كُتّاب وآراء

كُتّاب وآراء

  • أحمد عصيد وبوجلود.. سؤال التناقض بين “البدوي المتخلف” و“التراث العريق”

    أحمد عصيد وبوجلود.. سؤال التناقض بين “البدوي المتخلف” و“التراث العريق”

    في النقاش الثقافي لا تكفي قوة العبارة. المهم هو ثبات المعيار. لأن أخطر ما يصيب الخطاب ليس أن يكون حادا، بل أن يصبح انتقائيا: يرفض الشيء حين لا يعجبه سياقه، ثم يدافع عن شبيهه حين يخدم زاوية أخرى من التفكير.

    وهنا يطرح اسم أحمد عصيد نفسه داخل نقاش بوجلود وعيد الأضحى، لا بوصفه شخصا فقط، بل بوصفه نموذجا لخطاب واسع في المغرب: خطاب ينتقد بعض مظاهر العيد داخل المدن باعتبارها “سلوكات بدوية” أو “مظاهر تخلف”، لكنه في المقابل يدافع عن بيلماون/بوجلود باعتباره موروثا ثقافيا أمازيغيا يستحق الحماية.

    قد يبدو الأمر في البداية عاديا: يمكن للمرء أن ينتقد الفوضى والروائح واحتلال الفضاء العام يوم العيد، وفي الوقت نفسه يدافع عن طقس شعبي منظم له رمزيته. هذا ممكن نظريا. بل قد يكون مقبولا إذا كان المعيار واضحا: النظافة، التنظيم، احترام الفضاء العام، وحماية كرامة الناس.

    لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللغة نفسها إلى سكين يقطع في اتجاه واحد. حين يصبح مشهد الأضاحي والجلود والذبح داخل المدن “بدوية متخلفة”، ثم يصبح بوجلود، بما فيه من جلود وأقنعة وتجوال في الشوارع وضجيج وفرجة، “تراثا ضاربا في العمق”، فإن السؤال يصبح مشروعا: ما هو المعيار الحقيقي؟ هل نرفض الجلد لأنه يزعج المدينة، أم نقبله حين نضعه في إطار هوياتي؟ هل المشكلة في المظهر نفسه، أم في من يملكه ومن يفسره؟

    بوجلود، في جوهره، لا ينفصل عن عيد الأضحى. يخرج من جلد الأضحية، ومن أجواء العيد، ومن الشارع، ومن الفرجة الشعبية. إنه ابن اللحظة نفسها التي ينتقدها البعض حين تتخذ شكل الذبح والسلخ ومخلفات العيد داخل المدينة. فإذا كان الجلد في سياق الأضحية علامة تخلف، فكيف يصبح الجلد نفسه في سياق بيلماون علامة أصالة؟ وإذا كان حضور الحيوان والدم والروائح والشارع يزعج صورة المدينة الحديثة، فلماذا لا يزعجها القناع والجلد والصخب والجري بين الأزقة؟

    هذا لا يعني أن بوجلود يجب أن يُرفض. بالعكس، بوجلود موروث شعبي له مكانته في الذاكرة المحلية، وخاصة في مناطق سوس. ولا يعني أيضا أن كل مظاهر العيد داخل المدن يجب أن تبقى كما هي دون تنظيم. المطلوب أعمق من ذلك: المطلوب أن نستعمل المعيار نفسه على الجميع.

    إذا كان المعيار هو النظافة، فلنطبقه على العيد وبوجلود معا.
    إذا كان المعيار هو احترام الفضاء العام، فلنطبقه على الذبح والفرجة معا.
    إذا كان المعيار هو صون التراث، فلنحترم شعيرة العيد وما تولد عنها من عادات، كما نحترم بيلماون وبوجلود.
    أما إذا كان المعيار هو الهوية، فليكن واضحا: لا يجوز أن يصبح ما يرتبط بالدين تخلفا، وما يرتبط بالهوية الثقافية تراثا، فقط لأن القراءة الإيديولوجية تغير الاسم لا الواقع.

    هنا تكمن المفارقة. فالمجتمع لا يفهم لماذا يُطلب منه أن يخجل من بعض مظاهر العيد لأنها “بدوية”، ثم يُطلب منه أن يفتخر بطقس آخر يخرج من البيئة الشعبية نفسها، ويستعمل الجلد نفسه، ويتحرك في الفضاء نفسه، ويحمل بدوره أشكالا من الفوضى والضجيج والاحتكاك بالشارع.

    الناس البسطاء لا يفكرون بهذه التصنيفات المعقدة. بالنسبة إليهم، العيد كل واحد: أضحية، أسرة، جيران، فرح، لحم، جلد، أطفال، روائح، تنظيف، وتقاليد تختلف من منطقة إلى أخرى. وبوجلود جزء من هذا العالم الشعبي، لا كائن هبط من كتاب في الأنثروبولوجيا.

    لذلك، عندما يسمع المواطن أن مظاهر العيد داخل المدينة “غير مدنية”، ثم يسمع أن بوجلود “تراث عريق”، قد لا يدخل في تفاصيل الفلسفة والأنثروبولوجيا، لكنه يشعر بشيء بسيط: هناك انتقاء. هناك قسوة في الحكم على عادة، وحنان زائد في الحكم على عادة أخرى. هناك لغة صارمة هنا، ولغة احتفالية هناك.

    والإنصاف يقتضي أن نقول إن نقد الفوضى مشروع. لا أحد عاقل يدافع عن تلويث الأزقة، أو ترك مخلفات الذبح، أو إيذاء الجيران، أو تحويل العمارات والشوارع إلى فضاءات بلا حد أدنى من النظافة. المدينة تحتاج إلى قواعد. والعيش المشترك يحتاج إلى احترام. لكن وصف هذه المظاهر كلها بالتخلف، دون فصل بين الشعيرة وسوء التدبير، يسقط في تبسيط جارح.

    الأضحية ليست تخلفا. الفوضى هي المشكلة.
    الجلد ليس تخلفا. سوء استعماله هو المشكلة.
    الشارع ليس عدوا للفرح. غياب التنظيم هو المشكلة.
    والتراث ليس مقدسا فوق النقد. التشويه الذي يفرغه من روحه هو المشكلة.

    بهذا المعيار فقط يمكن أن نكون منصفين. أما أن نرفع صوتنا ضد “البدوي” حين يتعلق الأمر بسلوك ديني شعبي، ثم نلين الكلام ونستدعي “العمق الثقافي” حين يتعلق الأمر بطقس هوياتي، فهذا يفتح الباب أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل نحن أمام تحليل ثقافي، أم أمام انتقاء إيديولوجي؟

    ولعل بوجلود نفسه اليوم يحتاج إلى هذا النقاش بصدق. فالدفاع عنه لا يعني القبول بكل ما يقع باسمه. هناك مظاهر دخيلة بدأت تزاحم روحه: أقنعة غريبة، رموز قاتمة، لباس صادم، تصرفات لا تحترم الأسر ولا الأطفال ولا المارة. فإذا كنا نريد حماية بوجلود، فعلينا أن نحميه من التشويه كما نطالب بتنظيم مظاهر العيد داخل المدن.

    وهنا يصبح سؤال عصيد، أو أي مثقف يحمل خطابا مشابها، سؤالا عاما لا شخصيا: هل نملك الشجاعة لنطبق النقد على التراث الذي نحبه كما نطبقه على العادات التي لا تعجبنا؟ هل نقبل أن نقول إن بوجلود جميل حين يحفظ ذاكرته، ومرفوض حين يتحول إلى فوضى؟ هل نقبل أن نقول إن عيد الأضحى شعيرة محترمة، لكن بعض ممارساته الحضرية تحتاج إلى تنظيم؟ أم نفضل لغة سهلة تقسم العالم إلى تخلف هنا وتراث هناك؟

    القضية ليست مع أحمد عصيد وحده. القضية مع طريقة تفكير أصبحت حاضرة في النقاش العام: ننتقي من التراث ما يخدم موقفنا، ونقسو على ما يخالف ذوقنا. نسمّي الشيء “موروثا” عندما نحتاجه في معركة الهوية، ونسمّيه “تخلفا” عندما يزعج صورة الحداثة التي نريدها.

    لكن التراث لا يقبل هذا اللعب بسهولة. التراث كله خرج من المجتمع، من القرية والمدينة، من الدين والعرف، من الفرح والخوف، من الجلد والخبز والدم والرقص والذاكرة. لا يمكن أن نأخذ منه ما يلمع في الخطاب، ونرمي ما يحرجنا في الواقع.

    الحداثة الحقيقية لا تحتقر الناس. لا تقول لهم إن فرحتهم بدوية متخلفة، ثم تطلب منهم التصفيق لفرجة شعبية لأنها تحمل عنوانا ثقافيا آخر. الحداثة الحقيقية تنظم، تهذب، تشرح، ترتب الفضاء العام، وتحمي الحرية والكرامة والنظافة، دون أن تسخر من وجدان الناس.

    إذا كان المطلوب مدينة نظيفة، فلنتفق.
    إذا كان المطلوب عيد منظم، فلنتفق.
    إذا كان المطلوب بوجلود مؤطر يحترم العائلات، فلنتفق.
    لكن إذا كان المطلوب أن نحاكم عادة بقسوة ونبرئ أخرى بالعاطفة، فهنا يجب أن نتوقف.

    السؤال البسيط الذي يفهمه الجميع هو هذا: لماذا يصبح جلد الأضحية داخل البيت والشارع دليلا على التخلف، ثم يصبح الجلد نفسه فوق جسد بوجلود دليلا على الأصالة؟ لماذا تُدان الفوضى حين تأتي مع العيد، وتُغتفر حين تأتي باسم التراث؟ ولماذا لا نقول الحقيقة كاملة: العيد يحتاج إلى تنظيم، وبوجلود يحتاج إلى تأطير، وكلاهما جزء من مجتمع يجب أن يتطور دون أن يحتقر ذاكرته.

    بهذا الفهم فقط نخرج من التناقض. لا بتخوين أحد، ولا بتقديس أحد، ولا بتجريح الأشخاص. بل بسؤال واضح: هل نحن ثابتون في معاييرنا أم نغيرها حسب الموضوع؟

    فالموروث لا يُحمى بالانتقاء. والحداثة لا تُبنى بالاحتقار. والنقاش الحقيقي يبدأ عندما نجرؤ على مساءلة منطقنا قبل أن نحاكم عادات الناس.

    خلاصة المقال

    المفارقة في خطاب أحمد عصيد ليست في نقد الفوضى أو الدفاع عن بوجلود، بل في اختلاف معيار الحكم: متى يصبح الجلد والشارع علامة تخلف، ومتى يصبحان رمزا للتراث؟

    • نقد مظاهر الفوضى في عيد الأضحى مشروع، لكن لا يجوز الخلط بين الشعيرة وسوء التدبير.
    • الدفاع عن بوجلود كموروث شعبي لا يعفيه من النقد عندما تظهر باسمه مظاهر مشوهة أو دخيلة.
    • المعيار المنصف واحد: التنظيم والنظافة واحترام الفضاء العام، سواء في العيد أو في بوجلود.
  • المغرب يسعى لإنقاذ الجزائر من عواقب أزمة صنعتها بنفسها… والنظام العسكري يواصل التجاهل و يرفض الاستفاقة

    المغرب يسعى لإنقاذ الجزائر من عواقب أزمة صنعتها بنفسها… والنظام العسكري يواصل التجاهل و يرفض الاستفاقة

    منذ أكثر من خمسة عقود، اختار النظام العسكري الجزائري أن يجعل من قضية الصحراء المغربية محورًا لعقيدته السياسية الخارجية، لا دفاعًا عن “حق تقرير المصير” كما يروج، بل هروبًا من أزماته الداخلية ومحاولة لبناء شرعية إقليمية قائمة على العداء للمغرب. غير أن التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة جعلت هذا الرهان يبدو اليوم أكثر عزلة وفشلًا من أي وقت مضى.

