خوارزميات التفاهة.. كيف يتحول الضجيج إلى خبر وتتراجع الصحافة المهنية؟

خوارزميات التفاهة.. كيف يتحول الضجيج إلى خبر وتتراجع الصحافة المهنية؟

في الهاتف الذي نحمله طوال اليوم، لا يصل إلينا دائما الأهم، ولا الأصدق، ولا الأكثر فائدة. كثيرا ما يصل إلينا ما أزعج الناس أكثر، وما دفعهم إلى التعليق بغضب، أو المشاركة باندهاش، أو التوقف أمامه خوفا وفضولا.

فيديو لمشادة في الشارع قد يتقدم على تحقيق حول المال العام.
إشاعة مخيفة قد تنتشر قبل بلاغ رسمي.
مؤثر يصرخ في بث مباشر قد يحصد جمهورا أكبر من صحفي أمضى أياما في قراءة الوثائق ومقارنة الأرقام.
وشائعة من سطرين قد تُلزم المجتمع ساعات أو أياما لتصحيحها.

هنا تبدأ قصة ما يمكن تسميته بـ«خوارزميات التفاهة». ليس المقصود أن الهاتف قرر بنفسه إفساد المجتمع، ولا أن كل ما يلقى رواجا تافه أو كاذب. المقصود أن المنصات الرقمية بُنيت على اقتصاد الانتباه: تعرض للمستخدم ما تتوقع أنه سيجعله يبقى أطول، يتفاعل أكثر، يشاهد إلى النهاية، يعلق، يرسل، أو يعود مرة أخرى.

وتوضح منصة «تيك توك» في شرحها لطريقة التوصية بالمحتوى أن تفاعلات المستخدم، مثل ما يشاهده كاملا أو يتجاوزه، وما يعجب به أو يشاركه أو يعلق عليه، تؤثر بقوة في ما سيظهر له لاحقا. كما تشرح «ميتا» أن الإعجاب والتعليق وإعادة المشاركة تشكل إشارات تستخدم في ترتيب منشورات «فيسبوك».

الخوارزمية، إذن، لا تسأل أولا: هل هذا الخبر صحيح؟
بل تسأل: هل سيجذب هذا المستخدم؟ هل سيجعله يتوقف؟ هل سيدفعه إلى التفاعل؟

ومن هنا، قد يتحول الغضب إلى وقود، والخوف إلى سلعة، والفضيحة إلى وصفة ناجحة، والإشاعة إلى منشور ينتشر أسرع من التصحيح.

في المغرب.. مجتمع متصل بقوة ومعلومة تحت الضغط

لا يمكن فهم خطورة الظاهرة في المغرب دون النظر إلى حجم الحضور الرقمي في حياة الناس. فقد كشفت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، في نتائج بحثها حول استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال المنجز خلال يناير وفبراير 2025، أن استعمال شبكات التواصل الاجتماعي يكاد يعم مستخدمي الإنترنت بالمغرب، إذ بلغ 99.3 في المائة سنة 2024. كما أظهرت النتائج أن 13 في المائة من مستعملي هذه الشبكات يقضون أكثر من أربع ساعات يوميا عليها، بعدما كانت النسبة 7 في المائة سنة 2019.

هذه الأرقام لا تقول إن شبكات التواصل شر في ذاتها. فهي فتحت أبواب التواصل، وساعدت الناس على الوصول إلى المعلومات، وسمحت لقضايا محلية بأن تجد من يسمعها. لكنها تعني أن أي خلل في جودة المعلومة لم يعد يبقى هامشيا؛ بل يمكنه أن يصل إلى ملايين الناس في وقت قصير.

ويؤكد تقرير «الأخبار الرقمية 2025» لمعهد رويترز لدراسة الصحافة أن 78 في المائة من المشاركين المغاربة يحصلون على الأخبار عبر الإنترنت، مع دور بارز لشبكات التواصل وتطبيقات الرسائل. ووفق التقرير نفسه، يستعمل المغاربة «يوتيوب» في الوصول إلى الأخبار بنسبة 49 في المائة، و«فيسبوك» بنسبة 47 في المائة، و«واتساب» بنسبة 30 في المائة، و«تيك توك» بنسبة 24 في المائة.

