بقلم: أحمد بومهرود
باحث في الإعلام والصناعة الثقافية
«﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾»
- رؤية من البحث العلمي حول دور المهرجانات في الاقتصاد الإبداعي والدبلوماسية الثقافية والتنمية المستدامة.
كلما ذُكرت المهرجانات الثقافية، انصرف ذهن كثيرين إلى حفلات فنية أو تظاهرات موسمية تنتهي بانتهاء أيامها. غير أن هذا التصور لم يعد ينسجم مع التحولات التي يشهدها العالم، حيث أصبحت الثقافة ركيزة من ركائز الاقتصاد الإبداعي، وأداة للدبلوماسية الثقافية، ووسيلة لتعزيز المكانة الدولية للدول والمجتمعات.
ففي التجارب الرائدة، لم تعد المهرجانات مجرد منصات للفرجة، بل تحولت إلى مشاريع استراتيجية تُساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمار والسياحة، وإبراز الهوية الوطنية، وتعزيز الحوار بين الثقافات. إنها مؤسسات تنتج قيمة مادية ورمزية، وتُقاس نتائجها بما تتركه من أثر مستدام، لا بعدد الحفلات أو حجم الجمهور فقط.
هذا التحول في الرؤية كان منطلقًا لبحث أكاديمي أنجزته حول تسويق الثقافة الإفريقية عبر المهرجانات كرافعة للصناعة الثقافية، حيث كشفت الدراسة أن الاستثمار الحقيقي في الثقافة يبدأ عندما ننظر إليها باعتبارها قطاعًا منتجًا، لا مجالًا للإنفاق أو الترفيه فقط.
وأظهرت نتائج البحث أن المهرجان الناجح لا يُختزل في برنامج فني يمتد بضعة أيام، بل يمثل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يشتغل على مدار السنة، يجمع بين التكوين، والإنتاج، والتوثيق، والبحث العلمي، والتواصل الإعلامي، والشراكات المؤسساتية. فالأثر الحقيقي للمهرجان يقاس بما يخلقه من فرص، وما يراكمه من معرفة، وما يرسخه من حضور ثقافي داخل المجتمع وخارجه.
ومن خلال التجربة الميدانية داخل جمعية المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية بالمغرب، بدا واضحًا أن الثقافة الإفريقية تمتلك رصيدًا حضاريًا هائلًا يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية وثقافية إذا أُحسن تدبيره وتسويقه. فالفنون الشعبية، والموسيقى، والرقص، والحكاية، واللباس التقليدي، و الطبخ، والذاكرة الجماعية، ليست مجرد موروثات للمحافظة عليها، بل موارد قادرة على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل وتعزيز الإشعاع الثقافي.
كما برهنت التجربة على أن المهرجانات يمكن أن تكون فضاءات للدبلوماسية الثقافية، تساهم في توطيد العلاقات بين المغرب وعمقه الإفريقي، وتعزز التقارب بين الشعوب من خلال الثقافة أكثر مما تفعله الخطابات الرسمية. فالقوة الناعمة أصبحت اليوم أحد أهم أدوات الحضور الدولي، والثقافة تمثل قلب هذه القوة.
لكن تحقيق هذا الطموح يظل رهينًا بتجاوز عدد من التحديات، من بينها محدودية التمويل، وضعف التوثيق، والحضور الرقمي غير الكافي، وغياب آليات علمية لقياس الأثر الثقافي والاجتماعي للمشاريع. لذلك فإن تطوير القطاع الثقافي يقتضي اعتماد رؤية استراتيجية تجعل من الحكامة والابتكار والتقييم المستمر عناصر أساسية في تدبير العمل الثقافي.
وفي هذا الإطار، يبرز الإعلام كشريك لا غنى عنه في صناعة الأثر الثقافي. فهو لا يكتفي بتغطية الأنشطة، بل يساهم في بناء الصورة، وتوثيق التجارب، وإنتاج السردية الثقافية، وإبراز التنوع الحضاري، خاصة في ظل التحول الرقمي الذي جعل المحتوى الإعلامي أحد أهم أدوات التأثير.
ومن هذا المنطلق، جاء تصوري لإطلاق مؤسسة إعلامية إفريقية متخصصة، تعنى بإنتاج محتوى يعكس غنى القارة وتنوعها الحضاري، ويعزز التعاون الثقافي بين المغرب والدول الإفريقية، بعيدًا عن الصور النمطية التي اختزلت إفريقيا لعقود في أزماتها وتحدياتها، متجاهلة ما تزخر به من إبداع وطاقات وتجارب إنسانية.
لقد أكدت لي تجربة البحث العلمي أن قيمة الجامعة لا تكتمل بمنح الشهادات، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وربطها بحاجات المجتمع. فالرسائل الجامعية ليست غاية في ذاتها، بل ينبغي أن تتحول إلى أفكار ومبادرات وسياسات تساهم في التنمية وصناعة المستقبل.
واليوم، بعد نيل درجة الماستر بتقدير حسن جدًا مع توصية اللجنة العلمية بنشر الرسالة، أزداد اقتناعًا بأن المسؤولية الحقيقية تبدأ بعد التخرج، وأن البحث العلمي لا يحقق رسالته إلا عندما يغادر رفوف المكتبات إلى فضاء النقاش العمومي، ويقدم حلولًا واقعية لقضايا المجتمع.
إن مستقبل الثقافة لن تصنعه كثرة التظاهرات وحدها، بل تصنعه الرؤية، والمؤسسات، والاستثمار في الإنسان، وربط الثقافة بالاقتصاد والمعرفة والإعلام. وعندما ننجح في ذلك، ستصبح المهرجانات أكثر من مناسبة للاحتفال؛ ستغدو صناعة للمستقبل، وجسرًا للتنمية، وأحد أهم أدوات القوة الناعمة للمغرب وإفريقيا.




