من أزمة النفط 1973 إلى سامير ومضيق هرمز.. هل يعيد التاريخ إنذار المغرب؟

حين ترتفع حرارة التوتر في الشرق الأوسط، لا يبقى الخبر محصورا في نشرات السياسة والحرب. يتحول النفط بسرعة إلى سؤال يومي داخل كل بيت: كم سيصبح ثمن الوقود؟ هل سترتفع كلفة النقل؟ وهل ستصل الموجة إلى أسعار الخضر والمواد الأساسية؟

هذا ما يجعل الربط بين أزمة النفط 1973، وصدمة 1979، ومضيق هرمز اليوم، ضروريا لفهم ما قد يواجهه المغرب. فبلد لا ينتج النفط بكميات تجارية، ويعتمد على الاستيراد لتغطية حاجياته الطاقية، لا يمكن أن يتعامل مع اضطراب الممرات النفطية كخبر بعيد.

لكن في القصة المغربية توجد حلقة لا يجب نسيانها: مصفاة سامير بالمحمدية. فهذه المؤسسة لم تكن مجرد مصنع لتكرير النفط، بل كانت جزءا من تصور قديم للأمن الطاقي الوطني، بدأ بعد الاستقلال، وتعززت أهميته كلما اهتزت أسواق النفط العالمية.

1973.. حين اكتشف العالم أن النفط ليس سلعة عادية

بدأت الصدمة النفطية الأولى سنة 1973 في سياق حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل. فقد فرضت دول عربية منتجة للنفط، ضمن منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، حظرا على دول اعتُبرت داعمة لإسرائيل، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. ويذكر مكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية أن الحظر ساهم في ارتفاع كبير لأسعار النفط، وفرض تكاليف عالية على المستهلكين، وخلق تحديات عميقة للاقتصادات الصناعية.

كانت الرسالة واضحة: النفط ليس مادة خام فقط. إنه أداة ضغط، ومفتاح صناعة، وسلاح اقتصادي. وحين يتحكم القرار السياسي في تدفقه، يمكن أن تهتز الأسواق والمحطات والمصانع والقدرة الشرائية في وقت قصير.

وفي 1979، جاءت الصدمة الثانية من إيران. فقد أدت الثورة الإيرانية إلى اضطراب واسع في الإنتاج والصادرات، وارتفعت الأسعار مجددا. ويشرح معهد بروكينغز أن إنتاج الخام الإيراني تراجع بنحو 4.8 ملايين برميل يوميا في يناير 1979، وهو ما كان يعادل حوالي 7% من الإنتاج العالمي وقتها، قبل أن يعوض منتجون آخرون جزءا من النقص.

هنا تعلم العالم درسا آخر: أحيانا لا ينتظر السوق أن ينقطع النفط فعلا. يكفي الخوف من الانقطاع حتى يبدأ السعر في الصعود.

قبل الصدمة الكبرى.. لماذا أسس المغرب سامير؟

تأسست شركة سامير سنة 1959، بعد سنوات قليلة من الاستقلال، كشركة مغربية إيطالية لتكرير النفط، بشراكة بين الدولة المغربية والمؤسسة النفطية الإيطالية ENI. وبدأ بناء أول وحدة لتقطير النفط الخام بالمحمدية في السنة نفسها، قبل أن تكتمل المصفاة سنة 1961.

هذا التأسيس لم يكن تفصيلا صناعيا عاديا. المغرب الخارج حديثا من الاستعمار كان يبحث عن أدوات سيادته الاقتصادية. ومن بين هذه الأدوات: ألا يظل مرتبطا فقط باستيراد المنتجات النفطية الجاهزة، بل أن يمتلك قدرة داخلية على تكرير النفط الخام وتحويله إلى مواد تستعمل في النقل والصناعة والطاقة.

بمعنى مبسط، كانت سامير جوابا مغربيا مبكرا عن سؤال ما زال مطروحا اليوم: كيف يمكن لبلد غير منتج للنفط أن يخفف هشاشته أمام الأسواق الخارجية؟

ماذا قدمت سامير للمغرب خلال زمن الأزمات؟

وجود مصفاة داخلية لا يعني أن المغرب كان مستقلا نفطيا بالكامل. فالمصفاة نفسها تحتاج إلى استيراد النفط الخام من الخارج. لكن الفرق كبير بين بلد يستورد كل حاجته من الوقود المكرر جاهزا، وبلد يستطيع استيراد الخام وتكريره داخليا.

في فترات الاضطراب، تمنح المصفاة الدولة هامشا إضافيا في تدبير الإمدادات والمخزون والخلط بين مصادر الخام. كما توفر معرفة صناعية محلية، وموانئ وخزانات، وشبكة تقنية، وفرص شغل، وقدرة على مراقبة جزء من سلسلة القيمة داخل التراب الوطني.

وتشير معطيات منشورة حول سامير إلى أنها كانت المصفاة الوحيدة في المغرب، وأنها مثلت لعقود قلب الصناعة النفطية بالمملكة. كما ارتبطت بالمحمدية اقتصاديا واجتماعيا، ليس فقط كموقع إنتاج، بل كفضاء شغل وتكوين ومداخيل محلية.

لذلك، حين نتحدث عن أزمة 1973 أو 1979، لا يجب النظر إلى سامير فقط كمعمل. يجب النظر إليها كجزء من ذاكرة مغربية لتدبير الخوف الطاقي: بلد يستورد النفط، لكنه حاول أن يحتفظ داخل حدوده بقطعة من القرار الصناعي.

من التأميم إلى الخوصصة ثم التوقف

عرفت سامير مسارا طويلا ومعقدا. بعد تأسيسها بشراكة مغربية إيطالية، أصبحت لاحقا تحت سيطرة الدولة، ثم دخلت مرحلة الخوصصة في التسعينيات. وتشير معطيات منشورة إلى أن الخوصصة تمت سنة 1997، قبل أن تصبح الشركة لاحقا تحت سيطرة مجموعة “كورال” المرتبطة برجل الأعمال السعودي محمد العمودي.

وفي غشت 2015، توقفت وحدات التكرير في سامير بسبب صعوبات مالية، قبل أن تُعلن الشركة في وضعية تصفية قضائية سنة 2016. وتؤكد ورقة بحثية نشرها “مبادرة الإصلاح العربي” أن توقف سامير جاء قبل أشهر قليلة من التحرير الكامل لأسعار المحروقات في المغرب، وأن إغلاق المصفاة الوحيدة أعاد طرح سؤال المخزون والسيادة الطاقية.

هذا التوقف غيّر موقع المغرب في سلسلة المحروقات. فبعدما كان يستورد الخام ويكرر جزءا مهما منه محليا، أصبح أكثر اعتمادا على استيراد المنتجات المكررة الجاهزة. وهذا لا يعني بالضرورة انقطاع الإمدادات، لكنه يقلص هامش المناورة الصناعية في لحظات التوتر.

المخزون الطاقي.. نقطة الضعف التي كشفتها سامير

من أهم الزوايا التي تهم المواطن اليوم أن أزمة الطاقة لا ترتبط فقط بالسعر، بل أيضا بالمخزون. فعندما تضطرب الأسواق أو ترتفع أسعار النقل البحري أو تتوتر الممرات، يصبح السؤال: كم يكفي البلد من الأيام؟

تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول مخزونات الأمان للمواد البترولية أشار إلى وجود نقص بنيوي مقارنة بالمستوى المنصوص عليه في التنظيم، وهو 60 يوما من الاستهلاك بالنسبة للمنتجات المكررة لدى الموزعين. وذكر التقرير أن مخزون الغازوال، في نهاية 2015، لم يكن يغطي في المتوسط سوى 24.1 يوما.

هذه الأرقام تشرح لماذا تعود سامير إلى النقاش كلما ارتفعت أسعار النفط أو توتر مضيق هرمز. فالأمر لا يتعلق بالحنين إلى مؤسسة قديمة، بل بسؤال عملي: هل يملك المغرب مخزونا كافيا وقدرة داخلية كافية لمواجهة الصدمات؟

مضيق هرمز.. حين يتحول الممر البحري إلى فاتورة منزلية

اليوم، يعود الخوف من مضيق هرمز، الممر البحري الضيق بين إيران وسلطنة عمان، والذي يمر عبره جزء ضخم من صادرات النفط والغاز من الخليج نحو العالم.

تقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بلغت في 2024 حوالي 20 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل نحو 20% من استهلاك العالم من السوائل البترولية.

هذا الرقم يفسر لماذا يخاف العالم من أي تصعيد في المنطقة. إذا تعطل المضيق أو ارتفعت كلفة التأمين على الناقلات أو تأخر المرور البحري، فإن الأسواق تترجم الخطر بسرعة إلى أسعار. والمغرب، باعتباره مستوردا للطاقة، لا يبقى خارج هذه الموجة.

أين يلتقي هرمز بسامير؟

يلتقي مضيق هرمز بسامير في نقطة واحدة: الأمن الطاقي لا يصنع في لحظة الأزمة، بل قبلها بسنوات.

حين أسس المغرب سامير سنة 1959، كان يفكر بمنطق بناء أدوات السيادة الصناعية بعد الاستقلال. وحين وقعت صدمات 1973 و1979، ظهر أن امتلاك قدرة داخلية على التكرير والمخزون ليس ترفا. أما اليوم، مع توقف سامير منذ 2015، فإن أي توتر في هرمز يعيد السؤال نفسه بصيغة أكثر إلحاحا: هل يكفي الاعتماد على استيراد المواد المكررة الجاهزة في عالم يزداد اضطرابا؟

الجواب ليس بسيطا. إعادة تشغيل سامير، إن كانت ممكنة، تحتاج إلى قرار اقتصادي وقانوني ومالي معقد. كما أن المصفاة توقفت لسنوات وتحتاج إلى استثمارات وتأهيل. لذلك لا يمكن تقديمها كحل سحري وفوري. لكن المؤكد أن غيابها جعل النقاش حول المخزون والتكرير المحلي والسيادة الطاقية أكثر حساسية.

هل التاريخ يعيد القصة نفسها؟

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا. في 1973 كان الحظر النفطي هو السلاح. في 1979 كانت الثورة الإيرانية هي الشرارة. اليوم، قد يكون مضيق هرمز هو نقطة الخطر. لكن المنطق واحد: حين يجتمع النفط بالحرب والجغرافيا، يدفع المواطن جزءا من الثمن.

الفرق أن المغرب اليوم يملك تجربة طويلة، ويعرف أن الطاقة ليست ملفا تقنيا فقط. إنها تمس النقل، والأسعار، والفلاحة، والصناعة، والقدرة الشرائية. لذلك فإن الدرس المغربي من سامير ومن أزمات السبعينيات واضح: لا يكفي شراء النفط عند الحاجة، بل يجب بناء منظومة حماية تشمل المخزون، وتنويع الموردين، والطاقات المتجددة، والنجاعة الطاقية، وربما إعادة التفكير في دور التكرير المحلي.

لماذا يهم هذا المواطن المغربي؟

لأن برميل النفط لا يبقى في البورصات. حين يرتفع، يتحرك معه ثمن النقل، وكلفة الشحن، وأسعار بعض المواد المستوردة، وهوامش المقاولات، ومصاريف الأسر. وقد لا يظهر الأثر في اليوم نفسه، لكنه يتسرب تدريجيا إلى الفاتورة اليومية.

ومن هنا تصبح سامير أكثر من ملف قانوني أو صناعي. إنها مرآة لسؤال أكبر: هل يملك المغرب أدوات كافية لحماية مواطنيه من صدمات النفط المقبلة؟

عندما تضيق هرمز، لا يضيق البحر وحده. يضيق هامش القرار لدى الدول المستوردة، ويضيق جيب المواطن، وتظهر قيمة كل مؤسسة كانت تمنح البلد قدرة إضافية على الصمود.

خلاصة المقال

تربط أزمات النفط في 1973 و1979 بما يحدث اليوم في مضيق هرمز خيطا واحدا: هشاشة الدول المستوردة أمام اضطراب الطاقة. وفي المغرب، تعيد هذه الأزمات ملف سامير إلى الواجهة باعتباره جزءا من سؤال الأمن الطاقي والمخزون والتكرير المحلي.

  • تأسست سامير سنة 1959 كجزء من بناء السيادة الصناعية بعد الاستقلال.
  • وجود مصفاة محلية كان يمنح المغرب هامشا في التكرير والمخزون وتدبير الإمدادات.
  • توقف سامير منذ 2015 يجعل أي توتر في مضيق هرمز سؤالا مباشرا حول الأسعار والقدرة الشرائية.
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من التعليقات المزعجة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقاتك.