ارتفعت أسعار النفط، اليوم الثلاثاء، غير أن مكاسبها ظلت محدودة، في ظل تحول اهتمام المتعاملين نحو مؤشرات نمو المعروض العالمي وآفاق الطلب، بعد تراجع التأثير المباشر للتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على حركة الأسواق.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 28 سنتا، أي بنسبة 0,39 في المائة، لتصل إلى 72,29 دولارا للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بـ29 سنتا، أو ما يعادل 0,26 في المائة، إلى 68,84 دولارا للبرميل. وتطابق هذه الأرقام ما أوردته وكالة رويترز في تحديثها الصادر اليوم بشأن حركة أسعار النفط.
ويأتي هذا الارتفاع الطفيف بعد مرحلة اتسمت بتقلبات واضحة في سوق الطاقة، حيث تراجع تأثير المخاوف المرتبطة بالإمدادات في الشرق الأوسط، مقابل عودة المستثمرين إلى مراقبة أساسيات السوق، خصوصا مستويات الإنتاج، وحركة الطلب العالمي، وقرارات كبار المنتجين.
مكاسب محدودة رغم الارتفاع
رغم صعود الخامين الرئيسيين، فإن حجم الزيادة يعكس حالة حذر واضحة داخل السوق. فالارتفاع بأقل من نصف نقطة مئوية بالنسبة إلى برنت، وبنحو ربع نقطة مئوية بالنسبة إلى الخام الأمريكي، يوحي بأن المتعاملين لا يتجهون بعد إلى موجة شراء قوية، بل يراقبون المعطيات الجديدة قبل بناء مراكز أكبر.
وتشير رويترز إلى أن تركيز السوق انتقل نحو تعافي الإمدادات وآفاق الطلب، بعدما تراجع زخم المخاوف المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وهذا التحول مهم، لأن أسعار النفط لا تتحرك فقط بالأخبار السياسية أو الأمنية، بل تتأثر أساسا بتوازن العرض والطلب. فعندما ترتفع احتمالات زيادة المعروض أو ضعف الطلب، تصبح المكاسب السعرية محدودة، حتى في حال وجود بعض المخاطر الجيوسياسية.
المعروض يعود إلى الواجهة
خلال الأيام الأخيرة، استقرت الأسعار قرب مستويات ما قبل التصعيد المرتبط بإيران، في وقت تزايد فيه الحديث عن نمو الإنتاج النفطي. وكانت رويترز قد أفادت، أمس الاثنين، بأن أسعار النفط استقرت قرب مستويات ما قبل حرب إيران، مع نمو إنتاج الخام واتفاق “أوبك+” على رفع أهداف الإنتاج بـ188 ألف برميل يوميا ابتداء من غشت.
هذا المعطى يضغط عادة على الأسعار، لأن ارتفاع الإنتاج يعني إمكانية توفر كميات أكبر في السوق، ما لم يقابله نمو قوي في الطلب العالمي.
كما أن خفض السعودية لأسعار البيع الرسمية لبعض خاماتها الموجهة إلى آسيا، وفق تحليل رويترز، يعكس منافسة أقوى على الحصص السوقية، ويؤشر إلى أن المنتجين باتوا أكثر حساسية تجاه الطلب الآسيوي، خاصة في ظل منافسة من موردين آخرين داخل المنطقة.
الطلب العالمي يفرض إيقاعه
في المقابل، تظل آفاق الطلب العامل الثاني الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار خلال المرحلة المقبلة. فالأسواق تراقب مؤشرات الاستهلاك في الولايات المتحدة والصين وأوروبا، إلى جانب بيانات المخزونات وحركة المصافي، لمعرفة ما إذا كان الطلب قادرا على امتصاص أي زيادة في المعروض.
وعادة ما يؤدي ضعف الطلب، أو تباطؤه، إلى كبح أي ارتفاعات قوية في أسعار النفط، حتى لو سجلت الأسعار صعودا مؤقتا بفعل عوامل سياسية أو فنية.
وبالنسبة للدول المستوردة للطاقة، ومنها المغرب، فإن استقرار النفط في مستويات أقل من ذروات التوتر الجيوسياسي يظل عاملا مهما في مراقبة كلفة الاستيراد وأسعار المحروقات، رغم أن الأسعار المحلية تتأثر أيضا بعوامل أخرى، من بينها سعر الصرف، وهوامش التوزيع، وتكاليف النقل والتخزين.
ماذا يعني ذلك للمستهلك المغربي؟
ارتفاع النفط عالميا لا ينعكس دائما بشكل فوري أو آلي على أسعار المحروقات في السوق الوطنية، لكنه يبقى مؤشرا مهما بالنسبة للمستوردين والمهنيين والمستهلكين.
فكلما استقرت الأسعار الدولية قرب مستويات معتدلة، خفت الضغوط على كلفة الاستيراد. أما إذا عادت الأسعار إلى الارتفاع القوي، خاصة بفعل توترات جيوسياسية أو خفض مفاجئ في الإنتاج، فإن ذلك قد ينعكس لاحقا على أسعار الوقود، حسب تطورات السوق وآليات التسعير المعتمدة.
وفي الوقت الحالي، تبدو الأسواق في وضع ترقب أكثر من اندفاع. الأسعار ارتفعت، لكنها لم تقفز. والسبب أن المتعاملين يوازنون بين تراجع المخاوف الجيوسياسية من جهة، واحتمالات نمو المعروض أو تباطؤ الطلب من جهة أخرى.
سوق ينتظر إشارات أوضح
خلاصة المشهد أن النفط بدأ جلسة الثلاثاء على ارتفاع محدود، لكنه ما يزال أسير أسئلة أكبر: هل يستمر نمو المعروض؟ هل يصمد الطلب العالمي؟ وهل تبقى توترات الشرق الأوسط تحت السيطرة؟
إلى أن تتضح هذه المعطيات، قد تواصل الأسعار التحرك في نطاق محدود، مع قابلية للتقلب عند صدور أي بيانات جديدة حول الإنتاج أو المخزونات أو الطلب، أو عند حدوث تطور سياسي مفاجئ في مناطق الإنتاج والنقل.
فالنفط، في النهاية، لا يتحرك بسعر البرميل وحده، بل يتحرك بتوازن دقيق بين السياسة والاقتصاد والمخزون وثقة السوق.



