انتخابات المغرب أمام تحدي الذكاء الاصطناعي.. جرائم رقمية تطرق أبواب السياسة

صورة أرشيفية لصندوق اقتراع

يدخل المغرب مرحلة انتخابية مختلفة عن كل المراحل السابقة. فالمنافسة السياسية المقبلة لن تجري فقط في الشارع، والمقرات الحزبية، واللقاءات المباشرة مع الناخبين، بل ستجري أيضا داخل فضاء رقمي سريع، واسع، ومفتوح على أدوات لم تكن حاضرة بهذه القوة في الاستحقاقات الماضية: الذكاء الاصطناعي، التزييف العميق، الحسابات الوهمية، المحتوى الموجه، والإعلانات الرقمية القادرة على الوصول إلى فئات دقيقة من الناخبين.

من هنا تبدو التحذيرات الأخيرة الصادرة عن رئاسة النيابة العامة ذات دلالة خاصة. فقد أكد الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة، أحمد والي علمي، بمراكش، أن المؤسسة حريصة على التصدي الصارم لكافة أشكال الجرائم الانتخابية، بما فيها تلك المرتكبة عبر الوسائط الرقمية أو باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن هذا النهج يروم ضمان سلامة ونزاهة العملية الانتخابية وصيانة الخيار الديمقراطي للمملكة.

ولا يتعلق الأمر بتحذير تقني محدود. فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان وضع الموضوع نفسه في قلب المؤتمر الدولي حول حقوق الإنسان وقوانين الانتخابات، المنعقد لأول مرة بالمغرب، تحت عنوان “الانتخابات وحقوق الإنسان في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي”، مؤكدا أهمية النقاش حول حماية الحقوق والحريات وضمان نزاهة وشفافية العمليات الانتخابية داخل البيئة الرقمية، في سياق الاستعداد لملاحظة الانتخابات التشريعية بالمغرب.

الفرق بين انتخابات الأمس وانتخابات الغد أن الناخب قد لا يتلقى الرسالة الانتخابية من منشور حزبي أو خطاب مباشر فقط، بل من فيديو قصير لا يعرف مصدره، أو صورة مفبركة، أو تسجيل صوتي مصنوع، أو صفحة مجهولة تنشر اتهامات في توقيت حساس، أو إعلان رقمي يستهدفه بناء على اهتماماته ومخاوفه. هنا تتغير طبيعة الجريمة الانتخابية، لأنها لا تعود مرتبطة فقط بالمال أو الضغط أو استغلال النفوذ، بل تدخل مجالا جديدا: التحكم في الإدراك العام.

الذكاء الاصطناعي لا يصنع الخطر وحده. الخطر يبدأ حين تُستعمل هذه الأدوات لإنتاج محتوى كاذب أو مضلل أو موجه بقصد التأثير على إرادة الناخب. يمكن مثلا تركيب فيديو لمرشح يبدو فيه وكأنه يقول كلاما لم يقله. ويمكن صناعة تسجيل صوتي مزيف لشخصية سياسية في لحظة انتخابية حرجة. ويمكن نشر صور مفبركة لاجتماعات أو وعود أو فضائح غير حقيقية. وفي بيئة رقمية تتحرك بسرعة، قد ينتشر المحتوى الكاذب قبل أن تتمكن الجهات المعنية من نفيه أو توضيحه.

أخطر ما في هذه الجرائم أنها تستغل اللحظة. فالمعلومة الزائفة ليلة التصويت أو قبلها بساعات قد تؤثر في رأي جزء من الناخبين، حتى إذا ظهر لاحقا أنها مفبركة. لذلك لم يعد السؤال فقط: هل يمكن معاقبة من نشر المحتوى؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نمنع التأثير قبل أن يقع؟ وكيف نتحقق بسرعة؟ وكيف نضمن حق المواطن في معلومة صحيحة داخل زمن انتخابي حساس؟

ومن بين الأشكال الجديدة للجرائم الانتخابية الرقمية، يبرز التزييف العميق. وهو استعمال تقنيات متقدمة لإنتاج فيديو أو صوت يبدو حقيقيا، لكنه مصنوع أو معدل. في السياسة، يمكن لهذا النوع من المحتوى أن يتحول إلى سلاح خطير، لأنه يضرب الثقة في المرشح، أو الحزب، أو المؤسسة، أو حتى في العملية الانتخابية نفسها. فإذا لم يعد المواطن قادرا على التمييز بين الحقيقي والمفبرك، تصبح الثقة العامة هي الضحية الأولى.

