كشفت أسعار الأضاحي هذا العام بأن العجز عن اقتناء أضحية العيد في المغرب لم يعد مجرد معاناة تقتصر على الفئات الهشة أو الأسر المعوزة؛ بل امتدت شظايا الغلاء الفاحش هذا العام لتجتاح الأمان المالي للطبقة المتوسطة. هذه الفئة، التي شكلت تاريخياً صمام أمان المجتمع والمحرك الأساسي للاقتصاد، وجدت نفسها اليوم مصدومة أمام أسعار خيالية لا تتماشى مطلقاً مع واقع الأجور الحالية.
وتشير الأرقام الصادمة في الأسواق الوطنية إلى أن ثمن خروف متوسط الجودة بات يعادل، بل ويتجاوز في كثير من الأحيان، الحد الأدنى للأجور (SMIG) لمرتين متتاليتين. هذا التفاوت الصارخ بين بورصة الأسواق وسقف الرواتب جعل “حلم العيد” صعب المنال حتى لمن يملكون دخلاً شهرياً مستقراً.
وأمام هذا الانسداد، وجدت العائلات الموظفة نفسها بين خيارين أحلاهما مر؛ إما مقاطعة الشعيرة نهائياً وتحمل “الوصم الاجتماعي” ونظرات المحيط، أو التضحية براتب شهرين كاملين ومواجهة شبح الإفلاس والديون المتراكمة لما بعد العيد، مما يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي يعاني منها المواطن في غياب أي سقف قانوني يحمي جيوب المستهلكين من جشع المضاربين والوسطاء (“الشناقة”).
السياسات الحكومية على المحك: أين تذهب ملايير الدعم؟
إن وصول الغلاء إلى هذا المستوى القياسي يسائل مباشرة النجاعة الاجتماعية للسياسات الحكومية، ويوجه موجة عارمة من الانتقادات اللاذعة من طرف الشارع والهيئات الحقوقية للحكومة بسبب موقفها “المتفرج” وغياب أي قرار رسمي يقضي بتقنين الأسعار.
مفارقة صندوق المقاصة:
يثير الموقف الحكومي علامات استفهام كبرى؛ ففي الوقت الذي تتدخل فيه الدولة بشكل صارم ومستمر عبر صندوق المقاصة لتسقيف أسعار المواد الأساسية (كالبوطاغاز، السكر، والدقيق) حماية للاستقرار الاجتماعي، يُستثنى قطاع الماشية واللحوم من هذا التقنين الصارم، ويُترك الباب مفتوحاً أمام فوضى تسعيرية غير مسبوقة تكتوي بنارها ملايين الأسر.
وتزداد هذه التساؤلات ريبةً وشكاً عند الوقوف على حجم الامتيازات والملايير من أموال دافعي الضرائب التي تضخها الدولة في جيوب كبار المستثمرين والمنعشين في القطاع الفلاحي. فرغم أن هذه المنتجات والماشية استفادت بشكل كامل من إعفاءات ضريبية وجمركية استثنائية، ورغم تلقي المستوردين دعماً مالياً مباشراً وقدره 500 درهم عن كل رأس غنم، إلا أن الأسعار في الأسواق الوطنية واصلت قفزاتها الجنونية دون أي تراجع.
فشل بنيوي وتغول للوبيات
يكشف هذا الواقع الميداني الصادم عن خلل بنيوي خطير وفشل ذريع في تدبير الدعم العمومي، الذي تحول من آلية اجتماعية وُجدت أساساً لحماية القدرة الشرائية للمواطن، إلى هبة مجانية وامتياز مالي صِرف استفاد منه كبار المنتجين وأرباب الضيعات لتعظيم أرباحهم دون أن يكونوا مجبرين على البيع بثمن مقنن.
هذا المشهد يفتح الباب واسعاً أمام الشكوك حول نفوذ هذه اللوبيات وقدرتها على توجيه القرارات الاقتصادية للحكومة على حساب المصلحة العليا للمغاربة، لتتحول المناسبة الدينية والوطنية من محطة للفرح والتلاحم إلى عبء مالي ثقيل يهدد التماسك الاجتماعي ويزيد من منسوب الاحتقان والقلق النفسي داخل البيوت المغربية.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله