صادق مجلس النواب، في جلسة تشريعية عقدها أمس الاثنين، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وذلك في إطار قراءة ثانية، بعد عودته من مجلس المستشارين محملا بعدد من التعديلات التي همت مقتضيات أساسية داخل النص.
وحظي مشروع القانون بموافقة 85 نائبا برلمانيا، فيما عارضه 35 آخرون، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت، في محطة تشريعية جديدة تضع النص على مسافة قريبة من استكمال مساره البرلماني، بعد أشهر من النقاش السياسي والمهني والقانوني حول مستقبل مهنة المحاماة بالمغرب.
وتأتي هذه المصادقة في سياق خاص، بالنظر إلى الحساسية التي يكتسيها مشروع القانون داخل الجسم المهني، وإلى النقاش الواسع الذي رافقه حول استقلالية المحاماة، وضمانات الدفاع، وشروط الولوج، وحكامة الهيئات، والعلاقة بين المحامي وموكله.
قراءة ثانية بعد تعديلات مجلس المستشارين
لم يكن تصويت مجلس النواب مجرد إعادة مرور عادي للنص. فمشروع القانون رقم 66.23 عاد إلى الغرفة الأولى في إطار قراءة ثانية، بعدما سبق لمجلس المستشارين أن أدخل تعديلات عليه.
وتفيد معطيات مجلس المستشارين أن مكونات المجلس تقدمت بما مجموعه 266 تعديلا حول مشروع القانون، عرضت على لجنة فرعية، وأسفرت أشغالها عن إدخال 48 تعديلا في إطار 35 مادة. كما صادق مجلس المستشارين على المشروع بالأغلبية في الجلسة العامة المنعقدة بتاريخ 23 يونيو 2026.
هذا المسار يكشف حجم النقاش الذي أثاره المشروع داخل المؤسسة التشريعية. فالقانون لا ينظم مهنة عادية، بل مهنة ترتبط عضويا بالحق في الدفاع، وبضمانات المحاكمة العادلة، وبثقة المواطن في العدالة.
تعديلان من وزير العدل قبل الحسم
خلال الجلسة، صادق مجلس النواب على تعديلين تقدم بهما وزير العدل عبد اللطيف وهبي. التعديل الأول هم المادة 77، المتعلقة بتصفية المبالغ المودعة بحساب الودائع والأداءات، بينما هم التعديل الثاني المادة 131 الخاصة بشروط الترشح لعضوية مجلس الهيئة.
التعديل المرتبط بالمادة 77 حظي بموافقة 115 نائبا مقابل امتناع نائبتين، ويقضي بحذف عبارة “تخصص لمصاريف تدبير الحساب أعلاه” من الفقرة التي تجيز لمجلس الهيئة اقتطاع مبالغ من أتعاب المحامي المصفاة وفق أحكام المادة نفسها، على ألا يتجاوز هذا الاقتطاع نسبة 10 في المائة من الأتعاب المذكورة.
كما صادق المجلس على حذف الفقرة الأخيرة من المادة ذاتها، والتي كانت تنص على أنه لا يحق لمجلس الهيئة خصم أي مبلغ من المبالغ المصفاة وفق أحكام الفقرة الأولى من المادة.
هذا التعديل يبدو تقنيا في ظاهره، لكنه يمس نقطة حساسة تتعلق بتدبير المبالغ المودعة والأتعاب المصفاة، وبحدود تدخل مجلس الهيئة في الاقتطاع منها. لذلك، يحمل التعديل رسالة واضحة: ضبط العبارة القانونية، وتفادي أي غموض قد يفتح الباب أمام تأويلات مختلفة أثناء التطبيق.
المادة 131.. نقاش الترشح داخل مجالس الهيئات
أما التعديل الثاني، الذي تمت المصادقة عليه بالإجماع، فيهم المادة 131 المرتبطة بشروط الترشح لعضوية مجلس الهيئة. واقترح وزير العدل حذف عبارة “سواء بشكل متتال أو منفصل” من الشرط الذي ينص على ألا يكون المترشح نقيبا سابقا أو عضوا بالمجلس لولايتين.
ويكتسي هذا التعديل أهمية داخلية بالنسبة لحكامة هيئات المحامين، لأنه يرتبط بحدود الترشح والتداول داخل مجالس الهيئات. فمثل هذه الصياغات، وإن بدت مختصرة، يمكن أن تؤثر عمليا في حق الترشح، وفي تفسير الولايتين، وفي هامش مشاركة النقباء السابقين أو أعضاء المجالس المهنية.
وبالمصادقة على هذا التعديل بالإجماع، يكون مجلس النواب قد اختار تخفيف صياغة قد تُقرأ بشكل واسع أو مقيد، حسب زاوية التأويل، في انتظار ما سيستقر عليه النص عند استكمال مسطرته التشريعية.
مشروع يراهن على تحديث المهنة
تقدم وزارة العدل مشروع القانون رقم 66.23 باعتباره جزءا من ورش تحديث منظومة العدالة وتطوير المهن القانونية والقضائية. وسبق للوزارة أن أوضحت، عند تقديم المشروع، أنه يروم تأهيل مهنة المحاماة وتعزيز دورها داخل المنظومة القضائية، باعتبار المحامي فاعلا محوريا في تكريس الحق في الدفاع وصون الحريات.
ومن أبرز الملامح التي قدمتها وزارة العدل بشأن المشروع اعتماد نظام المباراة لولوج مهنة المحاماة، وإقرار مسار تكويني يجمع بين التكوين النظري داخل المعهد والتدريب الميداني، والتنصيص على إلزامية التكوين المستمر، بما يهدف إلى رفع جودة التأهيل المهني ومواكبة التحولات القانونية والقضائية.
كما يتضمن المشروع، وفق وزارة العدل، مقتضيات تهم تنويع أشكال ممارسة المهنة، سواء بشكل فردي أو في إطار شراكات أو شركات مهنية، إضافة إلى إمكانية التعاون مع محامين أجانب وفق ضوابط قانونية دقيقة.
التكليف الكتابي.. شفافية أكبر بين المحامي وموكله
من المستجدات التي تراهن عليها الحكومة في هذا النص التنصيص، لأول مرة، على إلزامية توفر المحامي على تكليف مكتوب من موكله، يتضمن معطيات دقيقة حول طبيعة القضية والأتعاب.
وتعتبر وزارة العدل أن هذا الإجراء يروم وضع حد للإشكالات التي كانت تثار بشأن النيابة، وتعزيز الشفافية في العلاقة بين المحامي والموكل. كما سبق للوزارة أن أكدت أن اعتماد التكليف الكتابي من شأنه توضيح طبيعة العلاقة المهنية وضمان الحقوق والالتزامات بين الطرفين.
هذا المقتضى يهم المتقاضي كما يهم المحامي. فمن جهة، يمنح الموكل وثيقة واضحة تحدد نطاق العلاقة والأتعاب. ومن جهة ثانية، يحمي المحامي من النزاعات التي قد تنشأ لاحقا حول طبيعة التكليف أو حدوده أو المقابل المتفق عليه.
لكن نجاح هذا المستجد سيبقى مرتبطا بطريقة تنزيله، وبمدى وضوح النماذج المعتمدة، وبقدرة الهيئات على مواكبة المحامين والمتقاضين في فهم هذا التحول.
حصانة الدفاع وحضور النقيب
أكدت وزارة العدل أن المشروع أولى عناية خاصة لتعزيز حصانة الدفاع، من خلال إقرار ضمانات قانونية جديدة، لا سيما في حالات متابعة المحامي، مع إشراك النقيب في الإجراءات المرتبطة بذلك.
هذا الجانب من أكثر النقاط حساسية داخل النقاش المهني، لأن المحاماة لا تمارس وظيفتها فقط كخدمة قانونية، بل كجزء من ضمانات المحاكمة العادلة. وكلما كانت ضمانات الدفاع واضحة ومتوازنة، تعززت ثقة المتقاضين في العدالة.
غير أن النقاش حول الحصانة المهنية غالبا ما يقوم على توازن دقيق: حماية المحامي أثناء أدائه لمهامه من جهة، وضمان عدم تحول هذه الحماية إلى امتياز خارج قواعد المسؤولية من جهة أخرى.
التأديب والحكامة المهنية
يتضمن المشروع أيضا مقتضيات تهم التأديب وحكامة الهيئات المهنية. ووفق وزارة العدل، جاء المشروع بمقاربة تقوم على تحديد الآجال وتعليل القرارات، من خلال إلزام النقيب بالبت في الشكايات داخل أجل شهر، مع فتح إمكانية الطعن.
كما يتضمن المشروع إجراءات تروم تحديث حكامة الهيئات، من بينها حصر ولاية النقيب في مدة واحدة غير قابلة للتجديد، وتعزيز تمثيلية النساء داخل مجالس الهيئات المهنية.
وتطرح هذه المقتضيات سؤالا مركزيا: كيف يمكن تطوير الحكامة الداخلية للهيئات دون المساس باستقلاليتها؟ فالهيئات المهنية مطالبة بالشفافية والتجديد، لكنها في الوقت نفسه حريصة على استقلال تدبيرها باعتباره جزءا من استقلال مهنة الدفاع.
بين الإصلاح والاحتقان المهني
رغم مرور المشروع بالأغلبية، فإن ذلك لا يلغي حالة النقاش والاحتقان التي رافقته داخل أوساط مهنية. فقد شهدت مراحل مناقشة النص اعتراضات وانتقادات من داخل الجسم المهني، خاصة بشأن بعض المقتضيات التي اعتبرها محامون مؤثرة على استقلالية المهنة أو على حقوق مكتسبة.
وخلال المناقشة التفصيلية داخل مجلس النواب، ركزت تدخلات عدد من النواب على ضرورة صون استقلالية مهنة المحاماة، والحفاظ على مبادئ الدفاع، وعدم التراجع عن الحقوق المكتسبة، واحترام أعراف وتقاليد المهنة، بما يضمن استمرار دور المحامي كشريك أساسي في تحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة والدفاع عن الحقوق والحريات.
وهنا يظهر جوهر الخلاف: الحكومة ترى أن المشروع مدخل لتحديث المهنة وتأهيلها، بينما يخشى جزء من الجسم المهني أن يؤدي بعض المقتضيات إلى تضييق على استقلالية المحاماة أو إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والهيئات المهنية بطريقة لا تحظى بإجماع واسع.
إعادة ترتيب المواد وإحالة جديدة على مجلس المستشارين
بعد التصويت على المشروع، أعلن رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، المصادقة على مشروع القانون كما تم تعديله وإعادة ترتيب مواده من 76 إلى 147، مع ضبط الإحالات الداخلية على مجموع مواده، قبل إحالته على مجلس المستشارين لاستكمال المسطرة التشريعية.
هذه النقطة مهمة في قراءة المسار. فالمصادقة في مجلس النواب، في هذه المرحلة، لا تعني بالضرورة أن النص أصبح نافذا بشكل فوري. المشروع ما يزال داخل المسطرة التشريعية، وينتظر استكمال الإحالة والمراحل الدستورية اللازمة قبل صدوره في الصيغة النهائية ونشره بالجريدة الرسمية.
قانون مفصلي ينتظر اختبار التطبيق
مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة لا يقاس فقط بعدد مواده أو حجم التعديلات التي أدخلت عليه. قيمته الحقيقية ستظهر عند التطبيق: كيف ستتم مباريات الولوج؟ كيف سينظم التكوين؟ كيف سيفعل التكليف الكتابي؟ كيف ستدبر الهيئات حسابات الودائع والأداءات؟ وكيف ستطبق مقتضيات التأديب والحكامة دون الإضرار باستقلالية الدفاع؟
فالمحاماة ليست مجرد مهنة منظمة بنص قانوني، بل إحدى ركائز العدالة. وكل إصلاح يمسها ينبغي أن يحفظ ثلاثة توازنات أساسية: حماية حقوق المتقاضين، صون استقلالية الدفاع، وضمان شفافية الممارسة المهنية.
ومع مصادقة مجلس النواب على المشروع في قراءة ثانية، يدخل النص مرحلة حاسمة جديدة. غير أن النقاش حوله لن ينتهي بالتصويت وحده، لأن المهنة التي يدعي القانون تنظيمها ستبقى في قلب اختبار التطبيق، حيث تتحول العبارات القانونية إلى مساطر يومية، وحقوق، وواجبات، وضمانات تمس المحامي والموكل والعدالة في آن واحد.



