قبل العيد بيومين فقط، كان يفترض أن تتغير أصوات الأحياء. في سنوات كثيرة، كانت “بعبعة” الخرفان تسبق موعد النحر، وتعلن بطريقتها الشعبية أن عيد الأضحى دخل البيوت قبل أن يدخل التقويم. هذه السنة، يلاحظ مواطنون هدوءا غير مألوف في بعض الشوارع والأزقة: لا خرفان كثيرة قرب الأبواب، لا عربات صغيرة محملة بالأضاحي، ولا ذلك المشهد اليومي الذي كان يجعل الأطفال يلاحقون كل كبش جديد يدخل الحي.
هذه معاينة اجتماعية لا تكفي وحدها لإصدار حكم عام. لا توجد أرقام دقيقة تقول إن المغاربة تخلوا عن الأضحية، ولا يمكن اختزال بلد كامل في مشهد حي أو مدينة. لكنها ملاحظة قوية بما يكفي لطرح سؤال صعب: هل أصبح غلاء الأضاحي يغيّر طقوس العيد قبل أن يغيّر مائدة العيد؟
الصمت هنا ليس مجرد غياب صوت. إنه علامة على تردد داخل البيوت. أسر كثيرة تؤجل القرار إلى آخر لحظة، وأخرى تنتظر انخفاضا محتملا في الأسعار، وفئة ثالثة قد تكون حسمت أمرها بصعوبة، لكنها لا تريد تحويل عجزها إلى حديث بين الجيران. فالغلاء لا يظهر دائما في السوق فقط؛ أحيانا يظهر في الهدوء الذي يسبق المناسبة.
في السابق، كان شراء الأضحية حدثا جماعيا صغيرا. يعود الأب أو الأخ أو الجار ومعه الخروف، فيخرج الأطفال، وتبدأ الأسئلة، ويتحول الحي إلى فضاء مشترك للفرح والمقارنة والضحك. اليوم، يبدو أن جزءا من هذا الطقس صار مؤجلا أو مخفيا أو غائبا. ليس بالضرورة لأن الناس تغيروا في علاقتهم بالشعيرة، بل لأن كلفة الشعيرة صارت أثقل على فئات واسعة.
المشكلة أن الأضحية ليست عملية شراء عادية. هي رمز ديني واجتماعي وعائلي. لذلك، حين يجد المواطن نفسه عاجزا عن اقتنائها، لا يشعر فقط بضيق مالي، بل بضغط نفسي أيضا. كيف يشرح لأطفاله أن الظروف لا تسمح؟ كيف يتعامل مع أسئلة العائلة؟ وكيف يحمي كرامته في مناسبة كان يفترض أن تكون عنوانا للفرح لا للحرج؟
وهنا يجب الانتباه إلى الفرق بين التخلي والعجز. ليس كل من لم يشتر الأضحية تخلى عن الشعيرة. بعض الأسر لا تستطيع، وبعضها يوازن بين ضروريات البيت وثمن الأضحية، وبعضها يخاف من الدين، وبعضها ينتظر اللحظة الأخيرة أملا في سعر أقل. الحكم على الناس من خارج ظروفهم قد يكون أقسى من الغلاء نفسه.
وقد يكون لاختفاء مظاهر الأضاحي تفسير آخر أيضا. نمط السكن تغير، والمدن اتسعت عموديا، وكثير من الأسر لم تعد قادرة أو راغبة في الاحتفاظ بالخروف داخل العمارات أو المرائب. كما أن بعض المشترين يتركون الأضحية عند البائع أو في الضيعة إلى آخر يوم. لكن حتى مع هذه التفسيرات، يبقى الإحساس العام بالهدوء لافتا، لأنه يأتي في سنة تتصدر فيها الأسعار حديث الناس.
الأسواق بدورها لا تقول القصة كاملة. قد تكون الأضاحي موجودة، وقد تتحدث المعطيات المهنية عن عرض متوفر، لكن السؤال الذي يهم المواطن مختلف: هل الثمن في المتناول؟ الوفرة لا تعني الكثير إذا لم تتحول إلى قدرة فعلية على الشراء. وما بين القطيع الموجود والجيب المتعب، تضيع فرحة كثير من الأسر.
هذا التحول الصامت يستحق قراءة أوسع. حين تغيب “بعبعة” الخرفان من الحي، لا يغيب الصوت وحده، بل يغيب جزء من الطقس الجماعي الذي كان يصنع ذاكرة العيد. يصبح العيد أقل ظهورا في الشارع، وأكثر انغلاقا داخل الحسابات العائلية. وتتحول المناسبة من مشهد عام مشترك إلى قرار خاص تحكمه الميزانية والحرج والانتظار.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس: هل انتهت عادة اقتناء الأضاحي؟ الجواب لا يمكن الجزم به. السؤال الأدق هو: هل صار جزء من المغاربة يعيش العيد بفرح أقل وقلق أكبر؟ هنا تبدو الإجابة أقرب إلى الواقع. فالغلاء لا يلغي الشعيرة، لكنه يضعف طاقتها الاجتماعية، ويجعلها عند بعض الأسر امتحانا سنويا للقدرة لا موعدا بسيطا للفرح.
قبل 48 ساعة من العيد، قد تعود بعض الأصوات إلى الأزقة في اللحظات الأخيرة. وقد تنشط الأسواق في الساعات المتبقية. وقد ينجح كثيرون في اقتناء أضحيتهم رغم الصعوبات. لكن ما حدث هذه السنة من هدوء ملحوظ سيبقى مؤشرا على شيء أعمق: العلاقة بين المغاربة وعيد الأضحى لا تزال قوية، لكنها أصبحت محاصرة بثمن مرتفع، ودخل محدود، وسوق يحتاج إلى شفافية أكبر.
هذا، واختفاء “بعبعة” الأضاحي من بعض الأحياء ليس دليلا نهائيا على تخلي الناس عن العيد. لكنه جرس اجتماعي يقول إن الفرح صار أغلى، وإن عددا من البيوت لم تعد تستقبل المناسبة بالخفة نفسها. وهذا وحده كاف لفتح نقاش جاد حول الأسعار، والوسطاء، والقدرة الشرائية، وحق الأسر في أن تعيش العيد بكرامة لا بقلق.
خلاصة المقال
غياب أصوات الأضاحي من بعض الأحياء قبل العيد لا يثبت تخلي المغاربة عن الشعيرة، لكنه يكشف ضغطا معيشيا غيّر أجواء العيد وطقوسه الاجتماعية.
- الهدوء قد يعكس تأخر الشراء أو ترك الأضحية عند البائع أو عجز بعض الأسر عن الاقتناء.
- غلاء الأضاحي لا يمس السعر فقط، بل يمس الفرح والكرامة والضغط النفسي داخل البيوت.
- الملاحظة تحتاج إلى قراءة اجتماعية حذرة لا تحكم على الناس ولا تختزل الظاهرة في سبب واحد.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله