يُنتخب البرلماني داخل دائرة جغرافية محددة، ويخوض حملته وسط سكان مدينة أو إقليم بعينه، وغالباً ما يقدم وعوداً مرتبطة بالطرق والمستشفيات والمدارس وفرص الاستثمار. لكن الدستور المغربي لا يصفه بأنه ممثل لدائرته الانتخابية وحدها، بل يجعله «ممثلاً للأمة».
وهذه الصفة ليست لقباً بروتوكولياً أو عبارة للاستهلاك السياسي، وإنما قاعدة دستورية تحدد طبيعة النيابة البرلمانية والمسؤوليات المترتبة عنها. فالبرلماني لا يدخل المؤسسة التشريعية ليصبح مقاولاً عمومياً أو مديراً للأوراش، بل ليمارس مهام محددة، في مقدمتها التشريع، ومراقبة الحكومة، وتقييم السياسات العمومية.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتجدد الخلط بين عمل البرلماني واختصاصات الحكومة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية. ويظهر بعض المنتخبين أمام طريق أو مستشفى أو مدرسة، مقدمين المشروع الممول من المال العام وكأنه إنجاز شخصي أو هدية خاصة للسكان.
فما المقصود دستورياً بعبارة «ممثل الأمة»؟ وما الذي يستطيع البرلماني فعله؟ وما الأعمال التي لا تدخل أصلاً ضمن اختصاصاته؟
الفصل 60: البرلماني يستمد نيابته من الأمة
ينص الفصل 60 من دستور المملكة المغربية على أن البرلمان يتكون من مجلس النواب ومجلس المستشارين، وأن أعضاءه «يستمدون نيابتهم من الأمة»، كما يؤكد أن حقهم في التصويت شخصي لا يمكن تفويضه.
ويعني ذلك أن البرلماني، بمجرد انتخابه، لا يصبح ممثلاً حصرياً للأشخاص الذين صوتوا له، ولا لقبيلته أو مدينته أو إقليمه وحده، بل يشارك في تمثيل الأمة المغربية بكاملها.
فالقوانين التي يصوت عليها لا تُطبق داخل دائرته الانتخابية فقط، وإنما تسري على المواطنين في مختلف أنحاء المملكة. كما أن قانون المالية الذي يناقشه ويصوت عليه لا يتعلق بميزانية مدينته وحدها، بل يحدد موارد الدولة ونفقاتها وأولوياتها على المستوى الوطني.
وعندما يصوت البرلماني على قانون يتعلق بالضرائب أو الصحة أو التعليم أو الشغل أو التقاعد أو الحريات، فإن أثر ذلك التصويت يصل إلى مواطنين لم ينتخبوه، وربما لا يعرفون اسمه أصلاً.
لهذا ارتبطت الصفة البرلمانية بتمثيل الأمة، لا بمجرد تمثيل دائرة انتخابية ضيقة.
هل تمثيل الأمة يلغي ارتباط البرلماني بدائرته؟
لا يلغي تمثيل الأمة العلاقة السياسية والأخلاقية بين البرلماني ودائرته الانتخابية.
فالناخبون اختاروه بناءً على برنامج ووعود والتزامات، ومن حقهم مطالبته بنقل مشكلاتهم إلى البرلمان، ومساءلة الحكومة بشأنها، والدفاع عن استفادة منطقتهم من الخدمات والاستثمار العمومي.
لكن هذه العلاقة لا تجعل المقعد البرلماني ملكية محلية أو عائلية أو قبلية، ولا تسمح للنائب بالدفاع عن مصالح ضيقة على حساب القانون أو المصلحة الوطنية.
يمكن للبرلماني أن يترافع عن إصلاح طريق في إقليمه، لكنه يصوت في الوقت نفسه على القواعد والسياسات الوطنية المنظمة لقطاع النقل والطرق. ويمكنه المطالبة بمستشفى في مدينته، لكنه مسؤول أيضاً عن مناقشة القوانين والميزانيات المؤطرة للمنظومة الصحية في المغرب كله.
وبذلك، يجمع البرلماني بين نقل انتظارات دائرته إلى المؤسسة التشريعية، والنظر إلى القضايا المعروضة عليه من زاوية المصلحة العامة للأمة.
