عاد ملف عزل رؤساء جماعات إلى واجهة النقاش بجهة سوس ماسة، في سياق يتسم بتشديد الرقابة على تدبير الشأن المحلي، وتنامي المطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المجالس المنتخبة.
ويأتي هذا النقاش مع تداول معطيات حول قرارات ومساطر تأديبية تهم منتخبين محليين، بناء على تقارير رقابية واختلالات منسوبة إلى تدبير بعض الجماعات. غير أن تحديد عدد الحالات المعنية حديثا بجهة سوس ماسة، أو أسماء المعنيين بها، لا يمكن تأكيده من مصدر رسمي موحد إلى حدود الآن.
عزل رؤساء جماعات ومساطر القضاء الإداري
تخضع مسطرة عزل المنتخبين المحليين في المغرب لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، وهو النص الذي تؤطره وزارة الداخلية عبر المديرية العامة للجماعات الترابية. وتتيح المادة 64 من هذا القانون إحالة ملفات منتخبين على المحكمة الإدارية المختصة، عند وجود أفعال مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وفق مسطرة قانونية محددة.
وتفيد معطيات منشورة في الصحافة الوطنية بأن ملفات عزل منتخبين محليين عرفت زخما خلال الأشهر الأخيرة، في ارتباط بتقارير رقابية واختلالات في التدبير الجماعي. كما أوردت مصادر إعلامية وطنية أن وزارة الداخلية أحالت، في مراحل سابقة، ملفات منتخبين على القضاء الإداري في إطار تفعيل مقتضيات المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات.
ولا يعني فتح مسطرة العزل، في حد ذاته، ثبوت جميع الاختلالات المنسوبة إلى المنتخبين، لأن الحسم النهائي يبقى من اختصاص القضاء الإداري. ولذلك، تبقى الصياغة القانونية الدقيقة ضرورية عند تناول هذه الملفات، خصوصا حين تكون الأحكام ابتدائية أو قابلة للطعن.
لماذا يثير الملف نقاشا بسوس ماسة؟
تكتسي جهة سوس ماسة أهمية خاصة في هذا النقاش، بالنظر إلى حجم المشاريع الترابية المفتوحة بها، والحاجة إلى حكامة محلية قادرة على مواكبة انتظارات الساكنة في مجالات البنية التحتية، الخدمات الأساسية، الاستثمار، النقل، والنظافة.
ويرى متتبعون أن قرارات العزل، متى ثبتت قضائيا، لا تهم فقط الأشخاص المعنيين بها، بل تمتد آثارها إلى صورة المؤسسة المنتخبة، وثقة المواطنين في المجالس الجماعية، ومدى قدرة هذه المجالس على تدبير المال العام بشفافية وفعالية.
وتزداد حساسية الموضوع حين يتعلق الأمر بجماعات تعرف مشاريع تنموية أو التزامات مالية وإدارية جارية، لأن أي تغيير في قيادة المجلس قد يطرح أسئلة حول استمرارية القرارات والمشاريع، وطريقة تدبير المرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب مكتب جديد أو إعادة ترتيب المسؤوليات داخل المجلس.
الحكامة المحلية بين الرقابة والاستقرار
تطرح مساطر العزل معادلة دقيقة بين أمرين متلازمين: ضرورة المحاسبة عند وجود اختلالات مثبتة، وضرورة ضمان استقرار التدبير المحلي حتى لا تتضرر مصالح الساكنة.
فالمحاسبة تمثل مدخلا أساسيا لتخليق الحياة العامة، لكنها تحتاج في المقابل إلى سرعة ووضوح في تنفيذ الأحكام، وتدبير قانوني سليم للفترات الانتقالية. وقد نبهت نقاشات إعلامية وقانونية حديثة إلى أن استمرار بعض الرؤساء المعزولين أو الصادرة في حقهم أحكام في ممارسة بعض الاختصاصات قد يطرح إشكالات مرتبطة بمشروعية القرارات والأمن القانوني.
كما أوردت تقارير صحفية وطنية أن وزارة الداخلية تتابع وضعية بعض المجالس التي يظل فيها تأثير رؤساء معزولين أو موقوفين قائما بشكل غير مباشر، وهو ما يعكس حساسية المرحلة وضرورة ضبط العلاقة بين المنتخبين والإدارة الترابية والقضاء.
ما الذي ينتظره المواطن من هذه القرارات؟
بالنسبة للمواطن، لا تقتصر أهمية هذه القرارات على الجانب القانوني فقط. فالمواطن ينتظر أن تنعكس المحاسبة على جودة الخدمات اليومية: الطرق، الإنارة، النظافة، الرخص الإدارية، تدبير الأسواق، النقل، والمرافق الجماعية.
ولهذا، فإن أي حديث عن عزل رؤساء جماعات ينبغي ألا يتحول إلى مجرد صراع سياسي أو انتخابي، بل إلى فرصة لتقييم طريقة تدبير الجماعات، وتحسين آليات الشفافية، وتوضيح مسارات اتخاذ القرار داخل المجالس المنتخبة.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض على الأحزاب السياسية مسؤولية إضافية في اختيار مرشحين قادرين على تدبير الشأن المحلي بكفاءة، وفهم القوانين المنظمة للجماعات، واحترام قواعد النزاهة وتضارب المصالح.
يعكس النقاش حول عزل رؤساء جماعات بسوس ماسة تحولا واضحا في علاقة الرقابة بالتدبير المحلي، حيث لم يعد المنصب الانتخابي حصانة ضد المساءلة، بل مسؤولية مرتبطة بالقانون وبثقة المواطنين.
ومع ذلك، تظل الدقة واجبة في تناول هذه الملفات، لأن العزل لا يصبح حقيقة نهائية إلا وفق المساطر القضائية والإدارية المعمول بها. أما الرهان الأكبر، فيبقى هو تحويل المحاسبة إلى مدخل لتحسين الحكامة المحلية، لا مجرد حدث عابر في المشهد السياسي الجهوي.