في سوس ماسة، لا تقف الصناعة التقليدية عند حدود الذاكرة والتراث، ولا تختصرها فضة تزنيت أو نسيج تارودانت وطاطا أو فخار الواحات ومنتجات السلال. إنها قطاع حي يحمل جزءا من هوية الجهة، لكنه يواجه اليوم تحديا حقيقيا: كيف تتحول المهارة الحرفية إلى اقتصاد منتج، ودخل قار، وسوق قادرة على جذب الزبون وجيل جديد من الصناع؟
المؤشرات الوطنية تكشف أن الصناعة التقليدية ليست قطاعا هامشيا. فحسب معطيات وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، يضم القطاع 13 سلسلة إنتاجية و172 نشاطا، وحقق، وفق معطيات سنة 2022، رقم معاملات بلغ 147.4 مليار درهم، وقيمة مضافة وصلت إلى 97.6 مليار درهم، مع توفير 2.4 مليون منصب شغل مباشر على المستوى الوطني.
وتظهر الأرقام المفتاحية المنشورة إلى حدود 2023 و2024 أن القطاع يضم 392 ألف مسجل في السجل الوطني للصناعة التقليدية إلى نهاية 2024، ويحقق صادرات بقيمة 1.11 مليار درهم، ويساهم بنحو 7 في المائة في الناتج الداخلي الخام و22 في المائة في التشغيل.
هذه الأرقام وطنية، لكنها تعني سوس ماسة بشكل مباشر، لأن الجهة تتوفر على رصيد حرفي واسع يمكن أن يستفيد من هذه الدينامية. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل تستفيد منتجات الجهة، فعلا، من قوة السوق الوطنية والدولية، أم ما تزال محصورة في قنوات بيع تقليدية وموسمية؟
منتجات قوية.. ومسارات بيع محدودة
تملك سوس ماسة تنوعا حرفيا يمنحها أفضلية واضحة. فجهات مثل تزنيت وتارودانت وطاطا وأكادير وبلاد ماسة ترتبط بحرف متعددة، من الفضة والنسيج إلى الفخار والسلال والمنتجات النباتية والجلد والخشب والزرابي.
وتبرز تزنيت، على وجه الخصوص، كواحدة من أهم الحواضر المرتبطة بصياغة الفضة في سوس ماسة، بينما تحتفظ تارودانت وطاطا بحضور مهم في النسيج والحرف ذات الامتداد القروي والواحاتي.
لكن قوة المنتوج لا تكفي وحدها. فالمشكل الأبرز لا يرتبط بغياب الحرف أو ضعف المهارة، بل بضعف التحويل التجاري لهذه المهارات. فالحرفي ينتج، والتعاونية تشتغل، والسائح موجود، غير أن حلقات التغليف، والتسويق، والصورة، والبيع الرقمي، والعلامة التجارية، والتصدير، لا تزال في حاجة إلى تأهيل أكبر.
الطلب الخارجي موجود.. فأين موقع منتجات الجهة؟
تكشف معطيات صادرات الصناعة التقليدية لسنة 2025 أن السوق الدولية تتحرك في اتجاه إيجابي. فقد بلغت صادرات الصناعة التقليدية خلال الربع الأول من سنة 2025 حوالي 326.35 مليون درهم، بنمو قدره 14 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024.
كما أظهرت معطيات الربع الثالث من السنة نفسها ارتفاعا سنويا في الصادرات بنسبة 13 في المائة، مع بروز منتجات مثل الفخار والحجر، والملابس التقليدية، والزرابي ضمن أكثر السلاسل حضورا في التصدير.
هذه المؤشرات تهم سوس ماسة، لأنها تؤكد أن الطلب الخارجي على المنتج الحرفي المغربي قائم. لكن الغائب في المعطيات المنشورة هو تحديد حصة الجهة بدقة، وحجم مساهمة حرفها المحلية، خصوصا الفضة والنسيج والمنتجات النباتية، في هذا المسار التصديري.
وهنا تظهر الحاجة إلى لوحة قيادة جهوية خاصة بالصناعة التقليدية، تقدم أرقاما واضحة حول عدد الحرفيين، التعاونيات، المبيعات، الصادرات، وحضور النساء والشباب داخل القطاع.
تحدي اليد العاملة وتجدد الأجيال
لا يواجه قطاع الصناعة التقليدية في سوس ماسة مشكل التسويق فقط، بل يواجه كذلك سؤال تجدد اليد العاملة. فالحرف التقليدية تحتاج إلى سنوات من التعلم، بينما لا يرى عدد من الشباب فيها دائما مهنة عصرية قادرة على ضمان دخل مستقر ومستقبل واضح.
وتشير معطيات سوق الشغل الخاصة بسوس ماسة إلى أن الجهة ما تزال تحت ضغط البطالة، خاصة في صفوف الشباب والنساء. وفي هذا السياق، يمكن للصناعة التقليدية أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتشغيل، بشرط ألا تبقى محصورة في منطق التوارث العائلي وحده.
الحرفي الجديد لا يحتاج فقط إلى تعلم الصنعة، بل يحتاج أيضا إلى أدوات العصر: التصميم، التصوير، التسعير، البيع الإلكتروني، التواصل مع الزبناء، اللغات، وفهم حاجيات السوق.
مشاريع التأهيل.. خطوة مهمة لكنها غير كافية
عرفت أكادير إطلاق مشروع مهم لتأهيل مجمع الصناعة التقليدية، بغلاف مالي قدره 17.6 مليون درهم. ويشمل المشروع، في شطره الأول، بناء معهد متخصص في فنون الصناعة التقليدية، وإحداث قاعة متعددة الاستعمالات ومحلات حرفية ومرافق صحية.
كما يتضمن الشطر الثاني إضافة محلات حرفية جديدة، فيما ينتظر أن يساهم الشطر الثالث في تحويل المركز القديم للتأهيل المهني إلى فضاء يضم عددا أكبر من المحلات، إلى جانب تهيئة خارجية شاملة للمجمع.
هذا الاستثمار مهم لأنه يوفر البنية والتكوين وفضاءات العرض. لكنه لن يحقق أثره الكامل إذا لم يرتبط بمنظومة تسويق مستمرة، تشمل تنشيط المجمع، ربطه بالمسارات السياحية، عقد شراكات مع الفنادق، إدماج الحرفيين في منصات رقمية، وتنظيم معارض موجهة نحو البيع الفعلي لا العرض فقط.
التصميم والابتكار بدل الاكتفاء بالحماية
من المبادرات اللافتة كذلك مشروع تصميم 120 منتجا حرفيا جديدا مستوحى من المهارات المحلية، بإشراف شركة التنمية الجهوية للسياحة سوس ماسة، وبدعم من مجلس الجهة، مع إشراك مصممين مغاربة ومرافقة الحرفيين في مراحل التصميم والإنتاج.
أهمية هذه المبادرة أنها تنقل النقاش من حماية الحرفة فقط إلى تطويرها. فالمنتج التقليدي، مهما كانت قيمته الرمزية، يحتاج إلى تجديد في الشكل والاستعمال والتغليف حتى يجد مكانه في الأسواق الجديدة.
السائح أو الزبون اليوم لا يبحث فقط عن قطعة جميلة، بل عن منتج له قصة، وهوية، وجودة، وسعر واضح، وإمكانية للطلب من جديد بعد مغادرة المدينة أو البلد.
المعارض لا تكفي وحدها
تنظم جهة سوس ماسة معارض إقليمية للصناعة التقليدية بعدة أقاليم، منها تزنيت وتارودانت واشتوكة آيت باها وإنزكان آيت ملول وطاطا وأكادير إداوتنان. وتمنح هذه المعارض فرصة مهمة للحرفيين والتعاونيات من أجل عرض المنتجات والتواصل مع الزبناء وتحقيق مبيعات مباشرة.
غير أن المعرض، مهما كان ناجحا، يبقى حدثا محدودا في الزمن. فبعد انتهاء أيام العرض، يعود السؤال نفسه: أين يبيع الحرفي؟ كيف يحافظ على زبنائه؟ كيف يصل إلى مدن أخرى؟ كيف يرسل منتجاته؟ وكيف يتحول الزبون العابر إلى زبون دائم؟
لهذا، تحتاج سوس ماسة إلى الانتقال من منطق المعرض الموسمي إلى منظومة بيع دائمة، تشمل منصة رقمية جهوية، كتالوجا احترافيا للمنتجات، تصويرا موحدا، تكوينا في التسويق والتواصل، وربطا مباشرا بالمتاجر السياحية والفنادق والمطارات.
السياحة فرصة.. بشرط ألا تضيع بعد انتهاء التظاهرات
تملك سوس ماسة ورقة قوية لا تتوفر لكل الجهات: السياحة. فأكادير وتغازوت وتزنيت وتارودانت وطاطا يمكن أن تتحول إلى مسارات للمنتج الحرفي، لا مجرد فضاءات بيع متفرقة.
وخلال التظاهرات الكبرى، كما هو الحال مع المعارض المرتبطة بالأحداث الرياضية والسياحية، يمكن للصناعة التقليدية أن تستفيد من تدفق الزوار. لكن الأهم ليس البيع خلال أيام الحدث فقط، بل ما بعده: جمع بيانات الزبناء، فتح قنوات طلب لاحقة، عرض المنتجات رقميا، وتسهيل التوصيل داخل المغرب وخارجه.
الحدث السياحي قد يعطي الانطلاقة، لكن الاستدامة تحتاج إلى إدارة ذكية للسوق.
أين توجد الإشكالية؟
الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب التراث أو ضعف المهارة. سوس ماسة تملك فضة تزنيت، نسيج تارودانت وطاطا، فخار الواحات، تعاونيات نسائية، منتجات نباتية، وواجهة سياحية قوية.
الإشكال يكمن في ضعف تحويل هذه المؤهلات إلى قيمة اقتصادية مستمرة.
أولا، تحتاج الجهة إلى بيانات دقيقة حول القطاع: عدد الصناع، التعاونيات، الورشات، رقم المعاملات، المبيعات في المعارض، الصادرات، وحضور الشباب والنساء.
ثانيا، تحتاج المنتجات إلى تسويق أقوى، لأن كثيرا منها ما يزال بعيدا عن المنصات الرقمية والأسواق المنظمة وسلاسل الفنادق والمتاجر السياحية.
ثالثا، يحتاج القطاع إلى تجديد جاذبيته لدى الشباب، عبر تكوين حديث يربط المهارة اليدوية بالدخل والتصميم والبيع.
رابعا، تحتاج المنتجات إلى علامات جودة وهوية واضحة، لأن الزبون يريد أن يعرف من صنع المنتج، أين صنع، من أي مادة، وهل يمكن طلبه مرة أخرى.
ما الذي تحتاجه سوس ماسة الآن؟
تحتاج الجهة إلى خريطة حرفية دقيقة، تنطلق من تزنيت وتارودانت وطاطا وأكادير واشتوكة وإنزكان، وتحدد الحرف، عدد الممارسين، حاجيات التكوين، وضعية الورشات، ومسارات التسويق الممكنة.
وتحتاج أيضا إلى منصة رقمية جهوية لا تكون مجرد معرض صور، بل سوقا متكاملا يوفر الأداء، التوصيل، التعريف بالحرفيين، تقديم المنتجات بلغات متعددة، وربطها بالسياحة والتصدير.
كما تحتاج إلى جعل زيارة الورشات جزءا من التجربة السياحية. فالسائح الذي يزور أكادير أو تزنيت لا يجب أن يشتري منتجا فقط، بل يمكن أن يزور الحرفي، يفهم القصة، يرى مراحل الصنع، ويخرج بقطعة تحمل ذاكرة المكان.
أما في التكوين، فالمطلوب صناعة جيل جديد من الحرفيين يجمع بين اليد والرقمنة: يصنع، يصمم، يصور، يسعر، يبيع، ويتواصل مع الزبون بثقة.
من التراث الجميل إلى الاقتصاد المنتج
تكشف الأرقام أن الصناعة التقليدية بالمغرب قطاع اقتصادي كبير، لكن سوس ماسة تحتاج إلى جعل نصيبها من هذه الدينامية أكثر وضوحا وأقوى أثرا.
الجهة لا تنقصها الهوية ولا المنتوج ولا السياحة. ما تحتاجه هو تسويق أقوى، بيانات أدق، تكوين مرتبط بالسوق، ومرافقة حقيقية للحرفيين والتعاونيات.
عندها فقط يمكن للصناعة التقليدية بسوس ماسة أن تغادر خانة “التراث الجميل” نحو موقع أكثر قوة: اقتصاد منتج، يوفر الدخل، يحافظ على المهارة، ويجعل الحرفة مهنة قادرة على إقناع الجيل الجديد.

