في الرباط، يجلس التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة إلى طاولة حكومية واحدة، ويتقاسمون الحقائب والقرارات والدفاع عن الحصيلة. لكن في تيزنيت، سرعان ما تسقط صورة الانسجام، ويتحول «التحالف الثلاثي» إلى «اختلاف ثلاثي» عنوانه صراع انتخابي محتدم على مقعدين برلمانيين فقط.
الأحرار يدفعون بعبد الله غازي، السياسي الأكثر خبرة وحضوراً داخل المؤسسات المنتخبة. والاستقلال يراهن على لحسن الباز، رجل الأعمال الذي دخل المشهد بثقل مالي واجتماعي واضح. أما الأصالة والمعاصرة، فاختار فؤاد المودني، رئيس أمل تيزنيت، مدفوعاً بالرصيد الجماهيري الذي منحه إياه الصعود التاريخي للفريق إلى القسم الأول الاحترافي.
إنها مواجهة بين ثلاثة مصادر للقوة: السياسة والمال والكرة. لكنها ليست مباراة مغلقة بين أحزاب حكومة عزيز أخنوش، ولا يعني بروز هذه الأسماء أن المقعدين حُسما مسبقاً لفائدة اثنين منها.
فالعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية تستعد بدورها لدخول المنافسة، وقد ينتهي الصراع الثلاثي داخل الأغلبية بفوز مرشحين اثنين منها، أو عبور واحد فقط، أو حتى بخروج الثلاثة جميعاً إذا نجحت المعارضة في استثمار تشتت أصوات الحلفاء.
ثلاثة أحزاب تحكم معاً وتتقاتل منفردة
أعلن التجمع الوطني للأحرار رسمياً ترشيح عبد الله غازي في الدائرة التشريعية لتيزنيت، ضمن قائمة وكلاء لوائح الحزب لاستحقاقات 2026.
كما أعلنت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال تزكية لحسن الباز وكيلاً للائحة «الميزان» بدائرة تيزنيت، ضمن دفعة أولى من مرشحي الحزب للانتخابات التشريعية.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد حسم اختياره لصالح فؤاد المودني، رئيس أمل تيزنيت، لقيادة لائحته في الدائرة نفسها.
وهكذا اكتملت أضلاع المواجهة داخل الأغلبية الحكومية: نائب برلماني ورئيس جماعة يدافع عن موقعه وحصيلته، ورجل أعمال يريد تحويل حضوره الاقتصادي والاجتماعي إلى قوة تمثيلية، ورئيس فريق يدخل السياسة محمولاً على فرحة صعود لم تهدأ أصداؤها بعد.
غير أن الحساب الانتخابي أكثر تعقيداً من مجرد توزيع المقعدين على اسمين من هذه الأسماء. فالدائرة مفتوحة أمام أحزاب أخرى، والناخب غير ملزم بالاختيار داخل مثلث الأغلبية.
في الرباط انسجام.. وفي تيزنيت إقصاء متبادل
حين تتحدث الأحزاب الثلاثة من الرباط، تقدم نفسها باعتبارها أغلبية متماسكة ضامنة للاستقرار الحكومي. ويتقاسم وزراؤها تدبير القطاعات، بينما تصوت فرقها البرلمانية على القوانين والميزانيات وتدافع عن الاختيارات العامة للحكومة.
لكن الانتخابات تضع هذا الانسجام أمام امتحان المصالح.
في تيزنيت، سيخرج كل حزب لإقناع المواطنين بأن مرشحه أفضل من مرشحي حليفيه. وسيصبح نجاح أحد أطراف التحالف مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بإضعاف الطرفين الآخرين وانتزاع الأصوات والشبكات والمنتخبين من تحت أقدامهما.
لذلك، لا تبدو الانتخابات مجرد تنافس بين أحزاب مختلفة، بل أقرب إلى دورة ثانية داخل الأغلبية نفسها لترتيب قوتها بالإقليم.
من يتقدم داخل التحالف؟ ومن يحتل المرتبة الثانية؟ ومن يدفع ثمن اكتظاظ الساحة بالأسماء الثقيلة؟ وهل يستطيع أحد مكونات الأغلبية أن ينتقد حليفه محلياً دون أن يصيب الحكومة التي يشارك فيها وطنياً؟
إنها المفارقة الأكثر إثارة: لكي يفوز الحليف، عليه أن يسقط حليفه.
غازي.. قوة السياسة وعبء الحصيلة
يدخل عبد الله غازي الانتخابات باعتباره الأكثر خبرة بين مرشحي التحالف الثلاثي. فهو نائب برلماني ورئيس جماعة تيزنيت والمنسق الإقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، كما سبق له أن ترأس جماعة أملن والمجلس الإقليمي لتيزنيت.
