في كل موسم عيد أضحى، يقال للمواطن إن السوق تحت المراقبة، وإن القطيع متوفر، وإن الدعم وُجه لحماية الإنتاج والتخفيف من كلفة التربية. لكن حين يصل المواطن إلى الرحبة، لا يجد أمامه بلاغات ولا أرقاما وطنية، بل يجد ثمنا ثقيلا، وخروفا يفوق قدرته، وبائعا يطلب ما يطلبه السوق، وبيتاً ينتظر فرحة قد تتحول إلى ديْن أو حرج.
هذه السنة، عادت المفارقة بقوة: إذا كان جزء من منظومة تربية المواشي قد استفاد من الدعم، وإذا كان المسؤولون تحدثوا عن وفرة في العرض، فلماذا بقيت الأثمان قاسية على جيوب المواطنين؟ أين توقف أثر الدعم؟ عند الضيعة؟ عند الوسيط؟ عند النقل؟ عند الرحبة؟ أم أنه لم يكن مصمما أصلا ليظهر مباشرة في ثمن الأضحية أمام المستهلك؟
وزارة الفلاحة أكدت، في معطيات رسمية، أن العرض الوطني من الأغنام والماعز الموجهة لعيد الأضحى 1447 هـ يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، وهو رقم يفوق الطلب المتوقع المقدر بما بين 6 و7 ملايين رأس. كما ربطت الوزارة تحسن وضعية القطيع ببرنامج إعادة تكوينه، وتحسن الظروف المناخية، والولادات الخريفية والربيعية.
هذه الأرقام تبدو مطمئنة على الورق. لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الذي يهم المواطن: إذا كان العرض يفوق الطلب، فلماذا ظلت الأسعار مرتفعة؟ ولماذا وجد بعض المتأخرين في الشراء أنفسهم أمام أسواق محدودة أو خيارات قليلة؟ ولماذا لم تتحول الوفرة المعلنة إلى ارتياح واضح في الرحبات؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. الوفرة الوطنية لا تعني دائما وفرة محلية، والدعم الموجه للمنتج لا يعني تلقائيا انخفاضا في السعر النهائي. بين الكساب والمواطن توجد حلقات كثيرة: أعلاف، نقل، وسطاء، أسواق، رسوم، كراء فضاءات، شراء بالجملة، إعادة بيع، ومضاربة موسمية. وكل حلقة قادرة على امتصاص جزء من أثر الدعم قبل أن يصل إلى المستهلك.
لا ينبغي ظلم الكساب الحقيقي. فمربي الماشية عاش سنوات صعبة مع الجفاف وارتفاع الأعلاف وتكاليف العلاج والنقل. من ربّى القطيع سنة كاملة ليس عدوا للمواطن، ومن حقه أن يحافظ على هامش يضمن استمرار نشاطه. لكن السؤال لا يخص الكساب وحده. السؤال يخص السلسلة كاملة: من استفاد؟ من ربح أكثر؟ ومن دفع في النهاية؟
المواطن هو من دفع. دفع حين اشترى بثمن مرتفع. ودفع حين انتظر أملا في انخفاض الأسعار فوجد العرض يتقلص. ودفع حين وجد نفسه بين خيارين أحلاهما مر: إما أضحية تفوق قدرته، وإما بيت بلا أضحية في مجتمع لا يرحم دائما من عجز.
ولذلك، فإن النقاش حول الدعم لا يجب أن يبقى محصورا في سؤال: هل صُرف الدعم أم لا؟ بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أعمق: هل وصل أثر الدعم إلى المواطن؟ هل خفف الكلفة النهائية؟ هل منع المضاربة؟ هل جعل الأضحية في المتناول؟ أم أن الدعم ساعد جزءا من السلسلة على الصمود، بينما بقي المستهلك في آخر الطابور يواجه الثمن كاملا؟
الأرقام المتداولة حول دعم الفلاحين والكسابة تحتاج إلى عرض رسمي مفصل ومحين، يوضح من استفاد، وبأي شروط، وما علاقة ذلك بسعر البيع النهائي. بعض التقارير الإعلامية تحدثت عن استفادة عدد كبير من الكسابة من الدعم خلال عملية إعادة تكوين القطيع، لكن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بعدد المستفيدين، بل تقييم الأثر: هل انعكس ذلك فعلا على الأسواق؟ وهل وُجدت آلية تربط الدعم بسعر عادل للمواطن؟
الحكومة، من جهتها، أقرت تدابير مؤقتة لتنظيم بيع وتسويق أضاحي العيد، شملت حصر البيع داخل الأسواق المرخصة، وإلزام البائعين بالتصريح المسبق بهويتهم وعدد الأضاحي ومصدرها، ومنع شراء الأضاحي داخل الأسواق بغرض إعادة بيعها. والغاية المعلنة كانت الحد من المضاربة والرفع غير المبرر في الأسعار وضمان شفافية السوق.
لكن السؤال المؤلم هو: هل جاءت هذه التدابير في الوقت الكافي؟ وهل كانت قوية بما يكفي داخل الأسواق، لا فقط في النصوص؟ لأن المواطن لا يقيس التنظيم بما صدر من قرارات، بل بما عاشه في الرحبة. فإذا بقي السعر مرتفعا، وإذا بقي الوسيط حاضرا، وإذا ظل الخروف ينتقل من يد إلى يد قبل الوصول إلى الأسرة، فالمشكلة لم تُحل فعليا.
هنا تكمن المفارقة التي تحتاج إلى تفسير وإعادة نظر. الدولة تدعم حماية للقطيع. الوزارة تعلن وفرة. الحكومة تشدد على التنظيم. ومع ذلك، المواطن يشتكي من الغلاء. هذا لا يعني بالضرورة أن كل طرف فشل، لكنه يعني أن الحلقة التي تربط الدعم بالثمن النهائي مختلة أو غير مرئية أو غير مراقبة بما يكفي.
في الاقتصاد، لا يكفي أن تدعم الإنتاج إذا لم تراقب مسار التسويق. ولا يكفي أن تعلن الوفرة إذا لم تضمن عدالة التوزيع. ولا يكفي أن تمنع المضاربة نظريا إذا لم يشعر المواطن بأن المضارب فقد قدرته على التحكم في السوق. الدعم الذي لا يراه المواطن في الثمن يتحول، في نظره، إلى سؤال غضب: لمن كان الدعم إذن؟
الأمر لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى افتحاص هادئ وشجاع بعد العيد. يجب تتبع أثر الدعم من الضيعة إلى الرحبة. يجب معرفة هوامش الربح في كل حلقة. يجب التمييز بين الكساب المنتج والوسيط المضارب. يجب نشر معطيات واضحة حول الأسعار حسب المناطق، والكميات التي دخلت الأسواق، ونقط الخلل التي جعلت بعض الرحبات تعرف نقصا أو ارتفاعا في اللحظات الأخيرة.
كما يجب التفكير في آليات جديدة للمواسم المقبلة: بيع مباشر أكثر تنظيما من الكسابة إلى المواطنين، منصات محلية معلنة للأسعار التقريبية، مراقبة صارمة للشراء بغرض إعادة البيع، وتواصل يومي حول أماكن توفر الأضاحي حتى لا يبقى المواطن يتنقل بين الرحبات والكراجات بحثا عن معلومة بسيطة.
الأضحية ليست مجرد سلعة عادية. هي شعيرة لمن استطاع، وطقس اجتماعي متجذر في البيوت المغربية. لذلك، حين تصبح خارج قدرة فئات واسعة، لا يكون الأمر مشكلة سوق فقط، بل مشكلة ثقة وعدالة اجتماعية. المواطن لا يطلب أن يخسر الكساب، ولا أن تباع الأضاحي بأقل من كلفتها. يطلب فقط ألا يتحول الدعم إلى خبر يسمعه، بينما الغلاء واقع يعيشه.
ما حدث هذا الموسم يجب ألا يطوى مع نهاية العيد. لأن الألم لا ينتهي يوم النحر. يبقى السؤال في ذهن الأسر: كيف استفاد المنتجون من الدعم، وتحدثت الحكومة عن الوفرة، ثم وجد المواطن نفسه أمام ثمن خيالي؟ إذا لم يُجب المسؤولون عن هذا السؤال بوضوح، فسيعود كل عيد حاملا الغضب نفسه، والشك نفسه، والإحساس نفسه بأن المواطن آخر من يصل إليه أثر السياسات العمومية.
الخلاصة أن دعم الكسابة قد يكون ضروريا لحماية القطيع والإنتاج، لكنه يفقد معناه الاجتماعي إذا لم يحمِ المستهلك أيضا. فالسياسة العمومية الناجحة لا تقاس بما ضخته في بداية السلسلة فقط، بل بما خففته من وجع في نهايتها. ونهاية السلسلة، هذه المرة، كانت بيتا مغربيا يفاوض السعر، ويخفي عجزه، ويحاول أن يصنع فرحة العيد وسط نار الغلاء.
خلاصة المقال
أثار غلاء الأضاحي سؤالاً اجتماعياً حاداً: إذا كان الكسابة قد استفادوا من الدعم، فلماذا لم يلمس المواطن انخفاضاً واضحاً في الأسعار داخل الأسواق؟
- الدعم لا يكفي إذا لم يظهر أثره في السعر النهائي للأضحية.
- الوسطاء وكلفة النقل والرحبات قد ترفع الثمن الذي يدفعه المواطن.
- المطلوب تقييم واضح للسلسلة كلها، من المربي إلى المستهلك.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله