عاد أنبوب الغاز الأطلسي إلى صدارة النقاش الطاقي والدبلوماسي في إفريقيا، بعد اتصال هاتفي جمع ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، بوزيرة الخارجية النيجيرية، بيانكا أودوميغوو-أوجوكوو، تناول تعزيز العلاقات الثنائية بين المغرب ونيجيريا، مع التركيز على المشاريع الاستراتيجية المشتركة بين البلدين.
وحسب ما أوردته “Voice of Nigeria”، نقلا عن بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية النيجيرية، كيميبي إبينفا، فقد شكل خط أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، المعروف أيضا باسم أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، أحد أبرز محاور المحادثات بين بوريطة ونظيرته النيجيرية، بالنظر إلى أهميته في تعزيز أمن الطاقة والاندماج الاقتصادي الإقليمي على طول الساحل الأطلسي لغرب إفريقيا.
اتصال دبلوماسي بطابع استراتيجي
لم يكن الاتصال بين الرباط وأبوجا مجرد تبادل بروتوكولي، بل حمل دلالات سياسية واقتصادية واضحة، خاصة أنه جاء في مرحلة يتحرك فيها المشروع نحو محطة جديدة تتعلق بالإطار الحكومي والمؤسساتي.
وأكد المصدر النيجيري أن الوزيرين شددا على متانة علاقات الصداقة بين المغرب ونيجيريا، وعبّرا عن التزام البلدين بتعميق التعاون في قطاعات استراتيجية. كما أشارا إلى أن مشروع الأنبوب يقوم على شراكة بين الشركة الوطنية النيجيرية للبترول “NNPC Ltd” والمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن “ONHYM”.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن المشروع لا يهم المغرب ونيجيريا فقط، بل يشمل رؤية أوسع لربط دول غرب إفريقيا ببنية تحتية طاقية كبرى تمتد بمحاذاة الواجهة الأطلسية.
اتفاق حكومي مرتقب في أواخر 2026
أبرز معطى جديد حمله الاتصال، وفق التقرير النيجيري، هو أن اتفاقا حكوميا دوليا يرتقب توقيعه في الربع الأخير من سنة 2026 من طرف الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو والملك محمد السادس، وذلك بعد استكمال الدراسات التقنية الأولية من طرف الجهات المختصة.
وأكد موقع “Yabiladi” المعطى نفسه، موضحا أن الإعلان جاء عقب الاتصال الهاتفي بين وزيرة الخارجية النيجيرية ونظيرها المغربي، وأن الاتفاق المنتظر يندرج في سياق الانتقال بالمشروع من مرحلة الدراسات والتحضير إلى مرحلة أكثر تقدما على المستوى المؤسساتي والسياسي.
غير أن هذا لا يعني أن الأنبوب دخل مرحلة التشغيل أو أن البناء الشامل انطلق فعليا. فالمعطيات المتاحة تؤكد أن المشروع يتقدم على مستوى الدراسات والإطار الحكومي، بينما تبقى ملفات التمويل، والشركة المكلفة بالمشروع، والقرار الاستثماري النهائي، عناصر حاسمة قبل الانتقال إلى التنفيذ الواسع.
مشروع يتجاوز الربط بين بلدين
يمثل أنبوب الغاز الأطلسي واحدا من أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية. ويمتد المشروع، حسب معطيات نشرتها “Reuters”، على حوالي 6900 كيلومتر، بطاقة قصوى قد تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا، وبكلفة تقديرية تقارب 25 مليار دولار.
ولا يقتصر الرهان على نقل الغاز النيجيري نحو المغرب أو أوروبا، بل يتجاوز ذلك إلى إحداث ممر طاقي إفريقي يربط عددا من دول غرب إفريقيا، ويدعم الولوج إلى الطاقة، ويخلق فرصا للتصنيع والاستثمار، ويعزز التكامل الاقتصادي الإقليمي.
وتؤكد التقارير المتخصصة أن المشروع يمكن أن يربط احتياطات الغاز في نيجيريا وموريتانيا والسنغال ودول أخرى، مع إمكانية توصيله بالبنية التحتية القائمة بين المغرب وإسبانيا، بما يجعل المملكة منصة عبور طاقي بين إفريقيا وأوروبا.
