عطش الحقول أم تجارة الماء؟ شاحنات ضخمة تنقل المياه وتثير الجدل باشتوكة

صورة لشاحنة صهريجية لنقل المياه

في عدد من الطرقات والمسالك المؤدية إلى المناطق الفلاحية بإقليم اشتوكة أيت باها، لم تعد الشاحنات الصهريجية الضخمة مشهدا عابرا. خلال الأسابيع الأخيرة، تحولت حركتها المتزايدة بين بيوكرى ودواوير جماعات وادي الصفا وآيت اعميرة وسيدي بيبي وإنشادن وبلفاع إلى موضوع حديث يومي، وفتحت سؤالا مقلقا وسط الساكنة: هل يتعلق الأمر بعطش الحقول فقط، أم أننا أمام تجارة ماء تتحرك في صمت فوق فرشة مائية منهكة؟

السؤال يزداد ثقلا مع تزامن هذه الحركة مع تراجع صبيب قنوات الماء الصالح للشرب التي تسيرها جمعيات الدواوير، وارتفاع درجات الحرارة، واتساع حاجيات الضيعات الفلاحية للمياه. فحين يرى المواطن شاحنات محملة بالمياه تعبر المسالك نحو الضيعات، بينما ينخفض صبيب الماء في بيته أو دواره، يصبح القلق مفهوما، وتصبح الحاجة إلى توضيح رسمي أكثر إلحاحا.

وتأتي هذه المعطيات في منطقة قدمت فيها محطة تحلية مياه البحر بالدويرة، منذ انطلاقها، كحل استراتيجي لتأمين حاجيات القطاع الفلاحي والتخفيف من الضغط الكبير على الفرشة المائية بسهل اشتوكة. غير أن ما يتداوله فاعلون محليون بشأن امتناع أو تراجع بعض الفلاحين عن استعمال مياه التحلية خلال الأشهر الأخيرة بسبب كلفتها، يعيد طرح السؤال من جديد: إذا كانت التحلية موجودة، فلماذا تستمر الشاحنات في نقل المياه الجوفية بهذا الشكل؟

عدد من رؤساء الجمعيات المسيرة لشبكات الماء بدواوير الجماعات السهلية يعبرون عن تذمرهم من استمرار بعض الضيعات في الاعتماد على الآبار والثقوب المائية، رغم توسيع دائرة المستفيدين من قنوات محطة التحلية والسماح بانخراطات جديدة لفائدة مستثمرين ومنتجين فلاحين خلال الفترة الأخيرة.

ويرى هؤلاء أن تزايد الاعتماد على الشاحنات الصهريجية قد يكون مؤشرا على ضغط متنام على شبكة التزويد والموارد المحلية، خصوصا في ظل موجة الحرارة الحالية التي رفعت بشكل واضح حاجيات الضيعات الفلاحية للماء.

ولا تتوقف المخاوف عند حدود الاستغلال المائي فقط. فحركة الشاحنات العملاقة، بحسب متابعين محليين، تؤثر أيضا على المسالك الطرقية داخل الدواوير، وتزيد الضغط على طرق غير مهيأة لتحمل هذا النوع من الحركة اليومية الكثيفة. كما أنها تخلق شعورا متزايدا لدى الساكنة بأن المجال القروي يتحمل كلفة توسع فلاحي لا يستفيد منه دائما بنفس القدر.

الأكثر حساسية أن المشهد يضع الساكنة أمام مفارقة مؤلمة: الفلاحة تحتاج إلى الماء حتى تستمر، والضيعات تشغل وتنتج وتصدر، لكن الدواوير تحتاج بدورها إلى ماء الشرب أولا. وحين يصبح التنافس بين حاجيات الإنسان وحاجيات الحقول مفتوحا على الطريق، عبر شاحنات تسير يوميا، فإن الأمن المائي يتحول من ملف تقني إلى قضية اجتماعية.

ويثير استمرار نقل المياه عبر الصهاريج أسئلة عملية لم تحصل، إلى حدود الآن، على إجابات واضحة: من أين تُستخرج هذه المياه؟ هل تتم العملية بتراخيص قانونية؟ من يراقب الكميات المنقولة؟ هل يتعلق الأمر بتزويد ظرفي للضيعات أم بنشاط منتظم قابل للتحول إلى تجارة ماء؟ وما دور السلطات ووكالة الحوض المائي في تتبع هذه الحركة؟

هذه الأسئلة لا تستهدف الفلاحين في حد ذاتهم، ولا تنكر دور القطاع الفلاحي في اقتصاد اشتوكة وسوس ماسة. لكنها تضع الإصبع على نقطة أساسية: لا يمكن الحديث عن فلاحة مستدامة إذا كان استمرارها يتم على حساب فرشة مائية مستنزفة أو على حساب طمأنينة ساكنة الدواوير.

فمنطقة اشتوكة أيت باها تعد واحدة من أهم الأحواض الفلاحية بالمغرب، لكنها في الوقت نفسه من أكثر المناطق حساسية مائيا، بسبب توالي سنوات الجفاف وكثافة الاستغلال الفلاحي للموارد. وهذا ما يجعل أي حركة غير مؤطرة لنقل المياه، أو أي غموض حول مصدرها وكمياتها، قابلا لإشعال توتر اجتماعي حقيقي.

ورغم وجود محطة الدويرة كأحد أهم المشاريع المائية الموجهة لمواكبة التوسع الفلاحي، فإن غياب توضيحات رسمية حول أسباب ارتفاع استعمال الشاحنات الصهريجية لنقل المياه الجوفية يزيد من حالة القلق. فالمواطن لا يريد سماع وعود عامة فقط، بل يريد أن يعرف هل تُحمى الفرشة المائية فعلا؟ وهل تُراقب عمليات النقل؟ وهل مياه التحلية تُستعمل كما كان منتظرا؟ وهل كلفتها أصبحت سببا في العودة إلى المياه الجوفية؟

في المقابل، يرى متابعون أن الحل لا يكمن في منع الاستثمار الفلاحي أو شيطنة الضيعات، بل في وضع قواعد واضحة وعادلة. فالماء مورد مشترك، وأي استعمال اقتصادي له يجب أن يخضع للشفافية والمراقبة، خاصة في منطقة تعيش ضغطا مائيا متراكما.

وإذا كانت بعض الضيعات تحتاج إلى حلول ظرفية للماء بسبب الحرارة أو ارتفاع الطلب، فإن ذلك يجب أن يتم داخل إطار قانوني معلن، وبكميات مضبوطة، وتحت مراقبة الجهات المختصة. أما أن تتحول الشاحنات إلى جزء يومي من المشهد دون تفسير، فذلك يفتح الباب أمام الشكوك ويضعف الثقة بين الساكنة والمؤسسات.

وتطالب أصوات محلية بتدخل السلطات المختصة لتوضيح الوضع، ومراقبة مصادر المياه المنقولة، والتأكد من قانونية عمليات الاستغلال والنقل، مع فتح نقاش جدي حول كلفة مياه التحلية الموجهة للفلاحة، حتى لا تبقى مرتفعة إلى درجة تدفع بعض المنتجين إلى البحث عن بدائل تضغط أكثر على المياه الجوفية.

كما يطالب سكان ورؤساء جمعيات بربط أي توسع فلاحي جديد بضمانات مائية واضحة، لأن الاستقرار الاجتماعي داخل الدواوير لا يقل أهمية عن استمرار الاستثمار. فالحق في الماء لا يجب أن يبقى الحلقة الأضعف في معادلة تجمع بين الضيعة، السوق، التصدير، والمواطن البسيط.

هذا، ولا يمكن اختزال القضية في شاحنات تمر من طريق قروي. فهذه الصهاريج تحمل معها سؤالا أكبر: أي نموذج فلاحي تريده اشتوكة؟ نموذج يوازن بين الإنتاج وحماية الماء؟ أم نموذج يواصل الضغط على الفرشة المائية إلى أن تجد الساكنة نفسها أمام أزمة أعمق؟

بين عطش الحقول واحتمال تجارة الماء، تحتاج اشتوكة أيت باها اليوم إلى جواب رسمي واضح، لا إلى صمت طويل. فالماء لم يعد ملفا تقنيا مؤجلا، بل أصبح شرطا للاستقرار، وحقا للساكنة، وامتحانا حقيقيا لحكامة المجال الفلاحي في سوس ماسة.

خلاصة المقال

تزايد حركة الشاحنات الصهريجية باشتوكة أيت باها يطرح سؤالا حساسا حول حدود استغلال المياه الجوفية، وكلفة التحلية، والتوازن بين حاجيات الفلاحة وحق الساكنة في الماء.

  • ساكنة ورؤساء جمعيات يتحدثون عن تراجع صبيب الماء الصالح للشرب بعدد من الدواوير.
  • معطيات محلية تربط ارتفاع نقل المياه بتراجع استعمال مياه التحلية بسبب كلفتها.
  • المطلب الأساسي هو توضيح رسمي ومراقبة قانونية لمصادر المياه والكميات المنقولة.
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله