في خطوة تعكس حجم التوتر داخل سوق التجارة الإلكترونية والألعاب، وجدت eBay نفسها أمام عرض استحواذ غير مألوف من GameStop، الشركة التي ارتبط اسمها خلال السنوات الأخيرة بظاهرة أسهم الميم ومحاولات إعادة بناء نموذجها التجاري. العرض، الذي تصل قيمته إلى 56 مليار دولار ويجمع بين النقد والأسهم، لم يفتح باب التفاوض كما كان يأمل مقدموه، بل قوبل برد مباشر من مجلس إدارة eBay وصفه بأنه “غير موثوق وغير جذاب”. وبين طموح GameStop في التحول إلى لاعب أكبر خارج متاجر الألعاب التقليدية، وتمسك eBay باستقلاليتها واستراتيجيتها الحالية، يتحول هذا الملف إلى اختبار جديد لقدرة الشركات الأصغر حجماً على تنفيذ صفقات ضخمة في بيئة مالية لا ترحم الغموض في التمويل والمخاطر.
eBay ترفض عرضاً غير ملزم من GameStop
أعلنت eBay Inc.، يوم الثلاثاء 12 ماي 2026، أن مجلس إدارتها قرر رفض عرض استحواذ غير ملزم تقدمت به GameStop للاستحواذ على الشركة. ووفق بيان eBay المنشور عبر PR Newswire، فقد جاء القرار بعد مراجعة العرض بمساعدة مستشارين ماليين وقانونيين مستقلين.
الرسالة الموجهة إلى الرئيس التنفيذي لـGameStop ريان كوهين حملت موقفاً واضحاً، إذ خلص مجلس إدارة eBay إلى أن العرض “ليس موثوقاً ولا جذاباً”، مع الإشارة إلى عدة أسباب، من بينها آفاق eBay المستقلة، والغموض المرتبط بتمويل الصفقة، وتأثيرها المحتمل على نمو الشركة وربحيتها على المدى الطويل، إضافة إلى مخاطر الرافعة المالية والاندماج التشغيلي وهيكل القيادة داخل الكيان المقترح.
تفاصيل الصفقة: 56 مليار دولار ونصف نقداً ونصف أسهماً
بحسب وكالة Reuters، تبلغ قيمة العرض نحو 56 مليار دولار، مع هيكلة تقوم على نصف القيمة نقداً ونصفها عبر أسهم GameStop. كما ارتبط العرض بسعر 125 دولاراً للسهم، وهو مستوى ظل سهم eBay يتداول دونه بعد الإعلان عن العرض، ما عكس شكوك السوق في إمكانية إتمام الصفقة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن GameStop، التي تقدر قيمتها السوقية بحوالي 12 مليار دولار، حاولت التقدم لشراء شركة أكبر بكثير من حيث القيمة. هذا الفارق في الحجم جعل محللين ومستثمرين يتعاملون بحذر مع العرض، خصوصاً في ظل عدم وضوح كامل حول مصادر التمويل اللازمة لإغلاق الصفقة.
التمويل في قلب الرفض
ركزت eBay في ردها على نقطة التمويل، معتبرة أن هناك حالة عدم يقين بشأن الخطة المقترحة من GameStop. وذكرت Reuters أن ريان كوهين تحدث عن خطاب التزام لتمويل دين بقيمة 20 مليار دولار من TD Bank، لكن هذا الالتزام مشروط بأن يحصل الكيان المندمج على تصنيف ائتماني من فئة الاستثمار.
هذه النقطة تطرح تحدياً جوهرياً، لأن أي صفقة بهذا الحجم تحتاج إلى تمويل واضح وقابل للتنفيذ، لا سيما عندما يكون المشتري أصغر من الشركة المستهدفة. كما نقلت Reuters أن وكالة Moody’s اعتبرت الصفقة المحتملة سلبية ائتمانياً بالنسبة إلى eBay، وهو ما يزيد من حساسية الملف بالنسبة للمساهمين.
لماذا تريد GameStop شراء eBay؟
تقول GameStop، وفق ما نقلته التقارير، إن دمج نشاطها مع eBay قد يسمح بتحقيق وفورات في التكاليف وخلق كيان أكبر قادر على منافسة منصات كبرى مثل Amazon. ويرى ريان كوهين أن خبرة GameStop في خفض التكاليف، إضافة إلى شبكتها من المتاجر في الولايات المتحدة، يمكن أن تمنح eBay بعداً مادياً يساعدها في بناء نموذج تجارة أكثر قوة.
لكن هذا التصور يصطدم باختلاف واضح بين نموذجَي الشركتين. فـeBay تقوم أساساً على ربط البائعين والمشترين عبر منصة إلكترونية وتأخذ رسوماً من المعاملات، بينما تعتمد GameStop تقليدياً على شراء السلع وإعادة بيعها عبر المتاجر، رغم محاولاتها المتكررة لتوسيع نشاطها خارج مجال ألعاب الفيديو.
eBay تتمسك باستراتيجيتها المستقلة
في المقابل، دافعت eBay عن مسارها المستقل، مؤكدة أنها حسنت تركيزها الاستراتيجي، وطورت تجربة البائعين والسوق، وواصلت إعادة رأس المال إلى المساهمين. كما أشار بيان الشركة إلى أنها تعمل في أكثر من 190 سوقاً حول العالم، وأنها مكنت في سنة 2025 معاملات بقيمة تقارب 80 مليار دولار من إجمالي حجم البضائع.
هذا الخطاب يهدف إلى إقناع المساهمين بأن قيمة eBay الحالية والمستقبلية يمكن تحقيقها دون الدخول في صفقة معقدة ومحفوفة بالمخاطر. كما أن مجلس الإدارة شدد على أن الفريق الإداري الحالي قادر على مواصلة النمو المستدام وتنفيذ الاستراتيجية بانضباط.
هل يتحول الرفض إلى معركة استحواذ عدائية؟
رفض eBay لا يعني بالضرورة نهاية الملف. فقد نقلت Reuters أن ريان كوهين كان قد أبدى استعداده للذهاب مباشرة إلى مساهمي eBay، وربما الدعوة إلى اجتماع خاص، في حال لم يتجاوب مجلس الإدارة مع العرض. وهذا السيناريو قد يفتح الباب أمام محاولة استحواذ عدائية أو معركة بالوكالة لتغيير موقف الشركة المستهدفة.
مع ذلك، تبقى قدرة GameStop على إقناع مساهمي eBay مرتبطة أساساً بإثبات جدية التمويل، وتقديم خطة واضحة لما بعد الاندماج، وشرح كيفية معالجة المخاطر التشغيلية والديون المحتملة. ومن دون هذه العناصر، قد يبقى العرض مثيراً إعلامياً أكثر منه مساراً واقعياً لإتمام صفقة بهذا الحجم.
قراءة في دلالة الصفقة على سوق التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية
تأتي هذه التطورات في وقت تعرف فيه أسواق الاندماج والاستحواذ نشاطاً متزايداً، لكنها تكشف أيضاً أن المستثمرين لم يعودوا يتعاملون بسهولة مع العروض الضخمة إذا لم تكن مدعومة بتمويل واضح وخطة تنفيذية دقيقة. فالسوق لا ينظر فقط إلى قيمة العرض، بل يسأل عن مصدر المال، وحجم الديون، وتأثير الصفقة على الربحية، وقدرة الإدارة الجديدة على دمج نموذجين تجاريين مختلفين.
بالنسبة لمتابعي قطاع التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية، يسلط هذا الملف الضوء على التحولات التي تعيشها GameStop بعد سنوات من شهرتها كأحد أبرز أسهم الميم، وعلى محاولة الشركة الانتقال من نموذج متاجر الألعاب إلى رهان أوسع في التجارة الرقمية والمقتنيات. أما eBay، فتبدو في هذه المرحلة متمسكة برسالة واحدة: الاستقلال أفضل من صفقة ضخمة غير مضمونة النتائج.
رفض eBay لعرض GameStop البالغ 56 مليار دولار لا يعكس فقط خلافاً حول السعر، بل يعكس أيضاً شكوكاً أعمق حول التمويل والديون والمخاطر التشغيلية وهوية القيادة بعد الاندماج. ورغم أن GameStop قد تحاول تحويل الملف إلى مواجهة مباشرة مع المساهمين، فإن الطريق نحو أي صفقة محتملة لا يزال طويلاً ومعقداً، خصوصاً في ظل موقف eBay الحازم وثقة مجلس إدارتها في استراتيجية الشركة المستقلة.
