تلقي الحرب المستعرة في الشرق الأوسط بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي، لكن في المغرب، تكتسب تداعيات هذه الأزمة طابعاً خاصاً يعيد ملف المحروقات إلى واجهة الجدل الشعبي والسياسي. فبينما تضطرب أسواق الطاقة الدولية، يجد المستهلك المغربي نفسه محاصراً بين مطرقة الأسعار المرتفعة وسندان الاختلالات البنيوية التي تنخر القطاع منذ سنوات.
في محاولة لامتصاص الغضب ومواكبة التطورات، أعلن مجلس المنافسة عن تشديد الرقابة عبر الانتقال من التتبع الفصلي إلى التتبع الشهري لسوق المحروقات. تأتي هذه الخطوة كارتداد مباشر للغرامة التصالحية المليارية التي فُرضت على شركات التوزيع في نهاية 2023، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تكفي “المراقبة عن بعد” لضبط سوق اعتادت التمرد على قواعد المنافسة الشريفة؟
الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز ورئيس جبهة إنقاذ “سامير”، يضع يده على الجرح الغائر، معتبراً أن ما يشهده المغرب اليوم ليس مجرد انعكاس للأزمة العالمية، بل هو نتيجة حتمية لـ “خطيئة سياسية” ثلاثية الأبعاد: خوصصة الأصول الطاقية، التحرير العشوائي للأسعار، والإعدام القسري لنشاط مصفاة “سامير”. ويرى اليماني أن حصر دور مجلس المنافسة في “المواكبة” فقط هو تقزيم لدوره الدستوري، مؤكداً أن التحديات الراهنة تتطلب تدخلاً حازماً يقطع مع سياسة المهادنة.
المثير للقلق في المشهد الطاقي المغربي هو استمرار ما يوصف بـ “التفاهمات الضمنية” بين الفاعلين؛ فرغم العقوبات الزجرية، لا تزال أسعار المحطات تظهر تقارباً مريباً يثير الشكوك حول وجود تنسيق خفي، خاصة مع استمرار ممارسات التخزين المشترك وتبادل المعطيات التجارية. وفي الوقت الذي تسجل فيه شركات التوزيع أرباحاً لافتة تثير الاستغراب، تواصل القدرة الشرائية للمواطنين نزيفها الحاد، مما يفرغ شعار “تحرير الأسعار” من محتواه المفترض الذي كان يَعِدُ بخفض الأثمان عبر المنافسة.
هذا، و لم يعد إصلاح قطاع المحروقات في المغرب ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة وجودية تتطلب مراجعة شاملة لسياسة التحرير وإعادة الروح للتكرير الوطني. فالخروج من نفق الأزمة يمر حتماً عبر مقاربة شمولية تعيد التوازن المفقود بين جشع الشركات وحق المستهلك في سعر عادل، بعيداً عن الحلول الترقيعية التي لم تعد تجدي نفعاً في ظل تسارع طبول الحرب الإقليمية.


التعاليق (0)