    المغرب، في المقابل، تحرك بمنطق الدولة الهادئة والواثقة، مستندًا إلى التاريخ والشرعية والواقعية السياسية، حتى أصبح ملف الصحراء يحصد اعترافًا ودعمًا غير مسبوقين على المستوى الدولي. أكثر من 130 دولة عبر العالم باتت تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر مغربية الصحراء، فيما تتزايد القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة، في رسالة دبلوماسية واضحة بأن المجتمع الدولي يتجه نحو الحسم الواقعي لهذا النزاع المفتعل.

    ورغم هذا التقدم الكبير، لا يزال النظام العسكري الجزائري يصر على الاستمرار في سياسة الإنكار والمواجهة، وكأنه ذلك الشخص الذي توفيت أمه فهرب بالفأس حتى لا تُدفن، في محاولة عبثية لوقف ما لا يمكن إيقافه. فبدل مراجعة الحسابات والاعتراف بأن الزمن تغير، يستمر الخطاب الرسمي الجزائري في ضخ المزيد من التوتر داخل المنطقة المغاربية، معطلاً بذلك أي أمل في بناء اتحاد مغاربي قوي يخدم شعوب المنطقة.

    المغرب لم يغلق الباب أبدًا أمام الحل السياسي، بل قدم منذ سنوات مبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي وذي مصداقية، وهي المبادرة التي وصفتها قوى دولية كبرى بأنها الأساس الأكثر واقعية لتسوية النزاع. هذه المبادرة لم تكن تعبيرًا عن ضعف، بل عن ثقة دولة تعرف حقوقها وتبحث في الوقت نفسه عن حل يحفظ الاستقرار الإقليمي ويضمن كرامة الجميع.

    لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: إلى متى سيظل المغرب ينتظر؟ فالصبر السياسي، مهما طال، له حدود. والمملكة التي نجحت في تثبيت موقعها إقليميًا ودوليًا، لم تعد في وضعية الدفاع كما كان الأمر في العقود الماضية، بل أصبحت في موقع المبادرة والقوة الدبلوماسية والاستراتيجية.

    الواقع الجديد يؤكد أن المغرب بات يتحرك من موقع مريح، مدعومًا بشراكات دولية قوية ومشاريع تنموية كبرى في الأقاليم المغربية الجنوبية، بينما يجد النظام العسكري الجزائري نفسه غارقًا في عزلة متزايدة، نتيجة استمرار عقلية الحرب الباردة ورفضه التكيف مع التحولات الجيوسياسية الحالية.

    وفي هذا السياق، يبرز القرار 9727 كأحد المؤشرات السياسية والقانونية التي تصب في اتجاه تكريس مغربية الصحراء وتعزيز مقاربة الحل الواقعي بدل الأوهام الإيديولوجية التي تجاوزها الزمن. فالعالم اليوم لم يعد يقيس القضايا بالشعارات، بل بالاستقرار والتنمية والواقعية السياسية.

    إن المغرب، وهو يمنح الفرصة تلو الأخرى للحل السلمي، يبعث برسالة واضحة: باب الحوار لا يزال مفتوحًا، لكن استمرار التعنت لن يغير الحقائق على الأرض، ولن يوقف المسار الدولي المتنامي الداعم لمغربية الصحراء. وإذا كان النظام العسكري الجزائري يعتقد أن بإمكانه تجميد التاريخ، فإن الوقائع تؤكد أن عجلة السياسة لا تعود إلى الخلف.

    لقد دخل الملف مرحلة جديدة عنوانها الحسم الهادئ، والمغرب يبدو اليوم أكثر ثقة من أي وقت مضى في أن المستقبل يُكتب من العيون والداخلة، لا من خطابات العداء والتوتر.

    بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

  • في ذكرى رحيل المجاهد سي عبد الرحمان : كم أصبح الفراغمن بعده شاسعاً ومخيفاً

    في ذكرى رحيل المجاهد سي عبد الرحمان : كم أصبح الفراغمن بعده شاسعاً ومخيفاً

    مع إطلالة هذه الذكرى الحزينة لرحيل المجاهد عبد الرحمن اليوسفي يجد المرء نفسه مدفوعاً بل مكرهاً على وضع اليد على الجرح العاري  ونحن نتأمل من بعيد ومن قريب هذا المشهد السياسي الراهن الذي يبعث على الأسى الشديد والوجوم.

    كم يبدو مغرب اليوم يتيماً في غياب أولئك الرجال العظام! وكم تبدو نخبنا الحالية ضئيلة باهتة ومقصوصة الأجنحة وهي تحاول العيش في ظل تلك القامة الباسقة التي غادرتنا لتترك خلفها فراغاً مرعباً وقاعاً صفصفاً.

    إننا هنا ومن فوق هذه السطور لا نبكي مجرد رجل رحل إلى دار البقاء  فالكل عابر والكل فانٍ.. بل نبكي زمناً سياسياً جميلاً وعميقا كان فيه للزعامة معنى  وللموقف ثمن يدفَع كالفاتورة  ولنظافة اليد طعم العبادة والزهد.