أمن الطاقة والاندماج الاقتصادي
ركز اتصال بوريطة وأودوميغوو-أوجوكوو على أهمية المشروع في تعزيز أمن الطاقة والاندماج الاقتصادي. وهذه العبارة ليست تفصيلا دبلوماسيا، لأنها تلخص جوهر المشروع: توفير بنية طاقية مشتركة تسمح للدول الإفريقية بالاستفادة من الغاز، بدل الاقتصار على تصديره الخام خارج القارة.
فبالنسبة لدول غرب إفريقيا، يمكن للأنبوب أن يساهم في دعم إنتاج الكهرباء، وتشجيع الاستثمارات الصناعية، وتقوية الربط بين الموانئ والمناطق الاقتصادية. أما بالنسبة للمغرب، فيعزز المشروع موقعه كفاعل محوري في الربط بين إفريقيا وأوروبا، ويدعم توجهه نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على مصادر تقليدية أكثر كلفة وتقلبا.
تعاون يتوسع إلى الأسمدة والأمن الغذائي
لم يقتصر الاتصال المغربي النيجيري على ملف الغاز، بل شمل أيضا التعاون في مجال إنتاج وتوزيع الأسمدة، باعتباره قطاعا حيويا للأمن الغذائي في إفريقيا. وذكرت “Voice of Nigeria” أن الجانبين ناقشا فرص التعاون في هذا المجال، إلى جانب بحث آليات تنشيط اللجنة المشتركة المغربية النيجيرية ومجلس الأعمال المغربي النيجيري.
هذا الربط بين الطاقة والأسمدة والأمن الغذائي يعكس طبيعة الشراكة المغربية النيجيرية، التي لا تنحصر في مشروع واحد، بل تمتد إلى قطاعات استراتيجية مرتبطة بالتنمية الإفريقية، خصوصا في ظل تحديات الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد.
لماذا يهم توقيت الاتصال؟
يأتي هذا الاتصال في لحظة حساسة بالنسبة للمشروع، بعدما تحدثت تقارير حديثة عن تقدم الدراسات التقنية، وعن العمل على الإطار المؤسساتي الضروري قبل اتخاذ القرار الاستثماري النهائي. ووفق “Morocco World News”، فإن المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن عرض خلال لقاءات في واشنطن تقدم المشروع، بما في ذلك استكمال دراسات الجدوى والهندسة الأمامية، واعتماد بنود الاتفاق الحكومي الدولي المنتظر.
كما أشار المصدر نفسه إلى أن أولى إمدادات الغاز من المراحل الأولية تستهدف أفق 2031، وهو معطى مهم لتفادي تقديم المشروع وكأنه قريب من التشغيل الفوري.
مشروع كبير وتحديات أكبر
رغم التقدم الدبلوماسي والتقني، يواجه أنبوب الغاز الأطلسي تحديات كبيرة. أولها التمويل، لأن كلفة المشروع الضخمة تتطلب تعبئة مؤسسات مالية دولية وشركاء استراتيجيين. وثانيها التنسيق القانوني والسياسي بين الدول المعنية بالمسار. وثالثها الأمن، لأن البنية التحتية الممتدة على آلاف الكيلومترات تحتاج إلى ترتيبات دقيقة للحماية والصيانة والتشغيل.
لذلك، تبقى الصياغة الأدق أن المشروع يتقدم نحو مرحلة اتفاق حكومي ومؤسساتي حاسمة، وليس أنه دخل بعد مرحلة الإنجاز النهائي أو التشغيل.
أعاد الاتصال الهاتفي بين ناصر بوريطة وبيانكا أودوميغوو-أوجوكوو مشروع أنبوب الغاز الأطلسي إلى الواجهة، باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية المشتركة بين المغرب ونيجيريا. وأكدت المعطيات المتوفرة أن الرباط وأبوجا تراهنان على هذا الأنبوب لتعزيز أمن الطاقة، ودعم الاندماج الاقتصادي الإفريقي، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين إفريقيا وأوروبا.
وإذا كان الاتفاق الحكومي المرتقب في الربع الأخير من 2026 يمثل محطة مهمة في مسار المشروع، فإن نجاحه النهائي سيظل رهينا بتأمين التمويل، وتثبيت الإطار المؤسساتي، وضمان التنسيق بين الدول المعنية. ومع ذلك، يبدو واضحا أن أنبوب الغاز الأطلسي لم يعد مجرد فكرة طاقية طموحة، بل تحول إلى ملف دبلوماسي واقتصادي يربط مستقبل الطاقة بالتنمية في غرب إفريقيا.