الأكثر دلالة أن 54 في المائة من المشاركين المغاربة قالوا إنهم قلقون من قدرتهم على التمييز بين الخبر الحقيقي والزائف على الإنترنت. كما اعتبر 52 في المائة أن المؤثرين والشخصيات الرقمية يمثلون التهديد الأكبر في هذا المجال، بينما رأى 28 في المائة أن وسائل الإعلام نفسها يمكن أن تكون مصدرا للمشكلة.

هنا لا يتعلق الأمر بنقاش نخبة حول الإعلام. نحن أمام قلق يومي لدى المواطن نفسه: هل ما أراه صحيح؟ هل هذا الفيديو جديد أم قديم؟ هل هذا الشخص ينقل خبرا أم يصنع انفعالا؟ هل هذا الموقع يتحقق أم يلاحق الترند؟

حين يكون الانفعال أسرع من الصحفي

الصحافة المهنية لا تعني لغة خشبية، ولا أخبارا باردة، ولا الابتعاد عن اهتمامات الناس. الصحافة المهنية تعني شيئا بسيطا وعميقا في الوقت نفسه: أن يعرف القارئ من أين جاءت المعلومة، وهل تم التحقق منها، وما الذي لا يزال غير مؤكد، ومن له مصلحة في نشرها.

ويقول ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة في المغرب بوضوح إن الصحفي لا يجوز له أن ينشر إلا المعلومات التي تحقق من صحتها وكانت مدعومة بوسائل الإثبات، وإذا اختار إخبار الجمهور بمعطيات محل شك، فعليه أن يصرح بذلك بوضوح.

لكن الواقع الرقمي يدفع أحيانا في الاتجاه المعاكس. فالخبر المتحقق يحتاج وقتا: اتصالا بمصدر، بحثا في وثيقة، مقابلة، مقارنة روايات، قراءة قانون أو تقرير. أما المنشور المثير فلا يحتاج إلا عنوانا صاخبا، وصورة غير موثقة، وسؤالا يستفز الجمهور: «شاهدوا الفضيحة»، «كارثة خطيرة»، «ما لا يريدونكم أن تعرفوه».

الفرق أن المنشور المثير يكون قد دار آلاف المرات قبل أن يصل الصحفي إلى الحقيقة.

وهنا تفقد الصحافة جزءا من دورها عندما تختار أن تقلد المؤثر بدل أن تنافسه بالجودة. حين يصبح الموقع الإخباري مجرد آلة لإعادة نشر ما راج في «فيسبوك» و«تيك توك»، دون تحقق أو إضافة أو سياق، لا يعود صحافة؛ يصبح مجرد محطة أخرى في سلسلة الانتشار.

المشكلة ليست في استعمال الصحفي للمنصات. الصحافة تحتاج إلى المنصات لتصل إلى جمهورها. المشكلة أن تستعير قواعدها الأسوأ: الإثارة دون دليل، العنوان المضلل، نشر مقطع مبتور، استخدام صور الناس في لحظات الألم، وتحويل الحوادث الإنسانية إلى مادة للاستهلاك السريع.

زلزال الحوز.. عندما كاد الذعر أن يصير خبرا

يقدم زلزال الحوز مثالا مغربيا واضحا على خطورة الفراغ بين سرعة المنصات وضرورة المعلومة المهنية. فبعد زلزال 8 شتنبر 2023، انتشرت عبر شبكات التواصل أخبار ومضامين مثيرة للخوف: توقعات تهويلية بحدوث تسونامي، أخبار كاذبة عن تشقق سدود في منطقة الحوز، تنبؤات جوية زائفة، ومعلومات غير مؤكدة عن إقصاء مناطق من جهود الإغاثة.

هذه ليست تفاصيل صغيرة. في لحظة كارثة، قد يدفع خبر زائف الناس إلى الهلع، أو إلى اتخاذ قرارات خاطئة، أو إلى فقدان الثقة في جهود الإنقاذ، أو إلى تشتيت المساعدات.

وقد سجلت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، في بلاغ رسمي عقب الزلزال، «ارتفاعا هائلا» في منسوب تداول الأخبار الزائفة والتضليلية، معتبرة أن حضور المراسلين في الميدان واعتماد المصادر الطبية والأمنية والعلمية والرسمية ساعد في تقليص أثر تلك الأخبار. كما اعتبرت الهيئة أن الرد الحقيقي على التضليل لا يكون بالاستهجان فقط، بل بإنتاج مضمون إعلامي بديل وموثوق وقريب من الناس.

