بعد سن الخمسين، لا تعود العناية بالصحة العظمية تفصيلاً ثانوياً، خصوصاً لدى النساء بعد مرحلة انقطاع الطمث حيث تتراجع الحماية الهرمونية الطبيعية التي كانت تساعد على الحفاظ على كثافة العظام. وفي وسط عشرات النصائح والمكملات والوعود الغذائية، يبرز طعام بسيط ومتوفر قد يمنح الجسم مجموعة من العناصر الداعمة للعظام: السردين، خصوصاً عندما يُؤكل بعظامه الطرية. لكن هل يمكن اعتباره “حلاً سحرياً” ضد الهشاشة؟ الجواب يحتاج إلى توازن: السردين خيار مفيد، لكنه جزء من نمط غذائي وحركي أوسع، ولا يعوّض التشخيص أو العلاج الطبي عند وجود نقص أو هشاشة مؤكدة.
لماذا تصبح العظام أكثر هشاشة بعد سن الخمسين؟
مع التقدم في العمر، تميل كثافة العظام إلى التراجع تدريجياً، ويصبح الأمر أكثر وضوحاً عند النساء بعد انقطاع الطمث بسبب انخفاض هرمون الإستروجين، الذي يلعب دوراً مهماً في حماية العظام. لذلك قد ترتفع قابلية الإصابة بالهشاشة أو الكسور، خاصة إذا اجتمعت عوامل مثل قلة الحركة، نقص فيتامين D، ضعف تناول الكالسيوم، التدخين، النحافة الشديدة، أو وجود تاريخ عائلي لهشاشة العظام.
لهذا السبب، لا يكفي التركيز على طعام واحد فقط، بل ينبغي النظر إلى صحة العظام كمنظومة كاملة تجمع بين التغذية، النشاط البدني، التعرض الآمن للشمس، والمتابعة الطبية عند الحاجة.
السردين.. مصدر صغير لعناصر كبيرة
تشير مقالات صحية وجمالية فرنسية حديثة إلى السردين باعتباره من الأطعمة المفيدة بعد الخمسين لدعم العظام، والسبب أنه يجمع بين أكثر من عنصر غذائي مهم. فالسردين المعلب أو الطري الذي تؤكل عظامه يوفر الكالسيوم، بينما يضيف أيضاً البروتين وبعض الدهون المفيدة، وقد يحتوي على فيتامين D بنسب تختلف حسب النوع وطريقة التحضير.
الميزة المهمة هنا أن الكالسيوم في السردين لا يأتي من اللحم وحده، بل من العظام الطرية القابلة للأكل. لذلك تذكر مصادر صحية مثل NHS أن الأسماك التي تؤكل عظامها، مثل السردين وبعض الأنواع المشابهة، تدخل ضمن مصادر الكالسيوم الغذائية المفيدة لصحة العظام.
الكالسيوم وفيتامين D.. ثنائي لا يعمل كل طرف فيه وحده
الكالسيوم ضروري لبناء العظام والحفاظ على قوتها، لكن الجسم يحتاج أيضاً إلى فيتامين D لكي يساعد على امتصاص الكالسيوم بشكل أفضل. لذلك فإن تناول أطعمة غنية بالكالسيوم دون الانتباه إلى فيتامين D قد لا يكون كافياً عند بعض الأشخاص، خصوصاً كبار السن أو من لا يتعرضون للشمس بشكل منتظم.
بحسب NHS، يحتاج البالغون إلى كمية كافية من الكالسيوم ضمن نظام غذائي متوازن، كما يحتاجون إلى فيتامين D للمساعدة على امتصاصه. أما مؤسسة هشاشة العظام الدولية فتشير إلى أن النساء بين 51 و70 سنة يحتجن غالباً إلى كمية أعلى من الكالسيوم مقارنة بالرجال في العمر نفسه، وفق بعض التوصيات المعتمدة دولياً.
كيف يمكن إدخال السردين في النظام الغذائي؟
يمكن تناول السردين بطريقة بسيطة ضمن وجبة متوازنة، مثل إضافته إلى سلطة غنية بالخضروات، أو تناوله مع خبز كامل الحبوب، أو مزجه مع الليمون وزيت الزيتون. الأفضل اختيار الأنواع الأقل ملوحة قدر الإمكان، خصوصاً لمن يعانون ارتفاع ضغط الدم أو يحتاجون إلى مراقبة الصوديوم.
كما يُستحسن عدم تحويل السردين إلى “وصفة يومية إلزامية” للجميع. فبعض الأشخاص قد لا يناسبهم بسبب الحساسية من الأسماك، أو بسبب احتياجات غذائية خاصة، أو بسبب مشكلات صحية تستدعي تقليل الملح أو مراقبة بعض العناصر الغذائية. لذلك تبقى النصيحة العامة هي التنويع وعدم الإفراط.
أطعمة أخرى تدعم العظام بعد الخمسين
إذا لم يكن السردين مناسباً لكِ، فهناك خيارات أخرى يمكن أن تساعد على دعم العظام ضمن نظام غذائي متوازن. من بينها الحليب ومشتقاته، الزبادي، الجبن، الخضروات الورقية مثل الكرنب والبروكلي، التوفو المدعم بالكالسيوم، المكسرات، والبقوليات، إضافة إلى الأطعمة المدعمة بالكالسيوم أو فيتامين D حسب المتاح في كل بلد.
وتؤكد مصادر متخصصة في صحة العظام أن النظام الغذائي الجيد يجب أن يجمع بين الكالسيوم وفيتامين D والبروتين وعناصر أخرى مثل المغنيسيوم والبوتاسيوم وفيتامين K، مع الانتباه إلى أن الغذاء وحده لا يكفي إذا كانت الهشاشة متقدمة أو إذا وُجد نقص يحتاج إلى علاج.
متى يجب استشارة الطبيب؟
ينبغي طلب الاستشارة الطبية إذا وُجد تاريخ عائلي لهشاشة العظام، أو حدث كسر بعد سقوط بسيط، أو ظهرت آلام ظهر مستمرة، أو كان هناك فقدان ملحوظ في الطول، أو إذا كانت المرأة في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث ولديها عوامل خطر واضحة. الطبيب قد يطلب فحوصات مثل قياس كثافة العظام أو تحاليل فيتامين D والكالسيوم حسب الحالة.
كما لا يُنصح بتناول مكملات الكالسيوم أو فيتامين D عشوائياً دون تقييم طبي، لأن الحاجة تختلف من شخص لآخر، والجرعات الزائدة قد تسبب مشكلات صحية عند بعض الحالات.
السردين يمكن أن يكون حليفاً غذائياً ذكياً بعد سن الخمسين، لأنه يجمع بين الكالسيوم والبروتين وبعض العناصر المفيدة للعظام، خصوصاً عندما تؤكل عظامه الطرية. لكنه ليس علاجاً سحرياً ولا يوقف هشاشة العظام وحده. الوقاية الحقيقية تبدأ بنظام غذائي متوازن، حركة منتظمة، تعرض آمن للشمس، وتقييم طبي عند وجود عوامل خطر أو أعراض مقلقة.