    لقد دخل “السي عبد الرحمن” المعترك السياسي نظيفًا وعاش وسط أعاصيره العاتية نظيفاً وخرج منه كما دخله طاهراً مبرأً من دنس المغانم والتهافت ليقدم درساً بليغاً في أن «السياسة أخلاق أو لا تكون»، في زمن تحولت فيه الأخلاق إلى عملة نادرة في أسواق السياسة اليوم.

    تأملوا معي بروية وعمقه هذا المسار الأسطوري لـ”رجل دولة” عاش في قلب التقاطعات الكبرى والخطيرة للزمن المغربي الحديث

    تقاطعٍ فريد بين كفاح السلاح والعمل الفدائي من أجل الاستقلال ونضال الكلمة الشجاعة والمبدأ الراسخ ضد الاستبداد ومن أجل الديمقراطية.

    هذا الرجل الذي جرّ خلفه حكماً بالإعدام وقذفته رياح النفي الطويل إلى المنافي السحيقة لم يكن يحمل غلاً ولا ضغينة في قلبه تجاه وطن كان يربيه بالحديد والنار.

    بل حين  ناداه الواجب التاريخي ووقفت البلاد على حافة تلك “السكتة القلبية” الشهيرة لم يتردد لحظة واحدة في قيادة سفينة “التناوب الديمقراطي” لا رغبة في كرسي، ولا طمعاً في جاه بل تلبية لنداء إنقاذ المغرب في لحظة انتقال تاريخية وفارقة بين عهدين.

    ومن هذا المخاض العسير واليومي نبت توازن عجيب في شخصية الرجل  كان وراءه عمق إنساني وصوفي نادر وزهد حقيقي في بريق السلطة وهالاتها الكاذبة والمزيفة. صديقه الأخضر الإبراهيمي كان يقول عنه بعبارة بليغة تختزل كبرياء الصمت وعمق التأمل: «إن اليوسفي يلوي لسانه سبع مرات في فمه قبل الكلام.. وهو أشبه ببوذي».

    ولم تكن هذه مجرد استعارة مجازية أو ترفاً تعبيريا فمن خلال شهادات حيّة ممن زاروا شقته البسيطة في حي “بوركون” بالدار البيضاء، يكتشف المرء تلك الروح الآسيوية الهادئة والوقورة حيث ترّفع فقيدنا عن البهارج والديكورات الفخمة مكتفياً بجلال البساطة والتواضع وفي مفارقة صارخة مع نخب اليوم التي تتقاتل علانية على المناصب، والامتيازات والسيارات الفارهة.

    ولم يكن السي عبد الرحمن زعيماً محلياً انحبست خطواته في حدود الجغرافيا الوطنية الضيقة بل كان رقماً صعباً في المعادلة الدولية والاشتراكية الأممية يحظى باحترام العواصم الكبرى من باريس إلى جنيف… هذا الرصيد الحقوقي والدبلوماسي الهائل الذي راكمه في منافيه الممتدة وضعه بالكامل في خدمة القضية الوطنية الأولى (قضية الصحراء المغربية)

    فحين تولّى قيادة الحكومة وبصمت الكبار  وهدوء العارفين بخفايا العلاقات الدولية والدهاليز الأممية استطاع أن يسحب اعتراف أكثر من 34 دولة بالكيان الوهمي دون جعجعة إعلامية فارغة أو استعراض بهلوانيّ  مما نراه  اليوم في مغرب يعاني نقصاً حاداً في رجالات الدولة الحقيقيين أولئك الذين يشتغلون في الصمت والظل لتبنى الأمجاد وتصان الأوطان.

    في مذكراته يحكي الفقيد المجاهد بكثير من الدفء الإنساني والعمق التاريخي عن واقعة المصعد الشهيرة في القصر الملكي حين دعاه الملك الراحل الحسن الثاني لفنجان قهوة بعد 27 سنة كاملة من الفراق والخصومة المريرة ليخاطبه بتلك العبارة العبقرية والمكثفة:

    ( نحن مثل روافد النهر افترقنا ثم التقينا من جديد لنصب في نفس المجرى الأصل)

    وحين التفت الملك الراحل إلى ولي عهده آنذاك (سيدي محمد) وشقيقه الأمير مولاي رشيد  قال لهما مازحاً:

    ( هذا عمكما اليوسفي.. إنه من أكبر مهربي الأسلحة)

    هنا تحديداً يكمن السحر التاريخي والمفارقة المغربية العجيبة حين تعترف السلطة بصلابة خصمها ونبله.. وتتحول بندقية المقاوم القديم وصندوق أسلحته المهربة إلى صمام أمان لكيان الدولة واستمرارية الوطن…

    ولعل المشهد الذي سيظل موشوماً في الذاكرة الجمعية للمغاربة، كأعلى درجات العرفان والتقدير من المؤسسة الملكية لهذا القائد التاريخي هو تلك الانحناءة التلقائية والحميمة للملك محمد السادس لتقبيل رأس “شيخ الاشتراكيين” وهو على سرير المرض بالدار البيضاء. صورة اختصرت حكاية المغرب الحديث كله: وفاء ملك.. وعظمة زعيم

    اليوم، ونحن نرى هذا الركود السياسي والنخَب المستهلكة ونتجرع مرارة الرداءة وسقوف النخب الواطئة التي لا تحمل هماً وطنياً ولا مشروعاً مجتمعياً ندرك كم كان فقيدنا عبد الرحمن اليوسفي كبيراً.. وكم أصبح الفراغ من بعده شاسعاً ومخيفاً!

    رحم الله السي عبد الرحمن وجعل سيرته مناراً لنخبٍ ضلّت الطريق

    يوسف غريب كاتب صحفي

  • خطاب عطّاف.. حين يرتدي الإنكار ثوب الدبلوماسيّة

    خطاب عطّاف.. حين يرتدي الإنكار ثوب الدبلوماسيّة

    يبدو أن الدبلوماسية الجزائرية ما زالتت تجد صعوبة بالغة في التكيف مع المتغيرات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية على الصعيد الدولي وكعادتها تفضل دائماً الهروب إلى تدوير أطروحات تجاوزها الزمن. وفي هذا السياق تأتي الخرجة الأخيرة لوزير الخارجية الجزائري السيد أحمد عطا لتكرس هذا النهج معلناً وبالكثير من التكلف أن بلاده وموريتانيا لم تكونا سوى “ملاحظين” على طاولة المفاوضات مع جبهة البوليساريو  مستدعياً من جديد تلك السردية القديمة التي تحاول تقديم الجزائر كـ”طرف محايد” في نزاع إقليمي طال لنصف قرن.

     لكن المشكلة في الدبلوماسية الجزائرية عندما ترتدي ثوب الإنكار فهي  تصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا التي تفضحها أمام العالم.

    فادعاء “الحياد” الذي يصر عليه السيد عطاف تكذبه  عقود من الانخراط العسكري والسياسي والدبلوماسي الجزائري المباشر حيث يحفظ التاريخ بكثير من تفاصيل وقائع معركتي “أمغالا 1” و”أمغالا 2 وبمواجهات عسكرية مباشرة دفع فيها الجيش الجزائري ثمناً باهظاً  وهي مواجهات يدرك أحداثها جيداً رئيس الأركان الحالي السعيد شنقريحة الذي عاش تجربة الأسر لدى القوات المسلحة الملكية.

    أضف إلى ذلك  أن هذا “الحياد” المزعوم كلّف الجزائر معارك دبلوماسية شرسة ضد كل العواصم التي سحبت اعترافها بالكيان الوهمي  حتى كادت بوصلتها الخارجية تقتصر على ردود الفعل وإحصاء عمليات سحب السفراء.. ناهيك عن الفضيحة الأخلاقية والقانونية لتهريب زعيم الجبهة تحت هوية مزورة وباسم مستعار “بن بطوش” عبر جواز سفر دبلوماسي جزائري.

    إن كل هذا الاندفاع  وصولاً إلى القسم الشهير للرئيس عبد المجيد تبون بربط موقف الدولة الجزائرية  برفع راية الانفصال في أقاليمنا يسقط أي مساحيق قد تحاول جلباب الدبلوماسية الجزائرية ارتداءها لادعاء عدم الارتباط العضوي بالنزاع.

    وفي مقابل هذا الخطاب المحكوم بهواجس الماضي قدمت الدبلوماسية المغربية  على لسان وزير خارجيتها خلال يوم إفريقيا بالرباط  جواباً رزيناً ومؤطراً بالقانون الدولي واضعاً النقاط على الحروف بالاستناد إلى القرار الأممي الأخير رقم 2797 الذي حسم الجدل بشكل صريح عبر خمسة محددات لا تقبل التأويل. فالمنتظم الدولي يقر بالجزائر كطرف أساسي ومباشر في عملية الموائد المستديرة وليس مجرد ملاحظ كما أن سقف هذه المفاوضات محدد بشكل لا رجعة فيه في المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة الكاملة للمملكة  برعاية حصرية من الأمم المتحدة ودعم وازن من الولايات المتحدة كصاحبة القلم.

    إن الحقيقة الصادمة التي يهرب منها حكام المرادية اليوم  هي أن قطار التاريخ قد غادر المحطة الدبلوماسية التي تاهوا فيها لنصف قرن

     فبينما يستمر قصر المرادية في تاستنزافت مقدرات الشعب الجزائري الشقيق لتمويل كيان وهمي لا وجود له إلا في ردهات مخابراته.. كانت شرعية التاريخ  وجغرافيا الواقع بأقاليمنا تحسم الملف إلى غير رجعة.

    والمفارقة  الكبرى الكامنة وسط هذا النزاع أن النظام الجزائري وفي رحلة بحثه الطويلة واليائسة عن عزل المغرب واقتطاع صحرائه يستيقظ اليوم على حقيقة مريرة: المغرب في صحرائه يزداد تجذراً وتنمية واعترافاً دولياً  بينما انتهى الأمر بالنظام الجزائري معزولاً يدور حول نفسه.. محاصراً داخل “مائدة مستديرة” دولية ترفض إعفاءه من مسؤوليته المباشرة ليتحول “الحياد المزعوم” إلى طوق إدانة يلتف حول عنق العصابة هناك

    يوسف غريب – كاتب صحفي

  • في مغرب محمد السادس.. الطلبة الأفارقة يحتفلون بعيد الأضحى بأكادير بين أهلهم

    في مغرب محمد السادس.. الطلبة الأفارقة يحتفلون بعيد الأضحى بأكادير بين أهلهم

    يشكل عيد الأضحى المبارك بالمغرب أكثر من مجرد مناسبة دينية للاحتفال وإحياء الشعائر، إذ يتحول كل عام إلى محطة إنسانية تتجسد فيها قيم الكرم والجود والتكافل التي عُرف بها المغاربة عبر التاريخ. وفي مختلف المدن المغربية، تتجلى صور التضامن وتقاسم الفرح، خاصة مع الطلبة الأفارقة القادمين من دول جنوب الصحراء، الذين وجدوا في المملكة فضاءً للدراسة وبيئةً تحتضنهم بروح الأخوة والانفتاح.

    ولا يشعر الطلبة والأفارقة المقيمون بالمغرب أنهم غرباء أو بعيدون عن أوطانهم، بل يعيشون وسط أهلهم وفي وطنهم الثاني، حيث يجدون كل مظاهر الترحيب والاحتضان الإنساني. ويحرص المغاربة، أفرادًا وجمعيات، على جعل هذه المناسبة فرصة لمواساة الطلبة الأفارقة الذين يحيون العيد بعيدًا عن أسرهم، من خلال مبادرات إنسانية متعددة تشمل توفير الأضاحي وتوزيع لحوم العيد وتنظيم موائد جماعية تجمع الجميع في أجواء يسودها الود والتآخي.