في تلك اللحظة، ظهر الفرق بين صحافة تمشي إلى المكان وتسأل المختص وتتحقق من السدود والطقس والإنقاذ، وبين منشور يستثمر في خوف الناس ليحقق مشاركة أكبر.

ولولا المعلومة المهنية، لربما صدق كثيرون أن موجة بحرية قادمة، أو أن سدا سينهار، أو أن منطقة تُترك عمدا بلا نجدة.

حين تتأخر المؤسسة.. تملأ الخوارزمية الفراغ

لكن تحميل المنصات والمؤثرين المسؤولية وحدهم سيكون تبسيطا مريحا. فالأخبار غير الموثوقة تنتعش أيضا عندما تتأخر المؤسسات في تقديم المعلومة، أو تقدمها بلغة غامضة، أو تترك الناس ينتظرون بينما الأسئلة تتكاثر.

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وضع يده على هذا الخلل في رأيه حول الأخبار الزائفة. فقد اعتبر أن من أسباب انتشارها في المغرب عدم نشر بعض الإدارات للبيانات الرسمية بطريقة منتظمة ومحينة، رغم مقتضيات قانون الحق في الحصول على المعلومات، إلى جانب محدودية الموارد المتاحة للإعلام العمومي، ونقص منصات فعالة للتحقق من المعلومات.

وفي الاستشارة المواطنة التي نظمها المجلس، قال 93 في المائة من المشاركين إنهم يتلقون معلومات أو أخبارا تبدو غير موثوقة. والأكثر خطورة أن 51 في المائة أقروا بأنهم سبق لهم تقاسم أخبار أو معلومات يشكون في صحتها، وغالبية هؤلاء فعلوا ذلك دون وعي كامل. كما رأى أكثر من 70 في المائة أن الوصول إلى معلومة رسمية وموثوقة إما صعب، أو أن المعطيات المتاحة ناقصة وغير محينة.

هذه الأرقام تقول شيئا مهما: المواطن ليس دائما صانع الإشاعة؛ قد يكون ضحيتها ثم يتحول، دون قصد، إلى ناقل لها، لأن المعلومة الصحيحة لم تصل إليه بالسرعة والوضوح اللازمين.

عندما تتأخر مؤسسة في إصدار بلاغ يهم آلاف الأسر، تسبقها تسجيلات صوتية ومراسلات غير مؤكدة.
وعندما لا تُنشر أرقام الدعم والمستفيدين بتفصيل مفهوم، تتحول الشبهة إلى روايات متضاربة.
وعندما يغيب الصحفي عن الميدان، يصبح أول هاتف يصور واقعة هو المصدر الوحيد مهما كان ناقصا أو منحازا أو مضللا.

الفراغ لا يبقى فارغا طويلا. تملؤه الخوارزمية بما هو متاح، لا بما هو أدق.

المثال المغربي الثالث: حين يصبح المؤثر مرجعا إخباريا

ليس كل مؤثر صانع تضليل، وليس كل صحفي ضامنا للجودة. هناك صناع محتوى يقدمون عملا مفيدا، ويكشفون مشاكل حقيقية، ويقربون قضايا محلية من الجمهور. كما أن هناك منابر إخبارية تنزلق إلى الإثارة أو النقل الكسول.

لكن الخطر يبدأ حين يتحول عدد المتابعين إلى بديل عن المصداقية. فالمؤثر قد يتحدث في الطب، والقانون، والجريمة، والأسعار، والسياسة، والحوادث، دون أن يكون ملزما، في الممارسة اليومية، بالمساطر نفسها التي يفترض أن تلزم الصحفي: التحقق، حق الرد، حماية الحياة الخاصة، قرينة البراءة، وتصحيح الخطأ.

وهذه ليست خشية نظرية فقط. فاليونسكو كشفت، في دراسة عالمية شملت 500 صانع محتوى من 45 بلدا، أن 62 في المائة منهم لا يقومون بالتحقق المنهجي والدقيق من المعلومات قبل مشاركتها، وأن 42 في المائة يستعملون مؤشرات مثل عدد الإعجابات والمشاهدات للحكم على مصداقية المحتوى. كما عبر 73 في المائة عن رغبتهم في التكوين في التربية الإعلامية والمعلوماتية.

في المغرب، يكتسب هذا التحذير ثقلا إضافيا، لأن تقرير رويترز المشار إليه وضع المؤثرين والشخصيات الرقمية في صدارة الجهات التي يخشى المشاركون المغاربة أن تنشر معلومات مضللة.

المؤثر قد يفتح نقاشا يحتاجه المجتمع. لكنه لا يصبح صحفيا فقط لأنه تحدث أمام كاميرا، ولا تصبح روايته خبرا مؤكدا فقط لأنها حققت مليون مشاهدة.

رقم من تيك توك.. ماذا يقول وماذا لا يقول؟

في الربع الأول من سنة 2025، حذفت منصة «تيك توك» أكثر من 1.04 مليون فيديو في المغرب بسبب مخالفتها لإرشادات المجتمع، كما منعت أكثر من 44 ألف مضيف للبث المباشر، وأوقفت ما يزيد عن 77 ألف بث مباشر في الفترة نفسها، وفق تقرير تطبيق قواعد المنصة.

هذا الرقم صادم من حيث الحجم، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة: لا يعني أن كل تلك الفيديوهات كانت أخبارا زائفة، ولا يعني أن كل محتوى رقمي مغربي رديء. المخالفات قد تتعلق بأنواع مختلفة من المحتوى والسلوك.

لكن الرقم يكشف حجم السوق الرقمي وحجم ما يجري داخله بعيدا عن قواعد التحرير الصحفي. كما يوضح أن المنصة نفسها تضطر إلى إزالة كم هائل من المحتوى بعد نشره أو أثناء بثه، في وقت قد يكون بعضه قد جذب الانتباه وأثر في المستخدمين بالفعل.

وهذا يعيدنا إلى المشكلة الأصلية: في زمن البث السريع، قد تصل الأضرار قبل التصحيح، وقد يبقى أثر الادعاء في الذاكرة حتى بعد حذف الفيديو.

الصحافة المهنية ليست عدوا للشعبية

هناك خطأ ترتكبه بعض غرف الأخبار حين تعتقد أن مواجهة المحتوى السطحي تعني كتابة مواد ثقيلة لا يقرأها الناس. المواطن لا يهرب من الجودة؛ يهرب من الملل ومن الخطاب البعيد عن حياته.

يمكن للصحافة المهنية أن تكون جذابة، سريعة، قريبة، وأن تستعمل الفيديو والصورة والعنوان القوي، دون أن تتخلى عن الحقيقة. يمكن أن تشرح للمواطن كيف صُرف دعم عمومي، وكيف تحرك سعر سلعة، ومن يتحمل مسؤولية طريق محفرة، ولماذا تأخر مشروع، وما الذي تقوله الوثيقة الرسمية لا ما يقوله الغضب فقط.

الصحافة التي نحتاجها في المغرب ليست صحافة الوعظ من فوق، وليست صحافة السباق خلف كل ضجة. هي صحافة تذهب إلى السوق حين يتحدث الناس عن الغلاء، وتسأل الإدارة حين يقع ارتباك، وتقرأ الميزانية حين يختلف السياسيون حول الأرقام، وتحمي صورة الطفل والضحية، وتكتب بوضوح: هذا مؤكد، وهذا متداول، وهذا لم نتمكن من إثباته.

ليس عيبا أن يصل الصحفي متأخرا بدقائق عن المؤثر إذا وصل بالحقيقة. العيب أن يصل بعده بالرواية نفسها دون أن يضيف كلمة واحدة من التحقيق.

من يتحمل المسؤولية؟

المسؤولية موزعة، ولا يجوز تعليقها في رقبة طرف واحد.

المنصات الرقمية مطالبة بمزيد من الشفافية بشأن طريقة ترتيب المحتوى، وبإجراءات أسرع ضد التضليل والمحتوى المؤذي، خصوصا في الأزمات والانتخابات والكوارث.

المؤسسات العمومية مطالبة بنشر المعطيات في وقتها وبصيغة مفهومة، لأن البلاغ المتأخر لا يهزم إشاعة سبقته بساعات ووصلت إلى آلاف الهواتف.

وسائل الإعلام مطالبة باستعادة مهنتها: مراسل في الميدان، وثيقة، مصدران عند الحاجة، حق الرد، وتصحيح معلن عندما يقع الخطأ.

المؤثرون وصناع المحتوى مطالبون بالتمييز بين الرأي والخبر، وبين التجربة الشخصية والمعطى القابل للتعميم، وبين كشف قضية وتوجيه اتهام دون دليل.

المواطن نفسه ليس خارج المعادلة. فكل مشاركة لمنشور غير متأكد منه هي دفعة جديدة للخوارزمية كي تعرضه لناس أكثر. وأحيانا يكون الامتناع عن المشاركة موقفا أخلاقيا أهم من التعليق.

كيف يحمي القارئ نفسه من خوارزمية تستعجل انفعاله؟

لا يحتاج المواطن إلى أن يصبح خبيرا تقنيا حتى يحمي نفسه. يكفي أن يتوقف لحظات قبل المشاركة:

من نشر هذا المحتوى؟
هل ذكر مصدرا يمكن الوصول إليه؟
هل الفيديو من اليوم فعلا أم أعيد استعماله؟
هل العنوان يطابق التفاصيل؟
هل توجد مؤسسة رسمية أو وسيلة إعلام مهنية أكدت الخبر؟
هل يحاول المحتوى أن يعلمني، أم فقط أن يجعلني أغضب وأشاركه؟

وعندما يتعلق الأمر بحادثة أو وفاة أو اتهام أو مرض أو قرار رسمي أو كارثة، يصبح التحقق واجبا أخلاقيا قبل أن يكون حذرا شخصيا. فالمشاركة الخاطئة قد تؤذي أسرة، أو تشوه إنسانا، أو تنشر هلعا، أو تضيع ثقة الناس في المعلومة الصحيحة.

ما الذي يحتاجه المغرب الآن؟

المغرب لا يحتاج إلى حرب على مواقع التواصل؛ فهي أصبحت جزءا من حياة المواطنين ومن حقهم في التعبير. ولا يحتاج إلى وضع كل المؤثرين في خانة واحدة، فبعضهم يقدم قيمة حقيقية. كما لا يحتاج إلى حماية الصحافة الرديئة لمجرد أنها تحمل اسما مهنيا.

ما يحتاجه هو بيئة تجعل الحقيقة أسرع وأسهل وصولا:

بوابة رسمية قوية للتحقق من المعطيات العمومية، كما أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
نشر سريع ومنتظم للوثائق والقرارات والأرقام الرسمية.
دعم مؤسسات التحقق المستقلة والمهنية.
تربية إعلامية في المدارس وفي الحملات العمومية.
تكوين صناع المحتوى في التحقق والمسؤولية القانونية والأخلاقية.
وتشجيع الصحافة التي تنتج المعرفة، لا تلك التي تعيد تغليف الضجيج.

لقد علمتنا تجربة زلزال الحوز أن الصحافة المهنية يمكن أن تصبح حاجزا أمام الهلع والتضليل عندما تقوم بدورها. وتعلمنا أرقام استعمال المنصات أن المشكلة لن تختفي؛ بل ستزداد تعقيدا كلما انتقل مزيد من الناس إلى الهاتف طلبا للخبر.

في النهاية، لا تنتصر التفاهة لأنها أذكى من الحقيقة. تنتصر حين تكون أسرع منها، وأعلى صوتا منها، وأكثر ربحا لمن ينشرها، وحين تتأخر الصحافة والمؤسسة عن ملء المساحة بمعلومة محترمة.

الخوارزمية قد تقترح ما يثيرنا.
لكن المجتمع هو الذي يقرر ما يكافئه بالمشاركة.
والصحافة هي التي يفترض أن تذكّر الناس، كل يوم، بأن الخبر ليس ما يصرخ أكثر، بل ما يثبت أكثر.

ما الذي يجب أن تعرفه؟

خوارزميات المنصات لا تبحث تلقائيا عن الحقيقة، بل ترتب المحتوى اعتمادا على مؤشرات التفاعل والمشاهدة. لذلك يصبح دور الصحافة المهنية والمؤسسات السريعة في نشر المعلومة حاسما لحماية المواطن من التضليل.

  • 99.3% من مستخدمي الإنترنت المغاربة يستعملون شبكات التواصل، وفق بحث الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات حول سنة 2024.
  • 54% من المشاركين المغاربة في تقرير رويترز 2025 قلقون من صعوبة التمييز بين الخبر الحقيقي والزائف على الإنترنت.
  • زلزال الحوز كشف كيف تنتشر أخبار عن تسونامي وتشقق سدود قبل أن تفككها المعلومة المهنية والموثوقة.
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله