بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية مدير مهرجان جذور
- يُمنع الاحتفاء بالجذور في موسم الاحتفاء بالوطن؟
في كل صيف، تتحول ربوع المملكة إلى فضاءات للاحتفاء بالوطن. من طنجة إلى الكويرة، تنبض المدن والقرى بالمهرجانات والملتقيات والندوات والأنشطة الفنية والثقافية، احتفاءً بعيد العرش المجيد، وعيد الشباب، وذكرى ثورة الملك والشعب. إنها مناسبات لا تقتصر على الاحتفال، بل تجسد قيم الوفاء للوطن، والاعتزاز بالمؤسسات، والتشبث بالهوية المغربية الأصيلة.
لكن، وسط هذا المشهد الوطني العام، يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح: لماذا يُمنع تنظيم مهرجان “جذور” في الأخصاص، بينما تستمر أنشطة مماثلة في مختلف جهات وأقاليم المملكة؟
ليس السؤال اعتراضًا على تطبيق القانون، ولا تشكيكًا في صلاحيات الإدارة، وإنما هو سؤال مشروع يطرحه كل متتبع يبحث عن وضوح المعايير ووحدة تطبيقها.
لقد اختار مهرجان “جذور” لهذه السنة شعارًا بليغًا: “جذور راسخة… أرحام موصولة… وآفاق إفريقية واعدة”. شعار يختزل فلسفة المهرجان، القائمة على ترسيخ الانتماء الوطني، وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، ومد جسور التواصل مع العمق الإفريقي للمملكة، انسجامًا مع التوجهات الكبرى التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
ولعل سؤالًا آخر يفرض نفسه كذلك: كيف يُمنع مهرجان “جذور” بالأخصاص، وهو فضاء يجمع ممثلي القبائل الصحراوية المغربية، و الطلبة الأفارقة المتخرجين ، وفعاليات مدنية وإعلامية وثقافية من داخل المغرب وخارجه، ويجسد قيم صلة الرحم، والانتماء الوطني، والانفتاح على العمق الإفريقي للمملكة، بينما تحتضن مدن وأقاليم أخرى مهرجانات وتظاهرات مماثلة خلال الفترة نفسها؟ أليس من الأولى تشجيع المبادرات التي تعزز الروابط الإنسانية والثقافية، وتنسجم مع التوجه المغربي الذي جعل من التعاون جنوب،جنوب، ومن تعزيز الحضور المغربي في إفريقيا، خيارًا استراتيجيًا ثابتًا؟
ولم يُعرف عن هذا المهرجان، منذ تأسيسه، أنه كان منبرًا للدعاية السياسية أو الحزبية، بل ظل فضاءً للثقافة والعمل المدني وخدمة المجتمع. كما يؤكد منظموه أنهم لا ينتمون إلى أي حزب سياسي، ولا تربطهم بالاستحقاقات الانتخابية إلا الرغبة في أن تمر في أجواء ديمقراطية سليمة، شأنهم شأن جميع المواطنين.
ويزداد هذا المعطى وضوحًا إذا علمنا أن المهرجان لا يحظى بأي تمويل من جهة رسمية أو خاصة، ولا تدعمه أي هيئة سياسية أو حزب أو شركة، وإنما يعتمد منظموه على إمكانياتهم الذاتية، وعلى مساهماتهم الشخصية وتطوعهم من أجل إنجاح هذه المبادرة الثقافية، إيمانًا منهم برسالتها في خدمة المنطقة وتعزيز إشعاعها الثقافي والاجتماعي.
الأكثر من ذلك، فإن المسؤول عن المهرجان دأب، منذ ثمانينيات القرن الماضي، على المساهمة في الاحتفاء بعيد العرش المجيد، وفاءً لثوابت الأمة المغربية، وهو ما يجعل ارتباط هذه المبادرة بالأعياد الوطنية امتدادًا لمسار طويل، لا علاقة له بظرف انتخابي عابر.
فإذا كانت العلة هي اقتراب الانتخابات التشريعية، فإن التساؤل يصبح أكثر إلحاحًا. فالمهرجان لا يتزامن أصلًا مع فترة الحملة الانتخابية، إذ يفصل بين موعد تنظيمه وانطلاق الحملة الرسمية أزيد من شهر ونصف، وهو ما يجعل الربط بين تنظيمه وبين أي دعاية انتخابية أمرًا يصعب تبريره موضوعيًا. كما أن الحملة الانتخابية لا تنطلق إلا داخل الآجال القانونية التي تحددها النصوص المنظمة للاستحقاقات الانتخابية، وهو ما يعزز استقلالية هذا النشاط عن أي سياق انتخابي.
ثم هل تم تعليق جميع الأنشطة الثقافية والفنية بالمملكة خلال هذه الفترة؟ أم أن المنع اقتصر على الأخصاص وحدها؟ وإذا كانت باقي الأقاليم تحتضن مهرجانات وملتقيات خلال الفترة نفسها، فما الذي يجعل الأخصاص استثناءً؟
إن مبدأ المساواة أمام القانون يقتضي أن تكون المعايير واحدة، وأن تكون القرارات منسجمة في مختلف التراب الوطني. فحين تختلف التطبيقات، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المواطنون عن أسباب هذا الاختلاف، لا من باب التصعيد، وإنما من باب الحرص على الشفافية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
إن الأخصاص ليست في حاجة إلى مزيد من الانكماش الثقافي، بل إلى مبادرات تزرع الأمل، وتفتح المجال أمام الشباب، وتربط الأجيال بتاريخها، وتعزز قيم الانتماء والتضامن. فالثقافة ليست ترفًا، بل هي رافعة للتنمية، وجسرًا للحوار، وأحد أعمدة الأمن الفكري والاجتماعي.
إن الاحتفاء بعيد العرش المجيد، وعيد الشباب، وذكرى ثورة الملك والشعب، لا ينبغي أن يظل حكرًا على المدن الكبرى أو الجهات الأكثر حظًا، بل هو حق معنوي لكل ربوع الوطن، ولكل الجمعيات والمبادرات الجادة التي تجعل من الوطنية ممارسة يومية، لا شعارًا موسميًا.
ويبقى الأمل أن تُقدَّم التوضيحات الكافية بشأن هذا القرار، وأن يُفتح المجال أمام المبادرات الثقافية الجادة متى استوفت الشروط القانونية، حتى تبقى الأخصاص، كما كانت دائمًا، جزءًا فاعلًا من المشهد الثقافي الوطني، لا استثناءً يثير التساؤلات.
فالاحتفال بالوطن لا يضعف الدولة، بل يقويها. والثقافة لا تنافس السياسة، بل تسمو فوقها. أما الجذور الراسخة، فلا يمكن أن تنبت إلا في تربة يسودها العدل، وتتكافأ فيها الفرص، ويشعر فيها الجميع بأن القانون يُطبق بروح واحدة على الجميع.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل المطلوب من المبادرات الثقافية المستقلة أن تنكفئ، أم أن الواجب هو احتضانها وتشجيعها ما دامت تحترم القانون، وتخدم الوطن، وتُعلي من قيم المواطنة والتضامن؟ فمهرجان “جذور” لم يكن يومًا مشروعًا انتخابيًا، ولا منصةً حزبية، ولا مناسبةً مدعومة من أي جهة سياسية أو شركة أو جهة ممولة، بل كان وسيظل مبادرةً مدنيةً مستقلة، صنعها أبناء المنطقة بإمكاناتهم الذاتية، ليكون فضاءً يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويحتفي بالمغرب في تنوعه ووحدته وامتداده الإفريقي.
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تنجزه مؤسساتها، بل أيضًا بما تتيحه لمواطنيها من فضاءات للإبداع والمبادرة والعمل التطوعي. وحين يشعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع بالمعيار نفسه، تترسخ الثقة، ويزداد الانتماء، ويصبح الاحتفاء بالأعياد الوطنية تعبيرًا صادقًا عن وحدة الوطن، لا مناسبةً يختلف فيها التعامل من منطقة إلى أخرى.
ويبقى الأمل أن تجد هذه الأسئلة ما تستحقه من توضيح، وأن تظل الأخصاص، كما كانت دائمًا، حاضرة في المشهد الثقافي الوطني، مساهمة في ترسيخ قيم الوفاء للعرش، والانتماء للوطن، والانفتاح على العمق الإفريقي للمملكة، في ظل دولة الحق والقانون التي يتساوى فيها الجميع أمام نفس القواعد ونفس المعايير.
و للحديث بقية….