هل يمثل البرلماني الأمة أم الحزب؟
يدخل أغلب أعضاء مجلس النواب إلى البرلمان عبر لوائح حزبية، ويشتغلون داخل فرق ومجموعات برلمانية، ولذلك يلتزمون سياسياً ببرامج أحزابهم وتوجهات فرقهم.
كما ينص الفصل 61 من الدستور على تجريد عضو البرلمان من صفته إذا تخلى، خلال مدة الانتداب، عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، وفق المسطرة المحددة دستورياً.
لكن أهمية الانتماء الحزبي في تنظيم العمل البرلماني لا تلغي قاعدة النيابة عن الأمة، ولا تمحو المسؤولية الشخصية للنائب عن مواقفه وتصويته.
فالدستور يؤكد أن التصويت البرلماني حق شخصي لا يمكن تفويضه. ولذلك لا يستطيع النائب التنصل كلياً من مسؤوليته بالقول إنه نفذ تعليمات الحزب؛ لأن صوته يُحتسب ضمن القرار البرلماني وتترتب عنه آثار تشريعية وسياسية.
وعندما يصوت برلماني الأغلبية لصالح قانون يؤثر في القدرة الشرائية أو الصحة أو التعليم أو التقاعد، فلا ينبغي تقييمه فقط بما يقوله داخل دائرته، بل أيضاً بالمواقف التي اتخذها داخل البرلمان.
الفصل 70 يحدد وظائف البرلمان
حدد الفصل 70 من الدستور وظائف البرلمان بوضوح، إذ نص على أنه يمارس السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيّم السياسات العمومية.
وتقوم الوظيفة البرلمانية، بناءً على ذلك، على ثلاث مهام أساسية:
- التشريع والتصويت على القوانين.
- مراقبة عمل الحكومة.
- تقييم السياسات العمومية.
ولا يتضمن هذا الفصل تعبيد الطرق أو تشييد المستشفيات أو بناء المدارس أو منح الصفقات العمومية. فهذه أعمال تنفيذية تتولاها الحكومة والإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية، كل في نطاق اختصاصاته القانونية.
أولاً: التشريع وصناعة القواعد القانونية
يمثل التشريع إحدى الوظائف الأساسية للبرلمان، ويشمل دراسة مشروعات ومقترحات القوانين ومناقشتها وتعديلها والتصويت عليها.
ويميز الدستور بين «مشروع القانون» الذي تتقدم به الحكومة، و«مقترح القانون» الذي يتقدم به عضو أو مجموعة من أعضاء البرلمان. فقد منح الفصل 78 لرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان، على السواء، حق التقدم باقتراح القوانين.
ولا يقتصر العمل التشريعي على التصويت في الجلسة العامة، بل يبدأ داخل اللجان البرلمانية الدائمة، حيث تُناقش النصوص وتُدرس مقتضياتها، ويقدم البرلمانيون تعديلاتهم ويطلبون توضيحات من القطاعات الحكومية المعنية.
وقد تتعلق القوانين بالصحة والتعليم والضرائب والشغل والحماية الاجتماعية والانتخابات والاستثمار والحريات والعقوبات وتنظيم المرافق العمومية وغيرها من المجالات التي حددها الفصل 71 من الدستور.
لذلك، لا تُقاس حصيلة البرلماني بعدد المرات التي رفع فيها يده للتصويت فقط، بل أيضاً بنوعية مقترحات القوانين والتعديلات التي قدمها، وحضوره داخل اللجان، واستعداده لمناقشة النصوص، وقدرته على الدفاع عن مواقفه بالحجة القانونية والمعطيات الدقيقة.
قانون المالية.. الاختبار السنوي الأهم
يُعد قانون المالية من أهم النصوص التي يناقشها البرلمان كل سنة، لأنه يحدد موارد الدولة ونفقاتها والتوازنات التي تقوم عليها السياسة الحكومية.
وينص الفصل 75 من الدستور على أن قانون المالية، الذي يودع بالأسبقية لدى مجلس النواب، يصدر بالتصويت من قبل البرلمان وفق الشروط المنصوص عليها في قانون تنظيمي.
