لا أدرك كيف أرثيك.. بل ومتى كانت القيم النبيلة تُعرَّض للرثاء وهي الحية فينا أبد الدهر؟
حين يمر اسمك اليوم بين مَن تبقى من جيلك يتذكرون بكبرياء أول حارس مرمى لأول فريق في إنزكان . يبتسمون لتاريخ كروي قديم لكنهم لا يعلمون أن تلك الصفة لم تكن مجرد موقع في ملعب كرة قدم.. بل كانت بياناً لشغفك الإنساني وفلسفة سِرت بها في هذه الحياة:
أن تكون دوماً الحارس والدرع الأمين والسد المنيع الذي يحمي الآخرين.
تنقلتَ من حراسة الشباك إلى حراسة الأرواح يوم أصبحت حارساً عاماً بداخلية يوسف بن تاشفين.
ولو أردنا اليوم أن نُجري إحصاءً شاملاً لكل العيون التي سهرتَ على قيامها وقعودها وعلى راحتها وتغذيتها طيلة نصف قرن من الزمن لوجدنا أنفسنا أمام شعبٍ بكامله يتوزع اليوم كآباء وأجداد وكتُقاة ومسؤولين في مختلف المواقع والمناصب عبر تراب هذا الوطن.
لو جمعتَ هؤلاء جميعاً على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم والمناصب التي وصلوا إليها لما اختلفوا على كلمة واحدة تُختصر فيها كل معاني النبل المغربي الأصيل:
(الله يَعْمَرْهَا دَار).
لقد كنتَ لهم الأب الذي لم تنجبه أرحام أمهاتهم والحماية الدافئة التي أظلتهم في غربتهم الدراسية وهم يركضون خلف أول حلم جامعي.. في زمن كانت الداخليات فيه مبعثاً للغربة كنتَ أنت الاستثناء تصنع الدفء وتبث الطمأنينة وتتركها تأخذ مجراها الهادئ نحو قلوب الجميع.
لم تكن رجل كلام بل كنتَ رجلاً صموتاً.. صمتاً يفيض هيبة وعفافاً حتى لكأن روحك الطاهرة بنقائها وطيب أثرها كانت تصل إلى المكان قبل أن تطأه أقدامك.
ولم تكن ابتسامتك مجرد تعبير عابر على وجهك بل كانت مرآةً لروحك الطيبة وقلبك النقي لغةً دافئة تفهمها كل القلوب وتُعبّر عن المودة والاحتضان الأبوي الذي تطوّق به الجميع.
وهكذا دون أن تدعي شيئاً أصبحت حارساً للقيم ذاتها تحمي التواضع بالأنفة وتسيّج الكبرياء بالبساطة
ولأن التاريخ الإنساني يُكتب بالمواقف لا بالشعارات فإن ذاكرتي تحتفظ بلمسة نبل حية تشهد على معدنك الأصيل ففي عشية اجتيازنا لامتحان الباكالوريا نحن أبناء مدينة إنزكان استقر بنا المقام بداخلية يوسف بن تاشفين حسب النظام القديم
ولجتُ مكتبك وخاطبتُك بالأمازيغية لغة الوجدان والهوية والروابط المشتركة مبلغاً إياك تحية زميلك بإنزكان ثم اندفعتُ بكثير من التوسل والاستعطاف الذكي بمنح بعض اصدقائنا الغير الممنوحين إمكانية توفير وجبة الغداء طيلة مدة الامتحان نظرا لهشاشتهم ووضعهم الإجتماعي
حينها نظرتَ إليّ برقة الأب المربي الذي يفهم نبض الهامش وقلت بنبرة تطمئن الخائف:
( غداً يكون خير.. انتظركم قبل وجبة الغداء بمكتبي)
وحين حانت ساعة اللقاء لم تكتفِ بضمان الوجبات لأصدقائي الخمسة بل تجاوزت العقد الإداري والشكليات العقيمة لتضمن لنا المبيت أيضاً طيلة أيام الامتحان في ترفعٍ نبيل وشهامة رجل لا يتردد في التضحية حين يتعلق الأمر بمستقبل أبناء الشعب.
هاانت ترحل عنا جسداً
ولن نثريك
وكيف يُرثى مَن ترك خلفه أجيالاً تدعو له وقيمًا حرسها بقلبه حتى آخر رمق؟
رحمك الله يا حارس الذكريات الجميلة ويا من كتبتَ بأخلاقك تاريخاً أنبل من أن تطويه الأيام.
لروحك الطاهرة كل الرحمة والمغفرة استاذي النبيل
مبارك الشرعي
يوسف غريب الإنزگاني




