وأنا أقف اليوم في غمرة هذه الاحتفالات بالذكرى السبعين لتأسيس الأمن الوطني، عادت بي الذاكرة رغماً عني إلى آواخر ستينيات القرن الماضي وتحديداً إلى “زنقة المدارس” بمدينة إنزكان، حيث كنت طفلاً يقطن بجوار مخفر الشرطة
في تلك الحقبة لم تكن كلمة “البوليس” تحمل في آذاننا نحن أبناء ذلك الجيل سوى مرادفات الخوف والاعتقال والضرب المبرح
كان هذا الجهاز في مخيلتنا الجماعية يجسد النموذج الصارخ للشطط في استعمال السلطة، واليد الثقيلة التي تبطش ولا تناقش
كان زيه الرسمي بظلاله وخطواته يبعث على التوجس الدائم والحذر الشديد بل يشكل شبحاً يلاحق أحلامنا الصغيرة وهو شعورٌ مرير ظل يسكنني ولم يفارقني بل رافقني بحذره وقلقه حتى مرحلة نضجي وانخراطي في العمل السياسي والجمعوي، حيث كان التوجس من ذلك الزي جزءاً من أدبيات المرحلة
هذا الصباح وأنا أتابع تفاصيل فعاليات الإحتفال بالذكرى من خلف الشاشة استوقفني مشهد يحمل من الدلالات الرمزية ما يوازي مجلدات من ” تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة”
أن يرتقي شرطي بزيه الرسمي المنبر لا ليملي صك اتهام أو يتلو بياناً وعيدياً صارماً.. بل ليرتل آيات الذكر الحكيم بصوت خاشع ومؤثر
هي لقطة – على بساطتها الظاهرة – تختزل تحولاً فكرياً ومؤسساتياً لا يمكن للعين المنصفة أن تخطئه. هي لقطة ألغت بضربة واحدة، وفي لحظة صدق تاريخية صور الرعب والانطباع القاسي الذي تشكل في وعي جيلي وما بعده بجوار مخفر إنزكان
هذا العبور الرمزي من “الترهيب” إلى “الترتيل” ليس مجرد صدفة مشهدية أو إخراج مسرحي ذكي بل هو التجسيد الحي لرحلة مخاض طويلة وأليمة قطعتها الإدارة العامة للأمن الوطني صوب مفهوم “أنسنة المرفق العمومي
لقد انتقل الجهاز، تحت ضغط التحولات السوسيولوجية والدولية من عقيدة “الضبط والزجر كغاية قصوى للسلطة” إلى عقيدة شرطة القرب والمواطنة التي تعتبر كرامة الفرد وحريته ركيزتين أساسيتين لنجاعة العمل الأمني ومصداقيته
فهذا المشهد لم يكن مجرد صدفة بروتوكولي بل هو تجسيد حي لرحلة طويلة ومضنية من التطور والأنسنة التي قطعها هذا المرفق العمومي
وتجلت بالخصوص في تحولات بنيوية وفكرية عميقة أصبحت معها ثقافة القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان مادة رئيسية في معاهد تكوين الشرطة ليتعلم رجل الأمن أن واجبه الأول هو حماية القانون في إطار القانون دون شطط أو تعسف.. وليد ك حامل السلاح أن قوة القانون تعلو دائماً على قانون القوة
فالحفاظ على النظام العام لا يمر حتماً عبر سحق كرامة المواطن
من نتائج ذلك أن تلك الأسوار العالية من الصمت التي كانت تحيط بالمخافر قديماً قد تحطّمت واستُبدلت لغة التخويف بسياسة تواصلية حديثة ورقمنة شاملة وأبواب مفتوحة جعلت من المؤسسة الأمنية بيتاً زجاجياً يرى المواطن بداخله ويشعر بالترحيب والإنصات حين يلجه.
كما أن حضور المرأة الشرطية اليوم في مختلف مناحي التدخل، بلمستها الإنسانية والمهنية العالية، أسهم بشكل كبير في تلطيف الصورة الذهنية للجهاز وتعميق بعده الإنساني
وحين أعود من غياهب مخيلتي وأتأمل واقعنا اليوم أدرك بعمق أن بلدنا قد تصالح بالفعل مع نفسه من خلال هذا الزي بالذات
هذا الزي الذي لم يعد يرمز للمسافة والوجل بل أصبح بالنسبة للأجيال الحالية يمثل السند الحقيقي والدرع الحامي الذي يوفر الحق في الأمن والأمان والكرامة
لقد تحول رجال ونساء الشرطة في نظرتنا اليوم إلى العيون المفتوحة حين ننام
هم ذلك السهر الدائم والتضحية الصامتة في عتمة الليل وقر البرد وهجير الصيف لكي يغمض الوطن جفونه في طمأنينة
لم نعد نخشى دورية الشرطة إذا مرت ليلا…
بل أصبحنا نتنفس الصعداء لرؤيتها
ونعلم أن وراء ذلك الزي الأزرق إنسان يذود عن سلامتنا ويحرص أحلام أطفالنا لكي لا يتسلل إليها الخوف الذي عشنا فيه يوماً
بقلم يوسف غريب كاتب صحفي