ومن خلال مناقشته، يبحث البرلمانيون الاعتمادات المخصصة للصحة والتعليم والاستثمار والطرق والحماية الاجتماعية والأجور والدعم وبقية القطاعات، كما يناقشون الإجراءات الضريبية والجمركية التي تمول هذه النفقات وتؤثر في المقاولات والأجراء والمستهلكين.
وعندما يعد برلماني سكان دائرته بمستشفى أو طريق أو مؤسسة جامعية، فمن المشروع سؤاله عن موقع ذلك المشروع في الميزانية، وعن مداخلاته وتعديلاته وموقفه من الاعتمادات المخصصة للقطاع المعني.
فالترافع الحقيقي لا يبدأ من التقاط صورة أمام الورش بعد انطلاقه، بل من العمل المؤسساتي الذي يسبق برمجة المشروع وتمويله.
ومع ذلك، ينبغي توضيح أن قدرة البرلمانيين على تعديل مشروع قانون المالية ليست مطلقة؛ إذ يمنح الفصل 77 للحكومة حق رفض المقترحات والتعديلات التي يؤدي قبولها إلى تخفيض الموارد العمومية أو إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف قائم، شريطة بيان أسباب الرفض.
ثانياً: مراقبة الحكومة
تمارس الحكومة، طبقاً للفصل 89 من الدستور، السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، كما توضع الإدارة تحت تصرفها وتمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية.
أما البرلمان، فلا ينفذ البرنامج الحكومي، وإنما يراقب طريقة تنفيذه.
وتشمل الرقابة البرلمانية مساءلة الوزراء عن قراراتهم، وطلب المعطيات منهم، ومناقشة حصيلة القطاعات، وتتبع تنفيذ الميزانية، وإثارة الاختلالات والتأخر ومشكلات التدبير.
ويخصص الفصل 100 جلسة كل أسبوع، بالأسبقية، لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة، مع إلزام الحكومة بتقديم جوابها خلال العشرين يوماً الموالية لإحالة السؤال إليها.
كما يخصص جلسة واحدة كل شهر للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة، ويتولى رئيس الحكومة الإجابة عنها أمام المجلس المعني خلال الثلاثين يوماً الموالية لإحالتها إليه.
لكن عدد الأسئلة وحده لا يكفي لتقييم النائب. فقد يطرح برلماني عشرات الأسئلة العامة أو المتكررة دون متابعة، بينما تكون قيمة السؤال الحقيقي في دقته وتوثيقه وربطه بمسؤولية حكومية واضحة، ثم تتبع الجواب وما ترتب عنه.
برلمانيو الأغلبية مطالبون بالمراقبة أيضاً
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن مراقبة الحكومة مهمة المعارضة وحدها، وأن دور برلمانيي الأغلبية يقتصر على مساندة الوزراء والتصويت لصالح مشروعات القوانين التي يقدمونها.
صحيح أن الدستور منح المعارضة مكانة وحقوقاً خاصة تضمن مشاركتها الفعلية في التشريع والمراقبة، لكن الفصل 70 أسند وظيفة مراقبة الحكومة إلى البرلمان كله، دون استثناء أعضاء الأغلبية.
لذلك يظل برلماني الأغلبية مطالباً بتوجيه الأسئلة وكشف الاختلالات والدفاع عن المواطنين، حتى عندما يكون الوزير المعني من حزبه.
فالدعم السياسي للحكومة لا يمنحها حصانة من المساءلة، ولا يحول البرلماني إلى مدافع دائم عن كل قراراتها. بل إن مسؤوليته تقتضي تنبيهها إلى الأخطاء ومساءلتها عن النتائج، خصوصاً عندما تمس قراراتها حياة المواطنين وحقوقهم.
لجان تقصي الحقائق والمهام الاستطلاعية
لا تنحصر الرقابة البرلمانية في الأسئلة الشفوية والكتابية.
فقد أجاز الفصل 67 من الدستور تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق، بمبادرة من الملك أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين.
وتُكلف هذه اللجان بجمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح والمؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج عملها.
ولا يجوز تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن وقائع تخضع لمتابعات قضائية ما دامت هذه المتابعات جارية. كما تنتهي مهمة اللجنة إذا فُتح تحقيق قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها.
وتختلف لجان تقصي الحقائق عن المهام الاستطلاعية المؤقتة التي تُحدثها اللجان البرلمانية لدراسة أوضاع مرفق أو قطاع أو مشروع، والقيام بزيارات ميدانية والاستماع إلى المسؤولين وإعداد تقرير.
غير أن فعالية هذه الآليات لا تُقاس بعدد الزيارات والصور، بل بجودة التقارير، ونشر نتائجها، ومتابعة توصياتها، ومدى مساهمتها في تصحيح الاختلالات.
الرقابة قد تصل إلى إسقاط الحكومة
يمتلك مجلس النواب آليات رقابية يمكن أن تترتب عنها مسؤولية سياسية مباشرة للحكومة.
فالفصل 103 يتيح لرئيس الحكومة أن يربط استمرار الحكومة في تحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح متعلق بالسياسة العامة أو نص يطلب الموافقة عليه. ويؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.
كما يسمح الفصل 105 لمجلس النواب بمعارضة استمرار الحكومة من خلال التصويت على ملتمس للرقابة، وفق شروط دستورية محددة. وتؤدي الموافقة على الملتمس إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.
وتؤكد هذه الآليات أن البرلمان ليس مجرد فضاء لإلقاء الخطب، بل مؤسسة دستورية تملك مراقبة الحكومة وترتيب مسؤوليتها السياسية ضمن الضوابط المقررة.
ثالثاً: تقييم السياسات العمومية
أضاف دستور 2011 إلى التشريع والرقابة وظيفة ثالثة هي تقييم السياسات العمومية.
ولا يعني التقييم الاكتفاء بسؤال الحكومة عن حجم الأموال التي أنفقتها، بل البحث في النتائج التي تحققت مقابل تلك النفقات.
فقد تعلن الحكومة تخصيص مليارات الدراهم لقطاع الصحة، لكن التقييم البرلماني يبحث في ما إذا كانت الخدمات قد تحسنت، ومواعيد الانتظار قد تقلصت، والأطر الصحية قد توزعت بصورة أكثر إنصافاً، والعلاج أصبح متاحاً للمواطنين.
وقد تُعلن خطة للتشغيل، لكن التقييم الحقيقي يبحث في عدد فرص العمل المستدامة التي أحدثتها، والفئات التي استفادت منها، وكلفة كل فرصة، ومدى تحقق الأهداف المعلنة.
وينص الفصل 101 على تخصيص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها.
ويحتاج التقييم الجدي إلى مؤشرات وتقارير ومعطيات موثوقة، وإلى مقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج الفعلية والكلفة المالية والآثار الاجتماعية والمجالية، لا إلى الاكتفاء بالمواقف الحزبية والانطباعات العامة.
هل يستطيع البرلماني «جلب» طريق أو مستشفى؟
يستطيع البرلماني الترافع عن مشروع محلي، لكنه لا ينجزه بصفته البرلمانية.
يمكنه توجيه سؤال إلى الوزير بشأن طريق متدهورة، أو المطالبة بإحداث مستشفى، أو إثارة مشكلة مدرسة، أو مناقشة الميزانية، أو متابعة برمجة المشروع ومراحل تنفيذه.
كما يمكنه نقل شكايات السكان، وجمع المعطيات، وإثارة الملف داخل اللجنة المختصة، ومساءلة الحكومة عن أسباب التأخر ومصادر التمويل وكلفة المشروع.
وقد يساهم هذا الترافع في إدراج المشروع ضمن الأولويات أو تسريع دراسته، ومن حق البرلماني أن يشرح للناخبين ما قام به من خطوات والنتائج التي حققها.
لكن القرار التنفيذي لا يصدر عنه بصفته البرلمانية. فالوزارة أو المؤسسة العمومية أو الجماعة الترابية أو الجهة صاحبة المشروع هي التي تبرمج الاعتمادات، وتطلق الإجراءات والصفقات، وتتابع الأشغال وتتسلمها وفق القانون.
وهناك فرق كبير بين أن يقول البرلماني: «ترافعت عن المشروع، ووجهت بشأنه أسئلة، وتابعت برمجته»، وبين أن يقول: «أنا من أنجز المشروع وأهديته إلى السكان».
العبارة الأولى تصف مساهمة سياسية يمكن توثيقها، أما الثانية فقد تتحول إلى استيلاء رمزي على إنجاز عمومي ممول من أموال المواطنين.
من ينجز المشاريع العمومية فعلياً؟
تُنجز المشاريع العمومية بواسطة جهات تنفيذية متعددة، بحسب طبيعتها ومجالها واختصاصها.
فقد تكون الوزارة المختصة صاحبة المشروع، أو مؤسسة أو مقاولة عمومية، أو مجلساً جهوياً أو إقليمياً أو جماعياً، أو شركة تنمية، أو شراكة تضم عدداً من المتدخلين.
وتخضع هذه المشاريع للدراسات والبرمجة والاعتمادات المالية ومساطر التعاقد والصفقات والمراقبة والتنفيذ. ولا يملك البرلماني، بصفته البرلمانية وحدها، سلطة اختيار المقاولة أو إصدار الأمر بالخدمة أو صرف الاعتمادات.
كما أن التمويل لا يأتي من جيب الوزير أو البرلماني أو رئيس الجماعة، بل من المال العام الذي تتكون موارده أساساً من الضرائب والرسوم ومختلف المداخيل العمومية، إضافة إلى القروض التي تتحمل الدولة التزاماتها.
وحتى عندما ينجح منتخب في الترافع عن مشروع، يجب تقديم مساهمته بحجمها الحقيقي: ترافع ومتابعة، وليس امتلاكاً للمشروع أو منّة على السكان.
لماذا تنتشر صورة «البرلماني صاحب المشاريع»؟
يرتبط هذا التصور بثقافة انتخابية تقيس فعالية البرلماني بما يظهر على الأرض داخل دائرته، وليس بما ينجزه داخل المؤسسة التشريعية.
ويصعب على قطاع واسع من المواطنين متابعة أعمال اللجان والتعديلات ومقترحات القوانين والتصويتات، بينما تكون صورة البرلماني إلى جانب وزير أو داخل ورش سهلة الانتشار والتسويق.
ويستفيد بعض المنتخبين من هذا الخلط، فيقدمون لقاءً مع وزير كما لو كان قراراً نهائياً، والترافع كما لو كان تمويلاً، وبرمجة المشروع كما لو كانت إنجازاً مكتملاً، والمال العام كما لو كان هدية شخصية.
وتتفاقم المشكلة عندما تتحول صفحات التواصل الاجتماعي أو بعض المنابر الإعلامية إلى أدوات دعائية، تنسب المشروع إلى شخص واحد، وتتجاهل مصدر تمويله والجهة صاحبة الاختصاص وبقية المؤسسات والشركاء.
والنتيجة هي إضعاف المحاسبة، لأن المواطن ينشغل بمن «جلب المشروع» بدلاً من مساءلة المسؤولين عن جودة الدراسة، وكلفة الأشغال، ومدة الإنجاز، وشفافية الصفقة، واحترام معايير الجودة والسلامة.
كيف تُقاس الحصيلة الحقيقية للبرلماني؟
لا ينبغي اختزال حصيلة البرلماني في عدد صوره أو لقاءاته أو البلاغات المنشورة باسمه، بل يمكن تقييمها بناءً على مؤشرات أكثر ارتباطاً بوظيفته الدستورية، من بينها:
- حضوره الفعلي في الجلسات العامة واللجان.
- نوعية الأسئلة التي وجهها ومدى متابعته للأجوبة.
- مقترحات القوانين التي تقدم بها أو شارك في إعدادها.
- التعديلات التي قدمها على مشروعات القوانين.
- مداخلاته ومواقفه أثناء مناقشة مشروع قانون المالية.
- طريقة تصويته على القوانين المؤثرة في حياة المواطنين.
- مشاركته في المهام الاستطلاعية ولجان تقصي الحقائق.
- مساهمته في مناقشة السياسات العمومية وتقييمها.
- الملفات المحلية التي ترافع عنها والوسائل الدستورية التي استعملها.
- مدى نشره حصيلة مفصلة وقابلة للتحقق.
- مدى انسجام خطابه داخل الدائرة مع مواقفه وتصويته داخل البرلمان.