    وفي مدينة أكادير، وبعد أداء صلاة عيد الأضحى بالمصلى، اجتمع عدد من الطلبة الأفارقة حول أضاحي العيد التي تم توفيرها بدعم من جمعية المهرجان الإفريقي وبعض المحسنين، في مبادرة إنسانية تعكس قيم التضامن والتآزر التي يتميز بها المجتمع المغربي. كما قامت الطالبات الإفريقيات بإعداد أطباق إفريقية متنوعة من لحم الأضحية، تعكس تقاليد بلدانهن وثقافاتها المتعددة، قبل أن يتوجه الجميع إلى شاطئ مدينة أكادير للاحتفال بهذه المناسبة وسط الساكنة الأكاديرية، في مشهد امتزجت فيه روح العيد بمعاني الأخوة الإفريقية الصادقة.

    وتقاسم الحاضرون مختلف الأكلات الإفريقية التقليدية التي تُحضَّر في مثل هذه المناسبات بعدد من الدول الإفريقية، في أجواء عائلية سادتها المحبة والألفة والتعايش. وهي لحظات إنسانية تؤكد عمق الروابط التي تجمع المغرب بعمقه الإفريقي، وتجسد صورة المملكة كأرض للكرم وحسن الضيافة والانفتاح على مختلف الثقافات.

    وتندرج هذه المبادرات في سياق الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، الذي ما فتئ يؤكد في مختلف خطاباته وتوجيهاته على أهمية تعزيز العلاقات الإنسانية والروابط الأخوية بين المغرب والدول الإفريقية، والدعوة إلى الاهتمام بالمواطنين الأفارقة المقيمين بالمملكة، سواء في مجالات التعليم أو التضامن الاجتماعي أو الاندماج الثقافي والإنساني.

    وقد ساهمت هذه التوجيهات الملكية في ترسيخ صورة المغرب كبلد للتعايش والتسامح، وكجسر للتواصل بين الشعوب الإفريقية، حيث أصبح الاهتمام بالطلبة الأفارقة جزءًا من ثقافة مجتمعية قائمة على الاحترام المتبادل وتقاسم قيم الأخوة والتعاون.

    وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات اجتماعية وإنسانية، يواصل المغرب تقديم نموذج متفرد في التضامن والتعايش، مستلهمًا في ذلك قيمه الدينية والحضارية وتوجيهاته الملكية الحكيمة، ليظل عيد الأضحى المبارك مناسبة تتجدد فيها معاني الرحمة والعطاء، وتتأكد فيها مكانة المملكة كأرض للأخوة الإفريقية الصادقة والتآزر الإنساني النبيل.

    بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

  • بوبكر الجامعي وبطاقة الصحافة.. حين يهزم الميدان غرور الشهادة

    بوبكر الجامعي وبطاقة الصحافة.. حين يهزم الميدان غرور الشهادة

    في الصحافة، هناك من يدخل الميدان حاملاً سؤالاً، وهناك من يدخله حاملاً بطاقة. الفرق بين الاثنين شاسع. الأول يبحث عن الحقيقة، يتعب من أجلها، يخطئ ويتعلم، يصغي للناس، ويخاف من ظلمهم بكلمة غير دقيقة. والثاني يظن أن صفة “صحفي” تُمنح مرة واحدة وإلى الأبد، بمجرد بطاقة مهنية في الجيب أو شهادة معلقة على الجدار.

    ولأن الموضوع حساس، يجب أن يقال منذ البداية: التكوين مهم، ومعاهد الصحافة ضرورية، والبطاقة المهنية أداة تنظيمية لا غنى عنها لحماية المهنة وضبط الانتماء إليها. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه الأدوات إلى غرور. وحين يعتقد بعض الصحفيين أن البطاقة تكفي لتعويض ضعف البحث، أو أن التخرج من معهد صحافة يمنح صاحبه حصانة من الرداءة، أو أن القارئ ملزم باحترام نص ركيك فقط لأن كاتبه يحمل صفة مهنية.

    الصحافة أكبر من ذلك بكثير. إنها مهنة قاسية، لا ترحم من يكتفي بصورة جميلة وبطاقة بلا مضمون. في قاعة الدرس، تبدو الصحافة حلماً وردياً: عناوين براقة، كاميرات، ميكروفونات، ندوات، سفر، قرب من المسؤولين، وتأثير في الرأي العام. لكن في الواقع، تبدأ الصحافة الحقيقية حين ينتهي ذلك الحلم. تبدأ حين تقف أمام مصدر مرتبك، أو وثيقة ناقصة، أو ضحية خائفة، أو مسؤول يتهرب، أو جمهور يريد خبراً فورياً، بينما ضميرك المهني يقول لك: تحقق أولاً.

    وهنا يحضر اسم بوبكر الجامعي، لا بوصفه نموذجاً للقداسة المهنية، فكل تجربة بشرية قابلة للنقاش والنقد، بل بوصفه مثالاً قوياً على أن الصحفي لا تصنعه الطريق المدرسية وحدها. المتاح في سيرته المنشورة يبين أن تكوينه الأول لم يكن في معهد للصحافة، بل تخرج من المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات بالدار البيضاء سنة 1992، ثم حصل لاحقاً على MBA في المالية من جامعة أكسفورد، وماستر في الإدارة العامة من Harvard Kennedy School. ومع ذلك، صار واحداً من أبرز الأسماء المرتبطة بتجربة الصحافة المستقلة في المغرب.