وتشير سيرته المنشورة إلى أنه ترأس جماعة أملن بين 1997 و2009، وتولى رئاسة المجلس الإقليمي لتيزنيت بين 2009 و2021، قبل انتخابه رئيساً لجماعة تيزنيت.
هذا التراكم يمنحه معرفة دقيقة بالجغرافيا الانتخابية وشبكة واسعة من العلاقات داخل الجماعات والمجالس، فضلاً عن دعم حزب يقود الحكومة ويتمتع بحضور مؤسساتي وازن.
لكن التجربة الطويلة ليست امتيازاً بلا مقابل؛ فهي تعني أيضاً أن غازي يدخل السباق بحصيلة كاملة قابلة للفحص والمحاسبة.
لن يكون كافياً أن يقدم وعوداً جديدة، بل سيكون مطالباً بتوضيح ما أنجزه داخل مجلس النواب، وما تحقق خلال رئاسته لجماعة تيزنيت، وما الذي أضافه موقعه داخل حزب رئيس الحكومة إلى ملفات الإقليم.
وسيواجه أسئلة تتعلق بالطرق والصحة والاستثمار والتشغيل والماء والمشاريع المتعثرة، فضلاً عن مسؤوليته السياسية عن حصيلة حكومة أخنوش.
قوة غازي أنه مرشح مجرب، لكن نقطة ضعفه أنه مرشح جُرّب بالفعل.
الباز.. المال يريد تغيير موازين الدائرة
يدخل لحسن الباز السباق من موقع مختلف. فهو رجل أعمال اختار حزب الاستقلال وضعه على رأس لائحته، في رهان على وجه لم يستهلكه الحضور الطويل داخل المؤسسات المنتخبة.
يرتكز الباز على امتداد اجتماعي واقتصادي وتحركات ميدانية داخل عدد من مناطق الإقليم، إلى جانب صورة رجل الأعمال القادر على بناء العلاقات وتعبئة الإمكانيات.
ويكشف اختياره عن تحول تعرفه صناعة المرشحين داخل الأحزاب المغربية؛ إذ لم تعد التزكية تمر حصراً عبر التدرج التنظيمي والنضال داخل الفروع، بل باتت الأحزاب تبحث عن أسماء جاهزة تمتلك القدرة على الانتشار وتمويل حملة واسعة وربط شبكات المصالح والدعم.
ولا يشكل امتلاك المال أو النجاح في الأعمال دليلاً على أي مخالفة انتخابية. لكن حضور رجال الأعمال بقوة داخل السباق يفرض أسئلة مشروعة حول شفافية التمويل وتكافؤ الفرص وحدود تأثير الإمكانيات المالية في قرار الناخب.
سيكون على الباز أن يثبت أن حضوره يتجاوز القوة الاقتصادية، وأن مشروعه السياسي يتضمن أجوبة واضحة عن مشكلات الإقليم، لا مجرد قدرة على تحريك آلة انتخابية كبيرة.
فالمال يستطيع تمويل الحملة، لكنه لا يستطيع وحده صناعة برنامج، كما أن القوة الاقتصادية لا تتحول تلقائياً إلى كفاءة تشريعية.
المودني.. حين ترتدي الكرة قميص الحزب
أما فؤاد المودني، فيصل إلى المعركة من طريق كرة القدم، بعدما اقترن اسمه بالمسار الذي نقل أمل تيزنيت من أقسام الهواة إلى القسم الأول من البطولة الاحترافية.
تولى المودني رئاسة النادي سنة 2019، قبل أن ينجح الفريق، بمساهمة مكتبه وأطقمه ولاعبيه وجماهيره وداعميه، في تحقيق سلسلة من النتائج انتهت بصعود تاريخي.
وحسم أمل تيزنيت بطاقة الصعود أمام أولمبيك الدشيرة، بعد التعادل دون أهداف في الذهاب، ثم التعادل بهدف لمثله في الإياب، مستفيداً من قاعدة الهدف المسجل خارج الميدان.
منح الإنجاز المودني شعبية واسعة وصورة المسير الناجح، ثم جاء حزب الأصالة والمعاصرة ليضع هذا الرصيد الرياضي في قلب المنافسة الانتخابية.
لكن الانتقال من رئاسة الفريق إلى قيادة لائحة حزبية يضع المودني أمام اختبار دقيق: هل يستطيع تحويل نجاحه الرياضي إلى مشروع سياسي يشمل قضايا إقليم كامل؟ وهل يمكنه الفصل بين نادي أمل تيزنيت وحملة «البام»؟
فالفريق ليس ملكاً سياسياً لرئيسه، والصعود لم يصنعه شخص واحد. إنه إنجاز شارك فيه اللاعبون والأطر والمكتب المسير والجمهور والمحتضنون والسلطات والمجالس المنتخبة ومختلف الداعمين.
من حق المودني الترشح والاستفادة من تجربته في التسيير، لكن لا ينبغي أن تتحول ألوان النادي وصفحاته واحتفالاته وجماهيره إلى أدوات انتخابية. أمل تيزنيت يجمع المدينة، بينما الحزب لا يمثل إلا جزءاً منها.
المقعدان ليسا محجوزين للتحالف
الاهتمام الذي تحظى به أسماء غازي والباز والمودني قد يصنع انطباعاً بأن الانتخابات حُسمت سلفاً لصالح اثنين منهم، وأن السؤال الوحيد هو: من سيكون الخاسر الثالث؟
لكن هذا التصور غير دقيق.
فالمنافسة تشمل أيضاً العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، إلى جانب لوائح أخرى قد تدخل السباق. ولا يمكن قياس قوتها النهائية قبل اكتمال الترشيحات الرسمية وظهور التحالفات المحلية وطبيعة الحملات والبرامج المقدمة.
وقد أطلق حزب العدالة والتنمية بتيزنيت أنشطة تواصلية وحملة للعضوية والتسجيل في اللوائح الانتخابية، ضمن استعداداته المبكرة للاستحقاقات المقبلة.
كما أعلن التقدم والاشتراكية عن دفعة أولى من مرشحيه تشمل 80 دائرة محلية، مع مواصلة الحسم في الدوائر المتبقية.
ويظل الاتحاد الاشتراكي بدوره حاضراً في الخريطة السياسية المحلية، وقادراً، بحسب طبيعة مرشحه وحملته، على استقطاب جزء من الناخبين الباحثين عن بديل لأحزاب الحكومة.
وعليه، فإن السيناريوهات تبقى مفتوحة: قد يفوز اثنان من مرشحي الأغلبية، وقد يعبر واحد منهم فقط بينما يذهب المقعد الآخر إلى المعارضة، كما يمكن أن يخسر المرشحون الثلاثة إذا نجحت لوائح منافسة في تحقيق اختراق كبير.
حرب الحلفاء قد تصبح فرصة للمعارضة
المعضلة الكبرى أمام أحزاب الحكومة أن مرشحيها الثلاثة سيتنافسون داخل مجالات انتخابية واجتماعية متقاربة، وسيحاولون استقطاب المنتخبين والأعيان والشبكات نفسها.
وكلما اشتدت المواجهة، توزعت أصوات الأغلبية بين الحمامة والميزان والجرار، وارتفعت إمكانية استفادة مرشح معارض من قاعدة أكثر انضباطاً أو من أصوات احتجاجية تبحث عن معاقبة الحكومة.
قد يجد التحالف نفسه ضحية لقوته العددية؛ فبدل أن يمنحه وجود ثلاثة مرشحين بارزين فرصة للسيطرة على المقعدين، قد يؤدي التنافس بينهم إلى استنزاف متبادل وفتح الطريق أمام خصومهم.
وفي الانتخابات، لا يكفي امتلاك الأسماء الثقيلة. فقد يخسر المرشح صاحب الشبكة الأوسع إذا حمل حصيلة مثيرة للجدل، وقد لا ينجح رجل الأعمال في تحويل الإمكانيات إلى ثقة، وقد يكتشف رئيس الفريق أن جماهير الكرة لا تصوت بالضرورة للحزب الذي اختاره.
الشعبية الرياضية عاطفة مشتركة، أما التصويت فقرار سياسي فردي.
معارضة أمام خصم واحد بثلاثة رموز
تملك أحزاب المعارضة زاوية خطابية شديدة القوة: المرشحون الثلاثة الذين يتنافسون على تمثيل تيزنيت ينتمون إلى الأحزاب نفسها التي تحمل مجتمعة مسؤولية الحكومة.
ومهما تبادلوا الانتقادات محلياً، فإن خلافهم حول المقعدين لا يمحو تحالفهم في تدبير البلاد.
إذا تحدث مرشح الاستقلال عن غلاء الأسعار أو تعثر بعض السياسات، فسيُسأل عن وزراء حزبه داخل الحكومة. وإذا قدم مرشح «البام» نفسه بديلاً، فسيُذكّر بأن حزبه جزء من الأغلبية. وإذا حاول الأحرار احتكار الإنجازات، فسيواجه بأن تلك الحصيلة تحققت داخل تحالف ثلاثي لا بحزب واحد.
لا يمكن للأحزاب الثلاثة أن تتقاسم المناصب عند النجاح، ثم تتبادل المسؤولية عند الفشل.
وقد يستطيع مرشحو المعارضة تقديم المنافسة باعتبارها مواجهة مع مشروع حكومي واحد يرتدي ثلاثة رموز انتخابية، لا مع ثلاثة بدائل سياسية مستقلة.
من يحاسب من؟
ستضع حملة تيزنيت الأحزاب الحكومية أمام سؤال محرج: كيف يمكن لكل حزب أن يقنع المواطنين بأن حليفيه أقل جدارة بالمقعد، بينما ظل يصفهما طوال الولاية بشريكين في الاستقرار والإنجاز؟
إذا كانت حصيلة الحكومة ناجحة، فلماذا يطلب كل حزب إقصاء حليفه؟ وإذا كانت غير مقنعة، فلماذا استمر التحالف في الدفاع عنها؟
هل سيقدم مرشح الأحرار نفسه حاملاً للحصيلة، بينما يتصرف الاستقلال و«البام» كأنهما لم يشاركا فيها؟ أم سيحاول كل حزب الاحتفاظ بالإنجازات لنفسه، وترك الإخفاقات على عاتق الآخرين؟
المواطن لا يحتاج إلى ثلاث روايات متناقضة لحكومة واحدة. بل يحتاج إلى أجوبة واضحة عن مسؤولية كل حزب، وموقف كل مرشح، وما الذي سيفعله بصورة مختلفة إذا وصل إلى مجلس النواب.
تيزنيت تحتاج برامج لا أباطرة
قد يكون غازي صاحب الخبرة السياسية الأكبر، والباز صاحب الحضور المالي والاجتماعي الأبرز، والمودني صاحب الرصيد الجماهيري الأقوى بعد صعود أمل تيزنيت. لكن أياً من هذه العناصر لا يشكل برنامجاً انتخابياً في حد ذاته.
ما الذي سيقدمه المرشحون لتحسين الخدمات الصحية؟ وكيف سيترافعون عن المناطق الجبلية والقروية؟ وما تصورهم لمعالجة أزمة الماء والعزلة الطرقية وهجرة الشباب وضعف الاستثمار؟
كيف سيدعمون الصناعة التقليدية والسياحة والاقتصاد المحلي؟ وما موقفهم من الغلاء والقدرة الشرائية والتشغيل؟ وكيف سيضمنون الفصل بين المال والحملة، وبين المؤسسة المنتخبة والحزب، وبين النادي الرياضي والمنافسة السياسية؟
المقعد البرلماني ليس مكافأة عن تاريخ سياسي، ولا امتداداً للنجاح في الأعمال، ولا كأساً جديدة تضاف إلى إنجاز رياضي. إنه مسؤولية في التشريع ومراقبة الحكومة والدفاع عن مصالح ساكنة إقليم كامل.
مواطن تيزنيت قد يقلب الطاولة
انتقلت أحزاب حكومة أخنوش في تيزنيت من «التحالف الثلاثي» إلى «الاختلاف الثلاثي»، وبدأ كل حزب يستنفر تنظيماته وشبكاته وإعلامه استعداداً لمعركة لن تتسع نتائجها للجميع.
لكن المواطن ليس ملزماً بالاختيار داخل هذا المثلث.
يمكنه أن يمنح المقعدين لحزبين من الأغلبية، أو يمنح واحداً منها مقعداً ويختار المعارضة في المقعد الثاني، أو يعاقب التحالف بأكمله إذا لم يجد في مرشحيه وحصيلته ما يستحق الثقة.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: أي اثنين من غازي والباز والمودني سيفوزان؟ بل: هل ينجح صراع السياسة والمال والكرة في حسم المقعدين، أم تتحول حرب الحلفاء إلى فرصة تاريخية للعدالة والتنمية أو الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية؟
في الرباط، تجمعهم الحكومة. وفي تيزنيت، تفرقهم المقاعد. لكن الكلمة الأخيرة لن تكون للسياسي الأكثر نفوذاً، ولا لرجل الأعمال الأكثر قدرة، ولا لرئيس الفريق الأكثر شعبية.
الكلمة الأخيرة ستكون للناخب؛ فهو الوحيد القادر على تحويل «الاختلاف الثلاثي» إلى انتصار لأحد الحلفاء، أو إلى هدية غير متوقعة للمعارضة، أو إلى عقاب جماعي يبعثر جميع الحسابات.
تيزنيت/ عبدالله بن عيسى