وقد يكون البرلماني كثير الظهور الإعلامي، لكنه ضعيف الحضور والتأثير داخل المؤسسة. وقد يكون آخر أقل ظهوراً، لكنه يقدم تعديلات دقيقة، ويشارك بفاعلية في اللجان، ويتابع الملفات إلى نهايتها.
لهذا ينبغي أن تكون المحاسبة مبنية على الوثائق والسجل البرلماني، لا على الدعاية والانطباعات.
أسئلة يتعين توجيهها إلى كل برلماني
بدلاً من الاكتفاء بسؤال البرلماني عن عدد المشاريع التي يزعم أنه «جلبها»، يمكن للناخب أن يوجه إليه أسئلة أكثر ارتباطاً بوظيفته الحقيقية:
كم جلسة عامة واجتماع لجنة حضرت؟ وما أسباب غيابك؟
ما مقترحات القوانين والتعديلات التي قدمتها؟
كيف صوتت على قانون المالية والإجراءات المتعلقة بالضرائب والدعم والأسعار؟
ما موقفك من القوانين المتعلقة بالصحة والتعليم والشغل والتقاعد والحريات؟
هل مارست الرقابة على الوزراء المنتمين إلى حزبك كما مارستها على وزراء الأحزاب الأخرى؟
ما الملفات المحلية التي نقلتها إلى البرلمان؟ وبأي أدوات دستورية؟ وما النتائج الموثقة التي تحققت؟
هل نشرت حصيلتك كاملة، بما فيها مواقفك وتصويتاتك، أم اكتفيت بصور اللقاءات والزيارات؟
وهل دافعت عن المصلحة العامة عندما تعارضت مطالب المواطنين مع موقف الحزب أو الحكومة؟
البرلماني ليس جمعية خيرية ولا صاحب منّة
حين يخلط البرلماني بين الوظيفة التمثيلية والعمل الإحساني، يضعف معنى المؤسسة المنتخبة.
فمساعدة مواطن في ملف إداري أو تغطية تكلفة علاج قد تكون مبادرة إنسانية، لكنها لا تمثل بديلاً عن بناء قوانين ومؤسسات تضمن الحقوق لجميع المواطنين دون وساطة أو ولاء انتخابي.
ودور ممثل الأمة ليس توزيع المساعدات الفردية أو تحويل الحقوق إلى خدمات شخصية، بل العمل حتى يحصل المواطن على حقه من الإدارة والقانون دون حاجة إلى طرق باب السياسي.
وكلما أصبحت الخدمات مرتبطة بتدخل المنتخب، تحولت المواطنة من حقوق مضمونة إلى امتيازات يقدمها الوسيط لمن يقترب منه.
أما دولة المؤسسات، فتقوم على قواعد عامة ومرافق تعمل وفق مبادئ المساواة والإنصاف والجودة والشفافية والمحاسبة، وهي المبادئ التي أكدها الفصل 154 من الدستور.
البرلماني يُنتخب محلياً ويعمل وطنياً
البرلماني يُنتخب داخل دائرة، لكنه يستمد نيابته من الأمة المغربية بكاملها.
يترافع عن طريق أو مستشفى أو مدرسة، لكنه لا يملك مشاريع الدولة ولا ينفذ الصفقات.
ينتمي إلى حزب، لكنه يظل مسؤولاً عن مواقفه وتصويته.
يراقب الحكومة ولا يحل محلها، وتبقى الرقابة من مهامه حتى إذا كان عضواً في أغلبيتها.
ويقترح القوانين ويعدلها ويصوت عليها، ويناقش ميزانية الدولة، ويسائل الوزراء، ويساهم في تقييم البرامج والسياسات العمومية.
لذلك، لا تُقاس حصيلة ممثل الأمة بعدد صوره مع الوزراء أو الأشرطة التي قصها، بل بحضوره ومقترحاته وتعديلاته وأسئلته ومواقفه وتصويتاته، وبالأثر الذي أحدثه داخل المؤسسة التي انتُخب للعمل فيها.
تلك هي المحاسبة الحقيقية، وذلك هو الدور الدستوري للبرلماني: ممثل للأمة، لا مالك لمشاريعها.




