيق، تحدث شخص إيراني استخدم اسماً مستعاراً هو “Sahand” عن دوره في إرسال محطات Starlink إلى الداخل الإيراني، قائلاً إن تمكين شخص إضافي واحد فقط من الوصول إلى الإنترنت يجعل المخاطرة “ناجحة وتستحق العناء”.
لماذا Starlink تحديداً؟
تعمل Starlink، التابعة لشركة SpaceX المملوكة لإيلون ماسك، عبر شبكة أقمار صناعية منخفضة المدار. وبخلاف الاتصال التقليدي الذي يمر عبر مزودي الإنترنت المحليين، تتيح المحطات الفضائية للمستخدمين الاتصال مباشرة بالشبكة العالمية، ما يجعلها أداة فعالة نسبياً في حالات الحجب الشامل أو الرقابة المشددة.
لهذا السبب تحولت أجهزة Starlink إلى وسيلة حساسة في إيران، حيث تسعى السلطات إلى فرض سيطرة أكبر على تدفق المعلومات، بينما يرى ناشطون ومستخدمون أن هذه الأجهزة تمنح فرصة محدودة لإرسال الصور والفيديوهات والرسائل إلى الخارج عندما تُغلق القنوات التقليدية.
انقطاع طويل وخطر قانوني متزايد
تشير التقارير المفتوحة إلى أن إيران عاشت فترات انقطاع شديدة منذ بداية 2026، بينها إغلاق واسع للإنترنت في يناير خلال احتجاجات داخلية، ثم تصعيد جديد بعد ضربات أمريكية وإسرائيلية في 28 فبراير. ووفق WIRED، انخفضت حركة الإنترنت في بعض الفترات بنحو 99%، بينما بقي الوصول العالمي متاحاً فقط عبر قنوات محدودة، منها بوابات مرتبطة بمحطات Starlink.
لكن استخدام هذه الأجهزة ليس بلا ثمن. فقد أكدت رويترز، نقلاً عن وكالة تسنيم شبه الرسمية، اعتقال أربعة أشخاص في شمال غرب إيران، بينهم أجنبيان، بتهمة استيراد معدات إنترنت فضائي مثل Starlink، وهي تهمة تُعامل كجريمة في البلاد. كما تشير تقارير أخرى إلى أن امتلاك أو بيع أو استيراد هذه المحطات قد يعرض المستخدمين لعقوبات سجنية قاسية.
أرقام متضاربة لكنها تكشف حجم الطلب
لا توجد أرقام رسمية مستقلة تحدد عدد محطات Starlink العاملة داخل إيران. لكن The Guardian نقلت عن خبراء رقميين تقديرات تتحدث عن نحو 50 ألف محطة، فيما تشير تقارير أخرى إلى احتمال وجود أعداد أكبر. في المقابل، تؤكد السلطات الإيرانية أنها صادرت أو عطلت عدداً من هذه الأجهزة، وتتعامل معها ضمن سياق أمني مرتبط بالتجسس والحرب.
وتقول تغطيات حديثة إن الطلب على هذه الأجهزة ازداد مع استمرار الحجب، رغم الكلفة المرتفعة وصعوبة التهريب. فالمحطة الواحدة قد تخدم عدة أشخاص في الوقت نفسه، ما يجعلها ذات قيمة كبيرة في الأحياء أو المجموعات التي تبحث عن منفذ آمن نسبياً إلى الإنترنت العالمي.
تمويل من الخارج لا من دولة
بحسب رواية “Sahand” المنقولة عن BBC، فإن تمويل بعض هذه العمليات يأتي من إيرانيين مقيمين في الخارج ومن أشخاص يريدون مساعدة من هم داخل البلاد، وليس من دولة بعينها. هذه النقطة مهمة تحريرياً، لأن السلطات الإيرانية تصف بعض عمليات إدخال المعدات بأنها مرتبطة بخصوم خارجيين، بينما يقدم المشاركون في الشبكات السرية أنفسهم كمتطوعين أو داعمين للحق في الوصول إلى المعلومات.
وتستهدف بعض هذه الشبكات، وفق التقارير، إيصال الأجهزة إلى أشخاص يُعتقد أنهم قادرون على مشاركة المعلومات مع الخارج، خصوصاً في أوقات الاحتجاجات أو الانقطاعات الواسعة. ومع ذلك، لا يمكن التحقق بشكل مستقل من كل مسارات التمويل أو التوزيع بسبب السرية الشديدة والمخاطر الأمنية.
بين الأمن القومي وحق الوصول إلى المعلومات
تقول السلطات الإيرانية إن تشديد الرقابة على الإنترنت يأتي لحماية البلاد من التجسس والهجمات السيبرانية خلال فترة توتر أمني وعسكري. لكن منظمات حقوقية وخبراء في حرية الإنترنت يرون أن الحجب الواسع يحرم ملايين السكان من التواصل والعمل والوصول إلى الأخبار، ويفتح الباب أمام انتهاكات يصعب توثيقها عندما تُقطع البلاد عن العالم.
وهنا تكمن حساسية Starlink: فهي ليست مجرد خدمة إنترنت، بل أداة سياسية وتقنية في آن واحد. فبالنسبة للمستخدمين والناشطين، هي وسيلة للبقاء متصلين. وبالنسبة للسلطات، قد تُعامل كقناة خارجة عن السيطرة الرسمية، خصوصاً إذا استُخدمت لنقل معلومات أو صور لا تريد الدولة خروجها.
هل تستطيع السلطات إيقاف Starlink؟
تقنياً، لا يمكن حجب الإنترنت الفضائي بالطريقة نفسها التي تُحجب بها المواقع أو شبكات الهاتف. لكن يمكن تعقبه أو التشويش عليه محلياً. The Guardian نقلت عن خبراء أن السلطات تستخدم أدوات تشويش ومراقبة، وقد تعتمد على طائرات مسيرة أو مراقبة إشارات للبحث عن المحطات، ما يجعل تشغيلها في بيئات حضرية كثيفة محفوفاً بالمخاطر.
كما أن الجهاز نفسه يحتاج إلى مكان مناسب لاستقبال الإشارة، وغالباً إلى مصدر كهرباء ومستخدمين يعرفون كيفية تشغيله بطريقة تقلل احتمال الانكشاف. لذلك لا تشكل Starlink حلاً شاملاً لملايين السكان، لكنها قد تكون شرياناً محدوداً يسمح بخروج جزء من المعلومات عندما يُغلق الإنترنت الأرضي.
يكشف هذا الملف أن معركة الإنترنت في إيران لم تعد مجرد صراع حول مواقع محجوبة أو تطبيقات ممنوعة، بل أصبحت مواجهة بين دولة تحاول السيطرة على المجال الرقمي وشبكات سرية تستخدم التكنولوجيا الفضائية لكسر العزلة. أجهزة Starlink تمنح بعض الإيرانيين نافذة على العالم، لكنها في الوقت نفسه تعرضهم لمخاطر قانونية وأمنية كبيرة.
الخبر صحيح في جوهره، لكن يجب التعامل معه كتحقيق صحفي مبني على شهادات ومصادر مفتوحة، وليس كبيان رسمي من SpaceX أو Starlink. المؤكد أن إيران تشهد حجباً واسعاً، وأن معدات الإنترنت الفضائي أصبحت جزءاً من أدوات الالتفاف على الرقابة، وأن السلطات تتعامل معها كتهديد أمني يستدعي الاعتقال والملاحقة.