جمعية جعلت من الثقافة لغة للدبلوماسية، ومن الإنسان محورًا للعطاء
في زمن أصبحت فيه العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بالاتفاقيات الرسمية، برزت بالمغرب مبادرات مدنية جعلت من الثقافة والفن والعمل الإنساني جسورًا حقيقية للتقارب بين الشعوب. ومن بين هذه التجارب الرائدة، تبرز جمعية المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية بمدينة أكادير، باعتبارها نموذجًا متميزًا للعمل الجمعوي الذي جمع بين الثقافة، والدبلوماسية الموازية، والعمل الاجتماعي، والاندماج الأكاديمي، في رؤية متكاملة تخدم المغرب وامتداده الإفريقي.
تأسست الجمعية سنة 2013، في سياق وطني اتسم بتعزيز انفتاح المملكة المغربية على عمقها الإفريقي، واستلهمت توجهها من الرؤية الملكية السامية التي جعلت التعاون جنوب–جنوب خيارًا استراتيجيًا، ورسخت قناعة مفادها أن المجتمع المدني شريك أساسي في توطيد العلاقات بين الشعوب، وترسيخ قيم التضامن والتعاون والانفتاح.
ومنذ انطلاق مسيرتها، لم تكتف الجمعية بتنظيم أنشطة ثقافية أو احتفالية، بل اختارت أن تجعل من الثقافة وسيلة للحوار، ومن الفن الشعبي لغة للتقارب، ومن الإنسان محورًا لكل مبادراتها.
لقد نجحت الجمعية، خلال أكثر من عقد من الزمن، في بناء برنامج متكامل، جمع بين تنظيم المهرجانات الإفريقية للفنون الشعبية، والملتقيات الفكرية، والندوات العلمية، واللقاءات الحوارية، والأنشطة الرياضية، والقوافل التضامنية، والبرامج الاجتماعية والثقافية الموجهة للطلبة الأفارقة جنوب الصحراء، الذين وجدوا في هذه المبادرات فضاءً للاحتضان والتوجيه والانفتاح على المجتمع المغربي.
ومن أبرز ما يميز هذه التجربة، أنها لم تنظر إلى الطالب الإفريقي باعتباره طالب علم فقط، بل اعتبرته سفيرًا مستقبليًا لبلده، وشريكًا في بناء علاقات إنسانية وثقافية دائمة بين المغرب وباقي الدول الإفريقية. ولذلك، حرصت الجمعية على مواكبته في مختلف المناسبات الوطنية والدينية والثقافية، ونظمت لفائدته رحلات تعريفية، وبطولات رياضية، وأيامًا ثقافية، وإفطارات جماعية، ومبادرات تضامنية، وبرامج للاندماج، ساهمت في تعزيز شعوره بالانتماء إلى محيطه الجديد.
ولم يكن هذا العمل مجرد أنشطة موسمية، بل تحول مع مرور السنوات إلى مشروع مجتمعي متكامل، يقوم على قيم التعايش، والاحترام المتبادل، والحوار بين الثقافات، والإيمان بأن التقارب بين الشعوب يبدأ من الإنسان قبل المؤسسات.
كما برزت الجمعية في مجال الدبلوماسية الموازية، من خلال تنظيم ملتقيات وندوات تناولت قضايا التعاون الإفريقي، واستقبال وفود وفرق فنية من مختلف الدول، والمشاركة في مبادرات وطنية وثقافية وإنسانية، بما يعكس الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع المدني في دعم الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية.
وعلى امتداد مسيرتها، لم تغب الجمعية عن القضايا الإنسانية، فكانت حاضرة في مبادرات التضامن مع الطلبة والمهاجرين الأفارقة، وساهمت في حملات الدعم الاجتماعي، وواكبت المتضررين في عدد من المناسبات، مؤكدة أن العمل الجمعوي الحقيقي يقاس بمدى قربه من الإنسان، في لحظات الفرح كما في أوقات الشدة.
لقد تجاوزت تجربة جمعية المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية مفهوم النشاط الجمعوي التقليدي، لتصبح مدرسة في العمل المدني المسؤول، ونموذجًا مغربيًا يجسد قيم الانفتاح والتعاون، ويؤكد أن الثقافة ليست ترفًا، بل قوة ناعمة قادرة على بناء الثقة، وتقريب الشعوب، وصناعة مستقبل مشترك.
واليوم، وبعد أكثر من مائة نشاط تنوع بين الثقافة، والفكر، والرياضة، والعمل الاجتماعي، والأنشطة الأكاديمية، تواصل الجمعية مسيرتها بثقة، مستندة إلى رصيد من التجارب والشراكات، وإلى قناعة راسخة بأن خدمة الوطن تمر أيضًا عبر خدمة إفريقيا، وأن الاستثمار في الإنسان يظل أنجح استثمار في بناء مستقبل القارة.
إن تجربة جمعية المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية ليست مجرد قصة نجاح لجمعية محلية، بل هي نموذج مغربي يستحق أن يُعرَّف به، وأن يُوثَّق، وأن يُحتذى به، لأنها أثبتت أن الإرادة الصادقة، حين تقترن برؤية واضحة وعمل ميداني مستمر، تستطيع أن تحول فكرة بسيطة إلى مشروع حضاري، وأن تجعل من أكادير منصة للحوار، ومن المغرب جسرًا للتواصل بين شعوب إفريقيا.
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام والصناعة الثقافية