هناك أيضا الحسابات الوهمية والجيوش الرقمية. هذه الحسابات قد لا تهدف فقط إلى الترويج لمرشح أو مهاجمة خصم، بل إلى خلق انطباع كاذب بأن رأيا معينا هو رأي الأغلبية. وقد تدفع الناخب إلى الاعتقاد بأن قضية ما محسومة، أو أن شخصية معينة مرفوضة شعبيا، أو أن اتهاما معينا صحيح فقط لأنه تكرر آلاف المرات. هنا لا تكون الجريمة في منشور واحد، بل في حملة منظمة لصناعة وهم جماعي.

ويبرز نوع آخر من المخاطر في الإعلانات السياسية الموجهة. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات قد يسمحان بإيصال رسائل مختلفة إلى فئات مختلفة من الناخبين، بناء على السن، والموقع، والاهتمامات، والسلوك الرقمي. في حد ذاته، لا يكون التواصل الرقمي جريمة إذا تم بشفافية واحترام القانون. لكن الخطر يظهر حين تتحول هذه الآليات إلى وسيلة للتلاعب، أو نشر رسائل متناقضة، أو استغلال مخاوف فئات معينة بمعلومات غير دقيقة.

كما يمكن أن تستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة مقالات وتعليقات ومنشورات بكميات ضخمة، لإغراق الفضاء العام برسائل دعائية أو مضللة. وهنا يصبح الناخب أمام فيضان من المحتوى، لا يعرف صاحبه الحقيقي، ولا مصدر تمويله، ولا الغاية منه. وهذا ما يجعل مكافحة التضليل الانتخابي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات، والمنصات الرقمية، والإعلام، والأحزاب، والمواطنين.

وقد أشار أحمد والي علمي إلى أن رئاسة النيابة العامة عملت على دمج البعد التكنولوجي في مسارات تتبع ومعالجة القضايا المتعلقة بالعملية الانتخابية، عبر إحداث تطبيقية خاصة بهذه المعالجة، بما يتيح تحقيق النجاعة المطلوبة في تنزيل أدوار قضاة النيابة العامة في هذا المجال. وهذا المعطى يكشف أن المؤسسة القضائية واعية بأن الجرائم الانتخابية لم تعد تتحرك فقط في الفضاء التقليدي، بل تحتاج إلى أدوات تتبع ومعالجة تساير سرعة البيئة الرقمية.

لكن الرهان لا يقتصر على الزجر وحده. فالقانون قد يعاقب بعد وقوع الفعل، لكن حماية الانتخابات تحتاج أيضا إلى الوقاية. الوقاية تبدأ بتوعية الناخب بأن كل فيديو أو صورة أو تسجيل لا يجب أن يُصدق فورا. وتحتاج إلى إعلام مهني يتحقق قبل النشر. وتحتاج إلى أحزاب لا تستعمل الأدوات الرقمية خارج قواعد النزاهة. وتحتاج إلى منصات تتجاوب بسرعة مع المحتوى المفبرك أو المحرض أو المضلل خلال الفترات الانتخابية.

من جهة أخرى، لا ينبغي تحويل مواجهة التضليل الرقمي إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير. فالانتخابات تحتاج إلى نقد، ومساءلة، وسجال سياسي، وتعبير واسع عن الآراء. لذلك شدد الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة على أهمية تحقيق التوازن بين حماية حرية التعبير وضمان نزاهة العملية الانتخابية، بما يكرس المسؤولية في استعمال الوسائط الرقمية ويحصن الفضاء العام من التضليل والتأثير غير المشروع.

هذا التوازن هو قلب المعادلة. فالديمقراطية لا تخاف من الرأي، لكنها تتضرر من الكذب المنظم. لا تخاف من النقد، لكنها تتضرر من التزييف. لا تخاف من الحملات الانتخابية، لكنها تتضرر حين تصبح الحملة قائمة على حسابات مجهولة، وتمويل غير واضح، ورسائل موجهة بخوارزميات لا يراها المواطن ولا يعرف كيف تشتغل.

وتزداد أهمية هذا النقاش لأن مؤتمر مراكش يناقش، بحسب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، قضايا من قبيل آثار الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية على العمليات الانتخابية، وملاحظة الانتخابات عبر الإنترنت، والمنازعات الانتخابية في العصر الرقمي، والحملات الانتخابية عبر الإنترنت، والشفافية الخوارزمية، والأمن السيبراني، وحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية.

كل محور من هذه المحاور يمكن أن يتحول إلى جبهة انتخابية قائمة بذاتها. فالمنازعات الانتخابية قد لا تتعلق فقط بمحضر مكتب تصويت، بل بمقطع فيديو مفبرك غيّر اتجاه النقاش في دائرة معينة. وملاحظة الانتخابات قد لا تقتصر على مراقبة مراكز الاقتراع، بل تمتد إلى متابعة الحملات الرقمية، ورصد الإعلانات، والتحقق من مصادر الصفحات المؤثرة. وحماية المعطيات الشخصية قد تصبح مسألة انتخابية إذا استُعملت بيانات المواطنين لاستهدافهم برسائل سياسية دون شفافية.

بالنسبة للمغرب، قد تكون الانتخابات التشريعية المقبلة أول اختبار انتخابي كبير في ظل الانتشار الشعبي الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وهذا لا يعني أن التكنولوجيا ستفسد العملية الانتخابية بالضرورة، بل يعني أن قواعد اللعبة تغيرت. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التوعية، وتبسيط البرامج، وتيسير الولوج إلى المعلومة، وتحسين مراقبة الخروقات. لكنه يمكن، في المقابل، أن يفتح الباب أمام أشكال جديدة من التلاعب إذا غابت الضوابط.

ومن هنا، يصبح المطلوب واضحا: تحديث قانوني ومؤسساتي، يقظة قضائية، شفافية في الحملات الرقمية، تربية إعلامية للمواطنين، وتعاون مع المنصات الرقمية، حتى لا تتحول الانتخابات إلى معركة غير مرئية تقودها الخوارزميات من خلف الشاشات.

كما يحتاج الفاعلون السياسيون أنفسهم إلى ميثاق أخلاقي واضح في استعمال الذكاء الاصطناعي. فكل حزب أو مرشح يجب أن يعلن بوضوح إن كان يستعمل محتوى مولدا بالذكاء الاصطناعي في حملته. ويجب منع استعمال صور أو أصوات مفبركة لخصوم سياسيين. ويجب اعتبار الحسابات الوهمية والحملات المنظمة للتضليل مسا خطيرا بنزاهة المنافسة.

أما الإعلام، فسيكون أمام امتحان مهني صعب. السرعة لم تعد كافية. في زمن التزييف العميق، يصبح التحقق أهم من السبق. ونشر فيديو انتخابي دون التأكد من مصدره قد يحول الصحافة، دون قصد، إلى جزء من حملة تضليل. لذلك يحتاج الإعلام إلى بروتوكولات تحقق رقمية، وإلى لغة حذرة عند التعامل مع المحتوى المتداول، خصوصا خلال الفترات الانتخابية.

المواطن بدوره لم يعد متلقيا سلبيا. كل مشاركة لمقطع غير موثق، وكل إعادة نشر لصورة مشكوك فيها، وكل تعليق يبني موقفا على معلومة غير مؤكدة، قد يساهم في توسيع أثر التضليل. لذلك يجب أن يصبح السؤال البسيط جزءا من السلوك الانتخابي: من نشر هذه المعلومة؟ هل هناك مصدر موثوق؟ هل يمكن أن تكون الصورة أو الصوت مفبركا؟ لماذا ظهر هذا المحتوى الآن بالضبط؟

إن أخطر ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي بالانتخابات ليس فقط أن يزور صورة أو صوتا، بل أن يزرع الشك في كل شيء. فإذا صار المواطن لا يصدق أي معلومة، ولا يثق في أي مؤسسة، ولا يميز بين الحقيقة والتزييف، فإن العملية الديمقراطية تخسر أحد أهم شروطها: الثقة.

لذلك، فإن الجرائم الانتخابية الرقمية ليست جرائم تقنية فقط، بل جرائم ضد الثقة العامة. إنها تمس حق المواطن في اختيار حر ومستنير. وتمس حق المرشحين في منافسة عادلة. وتمس حق المجتمع في نقاش سياسي قائم على الوقائع لا على التلاعب.

وبين الفرصة والخطر، يفتح الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة أمام الانتخابات في المغرب. يمكن أن يكون أداة لتقريب السياسة من المواطن، ويمكن أن يتحول إلى سلاح لإغراقه في التضليل. الفارق لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل ستصنعه القواعد، والمؤسسات، والأحزاب، والإعلام، ووعي الناخبين.

الانتخابات المقبلة لن تختبر فقط قوة الأحزاب وبرامجها، بل ستختبر أيضا قدرة المغرب على حماية المجال الديمقراطي في زمن رقمي لا ينتظر أحدا. ومن هنا تبدو الرسالة الأساسية واضحة: نزاهة الاقتراع لم تعد تبدأ يوم التصويت فقط، بل تبدأ من حماية الحقيقة داخل الفضاء الرقمي.

خلاصة المقال

يدخل المغرب مرحلة انتخابية جديدة تتجاوز الحملات التقليدية إلى فضاء رقمي سريع، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم المشاركة السياسية أو يتحول إلى أداة تضليل خطيرة.

  • أبرز المخاطر تشمل التزييف العميق، الحسابات الوهمية، الإعلانات الموجهة، والمحتوى المفبرك.
  • رئاسة النيابة العامة تؤكد التصدي للجرائم الانتخابية المرتكبة عبر الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي.
  • حماية الانتخابات تتطلب توازنا بين حرية التعبير، نزاهة الاقتراع، وحق المواطن في معلومة صحيحة.

عبدالله بن عيسى

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله