عاد ملف استحواذ إيلون ماسك على تويتر إلى الواجهة القانونية من باب جديد، بعدما رفضت قاضية أمريكية منح المصادقة السريعة لتسوية بين الملياردير وهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية. ورغم أن الاتفاق المقترح لا يتجاوز 1.5 مليون دولار، فإن القضية أكبر من مبلغ الغرامة، لأنها تطرح أسئلة حول شفافية الإفصاح في الأسواق، وحدود رقابة القضاء على التسويات التي تبرمها الجهات التنظيمية مع شخصيات شديدة التأثير في عالم المال والتكنولوجيا.
قاضٍ يطلب توضيحات قبل اعتماد الاتفاق
رفضت القاضية الفيدرالية سباركل سوكنانان، في واشنطن، المصادقة الفورية على تسوية مقترحة بين إيلون ماسك وهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC، قائلة إنها تحتاج إلى معلومات إضافية حول مدى عدالة الاتفاق وكيفية التوصل إليه.
وبحسب وكالة Reuters، فإن التسوية البالغة 1.5 مليون دولار تهدف إلى إنهاء دعوى مدنية مرتبطة بتأخر ماسك في الكشف عن امتلاكه حصة تتجاوز 5% من أسهم تويتر سنة 2022، قبل أن يعلن لاحقاً امتلاك حصة أكبر بلغت 9.2%، ثم يستحوذ على الشركة في صفقة بلغت 44 مليار دولار.
لماذا لا تريد المحكمة “ختم” التسوية بسرعة؟
أوضحت القاضية أنها، قبل اعتماد أي تسوية، ملزمة بالنظر في عدة عناصر، من بينها ما إذا كان الاتفاق عادلاً للطرفين، ومتوافقاً مع المصلحة العامة، وغير مشوب بتواطؤ أو فساد أو ترتيب غير مناسب.
وطلبت المحكمة من الطرفين الحضور يوم 13 ماي 2026، والاستعداد لاقتراح جدول زمني لتقديم مذكرات مكتوبة تشرح وتدعم التسوية. هذا يعني أن الاتفاق لم يُرفض نهائياً، لكنه لم يحصل بعد على الضوء الأخضر القضائي.
أصل القضية: إفصاح متأخر عن حصة في تويتر
تعود القضية إلى بداية 2022، عندما بدأ ماسك شراء أسهم في تويتر. وتقول SEC إنه تجاوز عتبة 5% من الملكية في مارس من ذلك العام، وكان عليه الإفصاح عن ذلك داخل المهلة القانونية، لكنه تأخر 11 يوماً.
وتزعم الهيئة أن هذا التأخير سمح له بمواصلة شراء أسهم بأسعار أقل قبل أن يقفز السهم بعد الكشف العلني عن حصته، وقدّرت أن التأخير وفر له نحو 150 مليون دولار. في المقابل، قال ماسك سابقاً إن التأخير كان غير متعمد، واعتبر أن الملاحقة تحمل طابعاً سياسياً.
تسوية بلا اعتراف بالخطأ ولا استرجاع للمكاسب المزعومة
وفق تفاصيل التسوية المقترحة، سيدفع صندوق ائتماني باسم ماسك غرامة مدنية قدرها 1.5 مليون دولار، من دون أن يعترف ماسك بارتكاب أي مخالفة. كما لا يلزمه الاتفاق، بصيغته الحالية، بإعادة المبلغ الذي تقول SEC إنه وفره بسبب التأخر في الإفصاح.
وهذه النقطة تحديداً تجعل الملف حساساً، لأن بعض المتابعين يرون أن مبلغ التسوية صغير مقارنة بحجم الصفقة والمكاسب المزعومة، بينما تعتبر التسوية بالنسبة للهيئة وسيلة لإنهاء نزاع طويل دون مواصلة التقاضي.
سياق سياسي وتنظيمي حساس
رفعت SEC الدعوى في يناير 2025، قبل أيام من نهاية ولاية الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، بينما وُصفت التسوية المقترحة بأنها جاءت في مرحلة تغيرت فيها أولويات إنفاذ القانون داخل الهيئة تحت قيادة جديدة.
وتزداد حساسية الملف لأن إيلون ماسك ليس مجرد مستثمر عادي، بل شخصية مؤثرة تقود شركات كبرى مثل Tesla وSpaceX وX وxAI، ما يجعل أي نزاع تنظيمي معه محط متابعة إعلامية وسياسية واسعة.
ماذا يعني القرار الآن؟
قرار القاضية لا يعني أن التسوية سقطت، بل يعني أن المحكمة تريد فحصها بشكل أعمق قبل المصادقة عليها. وإذا قدم الطرفان تبريرات مقنعة حول عدالة الاتفاق وشفافيته، قد يتم اعتماده لاحقاً.
أما إذا لم تقتنع المحكمة، فقد تطلب تعديلات أو معلومات إضافية، ما قد يمدد النزاع ويعيد تسليط الضوء على قواعد الإفصاح التي تلزم كبار المستثمرين بإبلاغ السوق عندما تتجاوز ملكيتهم عتبات معينة.
القضية تبدو في ظاهرها تسوية مالية محدودة، لكنها في العمق اختبار لطريقة تعامل القضاء الأمريكي مع اتفاقات الجهات الرقابية حين تتعلق بشخصيات شديدة النفوذ. فالمحكمة لا تريد تمرير الاتفاق تلقائياً، بل تسأل: هل التسوية عادلة؟ هل تخدم المصلحة العامة؟ وهل تمت بطريقة شفافة؟