    أسس بوبكر الجامعي ودار حوله مشروع Le Journal Hebdomadaire وAssahifa Al Ousbouiya، وارتبط اسمه بصحافة نقدية وتحقيقية أثارت نقاشاً واسعاً في المغرب وخارجه. كما حصل سنة 2003 على الجائزة الدولية لحرية الصحافة من لجنة حماية الصحفيين CPJ، واختير لاحقاً ضمن Yale World Fellows، ثم ارتبط اسمه بزمالة Nieman بجامعة هارفارد، بحسب سيرته في مصادر متعددة.

    هذه المعطيات لا تعني أن “عدم دراسة الصحافة” فضيلة في حد ذاته. أبداً. ولا تعني أن كل من لم يدرس الصحافة سيصبح بوبكر الجامعي. لكنها تهدم وهماً خطيراً: وهم أن الصحافة لا يدخلها إلا من تخرج من معهد صحافة، أو أن بطاقة الصحافة وحدها تكفي لتصنيف الناس مهنياً وأخلاقياً. الجامعي جاء من الاقتصاد والمال والأعمال، لكنه حمل إلى الصحافة أدوات أخرى: الفهم السياسي، الجرأة التحريرية، الحس المؤسساتي، والقدرة على بناء مشروع صحفي له خط واضح.

    ولذلك، فالعبرة ليست في أن بوبكر الجامعي لم يسلك المسار الكلاسيكي لمعاهد الصحافة، بل في أن الصحافة مهنة مفتوحة على الكفاءة، لا على التباهي. قد يأتي الصحفي من الأدب، القانون، الاقتصاد، العلوم، التاريخ، الفلسفة، أو من مدرسة الحياة نفسها. المهم ليس من أين أتى فقط، بل ماذا يفعل حين يصل إلى الخبر.

    المشكلة اليوم أن بعض المنتسبين إلى المهنة يخلطون بين الشرعية الإدارية والشرعية المهنية. البطاقة تمنحك اعترافاً قانونياً أو تنظيمياً، لكنها لا تمنحك تلقائياً عمقاً، ولا لغة، ولا ضميراً، ولا شجاعة، ولا قدرة على التحقق. والديبلوم يثبت أنك درست، لكنه لا يثبت أنك فهمت المجتمع، ولا أنك قادر على النزول إلى السوق، أو المحكمة، أو الحي الشعبي، أو المستشفى، أو القرية، وكتابة نص يحترم الناس والحقيقة.

    في المغرب، كما في غيره من البلدان، للبطاقة المهنية وظيفة تنظيمية. كما تشير معطيات حول الإطار القانوني والتنظيمي للمهنة إلى وجود هياكل مرتبطة بأخلاقيات المهنة وبطاقة الصحافة المهنية داخل منظومة تنظيم القطاع. كما أن البطاقة الدولية للصحافة، وفق الاتحاد الدولي للصحفيين، تُقدم باعتبارها وسيلة تعريف مهني معترفاً بها عبر منظمات الصحفيين في دول عديدة. لكن أي بطاقة، وطنية كانت أو دولية، تبقى وسيلة تعريف وتنظيم، لا برهاناً على جودة المقال ولا على نزاهة صاحبه.

    الصحفي الحقيقي لا يقول للقارئ: “احترمني لأن لدي بطاقة”. بل يجعله يحترمه لأنه دقيق. لأنه ينسب المعلومات إلى مصادرها. لأنه لا يخلط بين الخبر والرأي. لأنه لا يتسرع في الاتهام. لأنه لا يبيع القارئ عنواناً كاذباً. لأنه لا يستعمل المأساة الإنسانية مادة للإثارة الرخيصة. لأنه يعرف أن الشخص الذي يكتب عنه ليس رقماً في خبر، بل إنسان قد تتغير حياته بسبب جملة غير مسؤولة.

    وهنا يجب التوقف عند فرق كبير بين أحلام الدراسة وواقع المهنة. في المعهد، يكتب الطالب تمريناً. في الميدان، قد يكتب خبراً تتداوله آلاف الهواتف في دقائق. في القسم، يتعلم معنى “المصدر”. في الواقع، يكتشف أن المصدر قد يكذب، أو يبالغ، أو يخفي نصف الحقيقة. في التكوين، يتعلم “التوازن”. في الواقع، يفهم أن التوازن ليس أن تمنح الظالم والضحية المساحة نفسها، بل أن تبحث عما تثبته الوقائع والوثائق والسياق.

    منظمة اليونسكو، في أدبياتها الخاصة بتعليم الصحافة ومكافحة التضليل، تركز على أهمية التحقق، والتفكير النقدي، وفهم طبيعة المعلومات المضللة، وتطوير مناهج تعليم الصحافة باستمرار لمواجهة التحولات الرقمية. وهذا يؤكد أن التكوين نفسه لا ينبغي أن يكون مجرد شهادة، بل عملية مستمرة من التعلم والتجدد.

    فالصحفي الذي لا يقرأ يتآكل. والذي لا يتحقق يتحول إلى ناقل إشاعات. والذي لا يعرف القانون قد يظلم الناس أو يورط مؤسسته. والذي لا يفهم الاقتصاد سيكتب عن الأسعار بسطحية. والذي لا يفهم السياسة سيعيد تدوير البلاغات. والذي لا يعرف المجتمع سيكتب عن الناس من فوق، لا من بينهم.

    ولهذا، فإن التباهي ببطاقة الصحافة أو باسم المعهد يصبح أحياناً علامة ضعف، لا علامة قوة. الصحفي الواثق من نصه لا يحتاج إلى رفع البطاقة في وجه كل من يناقشه. والصحفي المتمكن لا يختبئ خلف اسم مؤسسة تكوينه. قيمته تظهر في سؤاله، في عنوانه، في طريقة عرضه للوقائع، في قدرته على الاعتذار عند الخطأ، وفي شجاعته حين يرفض نشر معلومة غير مؤكدة ولو كانت ستجلب آلاف النقرات.

    هذا لا يعني فتح الباب للفوضى باسم “الموهبة”. لا. الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له. وليست كل كتابة على فيسبوك صحافة. وليست كل كاميرا صحافة. وليست كل صفحة إلكترونية مؤسسة إعلامية. هناك قواعد، أخلاقيات، قانون، مسؤولية تحريرية، حق جواب، حماية للمعطيات الشخصية، قرينة البراءة، احترام للضحايا، وتدقيق للصور والفيديوهات. لكن هذه القواعد لا تُختزل في البطاقة، بل تُمارس يومياً.

    بوبكر الجامعي، في هذا النقاش، ليس مجرد اسم يُستعمل ضد خريجي معاهد الصحافة. بل هو تذكير بأن الصحافة الحقيقية قد تولد من خارج الطريق التقليدية حين يلتقي الذكاء بالجرأة وبالمشروع التحريري. وتجربته، بما لها وما عليها، تقول إن الصحفي يُقاس بما أحدثه من أثر في المجال العام، لا بعدد المرات التي أخرج فيها بطاقته.

    والأهم أن مثال الجامعي لا ينبغي أن يغري الجاهلين برفض التكوين. بالعكس، من لم يدرس الصحافة يحتاج إلى أن يتعلم أكثر، ويقرأ أكثر، ويحتك أكثر، ويتواضع أكثر. ومن درس الصحافة يحتاج إلى أن ينسى غروره، وأن يفهم أن المعهد منحه أدوات، لا رتبة شرفية فوق الناس. في الحالتين، لا نجاة إلا بالميدان.

    الميدان وحده يكشف الضعف. هناك تسقط لغة القوالب الجاهزة. هناك تعرف هل تستطيع التقاط زاوية إنسانية دون ابتذال. هل تستطيع مساءلة مسؤول دون تهور. هل تستطيع كتابة خبر أمني دون إدانة مسبقة. هل تستطيع تغطية احتجاج دون التحول إلى منشور دعائي. هل تستطيع الحديث عن الأسعار من جيب المواطن، لا من مكتب مكيف. هل تستطيع أن تقول: “لا أعرف”، ثم تذهب لتعرف.

    الصحفي الحقيقي هو من يظل تلميذاً دائماً. يتعلم من المحرر الذي يصحح له، من القارئ الذي ينبهه، من المصدر الذي يراوغه، من الوثيقة التي تكذّب رواية جاهزة، ومن الميدان الذي يثبت له كل يوم أن الحياة أعقد من تمارين المعهد.

    أما الصحفي الذي يتباهى بالبطاقة أو الشهادة فقط، فهو غالباً لم يفهم أن الصحافة ليست لقباً اجتماعياً. إنها خدمة عمومية بالمعنى الأخلاقي للكلمة، حتى داخل مؤسسة خاصة. خدمة للحق في المعلومة، للوضوح، للمساءلة، للذاكرة، ولصوت الذين لا يصل صوتهم بسهولة.

    نحتاج إلى صحفيين درسوا الصحافة جيداً، نعم. ونحتاج أيضاً إلى صحفيين جاؤوا من تخصصات أخرى وأضافوا للمهنة عمقاً اقتصادياً وقانونياً وسياسياً وثقافياً. لكننا لا نحتاج إلى متباهين. لا نحتاج إلى من يحول البطاقة إلى سلاح لإسكات النقد. ولا إلى من يعتبر الديبلوم نهاية التعلم. ولا إلى من يعيش أحلام المعهد ثم ينهار أمام أول اختبار حقيقي في الواقع.

    فالصحافة لا تسأل في النهاية: أين درست؟ بل تسأل: ماذا كتبت؟ كيف تحققت؟ من أنصفت؟ من ظلمت؟ ماذا أضفت؟ هل احترمت القارئ؟ هل قاومت الإغراء؟ هل كنت شجاعاً دون تهور؟ وهل كنت حذراً دون جبن؟

    في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي والتضليل، لم تعد الصحافة تحتمل صحفيين يبيعون الصفة أكثر مما ينتجون المعنى. البطاقة لا تكفي. الشهادة لا تكفي. وحتى الموهبة لا تكفي إن لم يضبطها ضمير وتكوين مستمر. وما يبقى، بعد كل ذلك، هو النص. النص وحده يفضح صاحبه أو يرفعه.

    ولهذا، فإن أفضل نصيحة لأي صحفي شاب، سواء خرج من معهد عريق أو دخل المهنة من باب آخر، هي: لا تتباهَ كثيراً بما تحمله في جيبك أو بما عُلّق على حائطك. اذهب إلى الميدان. اسأل. تحقق. اقرأ. صحح. اعتذر حين تخطئ. واكتب كأن الناس سيحاسبونك على كل كلمة. لأنهم سيفعلون.

    ما الذي يجب أن يعرفه الصحفي؟

    تذكر تجربة بوبكر الجامعي بأن الصحافة لا تُختزل في بطاقة مهنية أو شهادة معهد. فالتكوين مهم، لكنه لا يكفي وحده لصناعة الصحفي؛ إذ يظل الميدان، والتحقق، والأخلاق المهنية، والقدرة على إنتاج أثر حقيقي، عناصر حاسمة في بناء القيمة الصحفية.

    • بطاقة الصحافة وثيقة تنظيمية، وليست ضمانة تلقائية للجودة المهنية.
    • شهادة المعهد بداية لمسار التكوين، وليست نهاية للتعلم والتجربة.
    • الميدان وحده يكشف من يخدم الحقيقة ومن يكتفي بالاختباء خلف الصفة.