لم تكن الانتخابات الجزئية الجماعية التي جرت يوم 5 ماي 2026 بجهة سوس ماسة مجرد محطة تقنية لملء مقاعد شاغرة داخل بعض المجالس الترابية، بل حملت مؤشرات سياسية مبكرة قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة، خاصة في ظل تنافس واضح بين أحزاب الأغلبية والمعارضة على مواقع النفوذ المحلي.
وتكتسب هذه الجزئيات أهميتها من توقيتها، إذ جاءت في مرحلة بدأت فيها الأحزاب السياسية إعادة ترتيب صفوفها، واختبار جاهزية شبكاتها المحلية، استعدادا لمحطة انتخابية وطنية ستحدد ملامح التوازنات السياسية المقبلة.
انتخابات سوس ماسة بين النتائج المحلية والقراءة السياسية
حسب المعطيات المتوفرة، لم يصدر إلى حدود الآن بلاغ رسمي مجمع يضم كل النتائج التفصيلية الخاصة بجهة سوس ماسة، لذلك ينبغي التعامل مع الأرقام المتداولة باعتبارها مؤشرات أولية صادرة عن مصادر محلية أو حزبية أو إعلامية، في انتظار تأكيدها عبر محاضر النتائج أو المعطيات الرسمية النهائية.
ومع ذلك، تكشف النتائج المنشورة في عدد من الجماعات عن حركية حزبية لافتة. ففي جماعة أورير التابعة لعمالة أكادير إداوتنان، أفرزت الانتخابات الجزئية فوز حمزة السعدي عن حزب التقدم والاشتراكية بدائرة دوار أوبها رقم 24، وحسن كورو عن حزب الاستقلال بدائرة تسالوين رقم 21، والحاج أوناصر عن حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة أضوران.
وفي إقليم اشتوكة آيت باها، أظهرت معطيات محلية تنافسا بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة، خاصة في جماعات مثل آيت ميلك وسيدي بيبي، ما يعكس استمرار التنافس الحزبي على الدوائر القروية ذات الوزن المحلي.
أما في تارودانت، فقد برز حزب الأصالة والمعاصرة في نتائج جزئية متداولة بعدد من الدوائر، مع حديث عن حصيلة مؤقتة بلغت سبعة مقاعد في بعض الجماعات، وهي أرقام تظل في حاجة إلى تأكيد رسمي نهائي قبل اعتمادها كخلاصة قطعية.
الأغلبية تختبر قوتها الميدانية
أولى الرسائل السياسية التي يمكن استخلاصها من هذه الجزئيات أن أحزاب الأغلبية الحكومية ما تزال حاضرة بقوة في عدد من الدوائر المحلية، خاصة التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال.
غير أن قوة الحضور في الانتخابات الجزئية لا تعني بالضرورة حسم المشهد في التشريعيات، لأن طبيعة الاقتراع الجزئي تختلف عن الانتخابات البرلمانية من حيث حجم المشاركة، وطبيعة التعبئة، ودور المرشح المحلي، والعلاقات العائلية والقبلية داخل الدوائر.
ومع ذلك، تبقى هذه النتائج اختبارا مبكرا لقدرة الأحزاب على تحريك قواعدها، وتدبير ترشيحاتها، واحتواء خلافاتها المحلية قبل دخول مرحلة الحملة الانتخابية الكبرى.
الاستقلال والبام ينافسان في العمق المحلي
تكشف بعض نتائج أورير واشتوكة وتارودانت أن حزب الاستقلال لا يزال يحتفظ بقدرة على المنافسة داخل عدد من الجماعات، مستندا إلى شبكات محلية وتجذر انتخابي في بعض المناطق.
في المقابل، يؤكد حضور الأصالة والمعاصرة في أكثر من دائرة أن الحزب ما يزال رقما مؤثرا في الانتخابات المحلية، خاصة عندما يراهن على مرشحين لهم امتداد اجتماعي داخل محيطهم.
أما التجمع الوطني للأحرار، فيدخل هذه المرحلة من موقع الحزب المتصدر حكوميا، وهو ما يمنحه قوة تنظيمية ومؤسساتية، لكنه يضعه أيضا أمام اختبار الحصيلة وتدبير انتظارات الناخبين.
نتائج جزئية لا تكفي للتنبؤ بالتشريعيات
رغم أهميتها، لا يمكن اعتبار نتائج هذه الجزئيات استطلاعا مباشرا لما ستفرزه الانتخابات التشريعية المقبلة. فالاقتراع الجزئي غالبا ما يتأثر بعوامل محلية دقيقة، مثل شخصية المرشح، والخلافات داخل المجلس، وحجم التعبئة في يوم التصويت، وطبيعة التحالفات العائلية أو القبلية.
لكن تجاهل هذه النتائج سيكون خطأ سياسيا أيضا. فهي تمنح مؤشرات حول جاهزية التنظيمات الحزبية، وتكشف من يتحرك مبكرا، ومن يملك القدرة على تعبئة الناخبين في دوائر صغيرة.
بهذا المعنى، يمكن قراءة جزئيات 5 ماي باعتبارها “مؤشر حرارة” داخل المشهد السياسي بسوس ماسة، لا حكما نهائيا على موازين القوى.
لماذا تهم سوس ماسة انتخابيا؟
تعد جهة سوس ماسة من الجهات ذات الوزن الانتخابي المهم، لأنها تجمع بين مركز حضري بارز هو أكادير، وأقاليم قروية واسعة مثل تارودانت واشتوكة آيت باها وتزنيت، حيث تلعب العلاقات المحلية وحصيلة المنتخبين دورا حاسما في توجيه التصويت.
كما أن الجهة تعرف ملفات اجتماعية واقتصادية ضاغطة، من بينها الماء، التشغيل، الصحة، البنية الطرقية، الاستثمار، والسياحة، وهي ملفات ستكون حاضرة بقوة في خطاب الأحزاب خلال المرحلة المقبلة.
لذلك، لن يكون كافيا في سوس ماسة الاعتماد على الخطاب الوطني العام. فالناخب المحلي سيبحث عن أجوبة ملموسة حول حصيلة المجالس، ومشاريع القرب، والقدرة على حل المشاكل اليومية.
معركة مفتوحة قبل التشريعيات
تكشف انتخابات سوس ماسة الجزئية أن المعركة المقبلة لن تكون سهلة لأي طرف. فالأحرار يسعون إلى تأكيد قوتهم التنظيمية وموقعهم داخل المؤسسات، والاستقلال يحاول تعزيز حضوره المحلي، والأصالة والمعاصرة يراهن على مرشحين قادرين على الحسم في دوائر بعينها، بينما تبحث أحزاب أخرى عن فرص اختراق محدودة لكنها مؤثرة.
والأرجح أن الأشهر المقبلة ستشهد ارتفاعا في وتيرة التحركات الحزبية بالجهة، سواء عبر إعادة ترتيب التحالفات، أو اختيار المرشحين، أو تصريف خطاب سياسي محلي أكثر ارتباطا بقضايا السكان.