عادت أسعار النفط العالمية إلى الواجهة بقوة في نهاية الأسبوع، بعدما بقيت عند مستويات مرتفعة رغم تراجعها الطفيف في تعاملات الجمعة 27 مارس 2026. وبحسب أحدث تقرير لوكالة رويترز، انخفض خام برنت إلى نحو 107.97 دولارات للبرميل، بينما نزل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى حوالي 94.08 دولارًا، لكن الأسعار ظلت مرتفعة جدًا مقارنة بما كانت عليه قبل تفجر الأزمة الأخيرة، إذ تشير الوكالة نفسها إلى أن برنت صعد بأكثر من 48% وغرب تكساس بنحو 40% منذ بداية الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026.
هذا التطور لا يعكس مجرد تقلب عابر في سوق الطاقة، بل يكشف أن السوق العالمية أصبحت شديدة الحساسية لأي خبر مرتبط بالإمدادات، خاصة مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز. وتوضح رويترز أن تعطل الإمدادات بلغ مستوى ضخمًا يُقدَّر بنحو 11 مليون برميل يوميًا، فيما وصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنه أشد من صدمات السبعينيات ومن اضطراب الغاز الروسي بعد الحرب في أوكرانيا. كما نقلت رويترز عن محللين أن استمرار الأزمة إلى ما بعد الأسابيع المقبلة قد يفتح الباب أمام ارتفاعات أكبر بكثير، في حين يبقى أي هدوء سياسي عاملًا قادرًا على تهدئة الأسعار نسبيًا.
بالنسبة إلى المغرب، فإن الخطر لا يرتبط فقط بالرقم المسجل في البورصات العالمية، بل بما يعنيه ذلك اقتصاديًا وماليًا داخليًا. فالمملكة تبقى مستوردًا صافيا للطاقة، ما يجعلها عرضة مباشرة لأي موجة صعود في النفط. ويؤكد صندوق النقد الدولي في خلاصته الخاصة بمشاورات المادة الرابعة لسنة 2026 أن الاقتصاد المغربي أظهر صمودًا ملحوظًا، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن النمو خلال 2026 قد يتأثر سلبًا بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع الطلب الخارجي المرتبط بالحرب الجارية في الشرق الأوسط.
وتنسجم هذه القراءة مع ما أعلنه بنك المغرب في اجتماعه الأخير للسياسة النقدية، حيث أبقى سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، لكنه نبه بوضوح إلى أن تداعيات النزاع قد تصبح أكثر أهمية إذا طال أمده أو تصاعد، خصوصًا عبر الضغط على الحسابات الخارجية وارتفاع أسعار الطاقة. كما أشار البنك إلى أن التضخم يُنتظر أن يبقى في حدود 0.8% خلال 2026 قبل أن يرتفع إلى 1.4% في السنة المقبلة، غير أن هذا السيناريو يظل مشروطًا بعدم تفاقم صدمة الطاقة.
ومن الناحية العملية، فإن أول قناة يظهر عبرها أثر النفط على المغرب هي أسعار المحروقات. ففي أحدث معطيات بنك المغرب حول تضخم فبراير 2026، ارتفعت أسعار الوقود بنسبة 3.1% على أساس شهري، مع تسجيل زيادة في مكوّن النقل ضمن التضخم الأساسي. كما أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن مؤشر أسعار الاستهلاك سجل خلال فبراير 2026 ارتفاعًا شهريًا بنسبة 0.5%، في وقت ظل فيه بند النقل من أكثر البنود حساسية تجاه تغيرات كلفة الطاقة. هذه المؤشرات تعني أن استمرار النفط فوق 100 دولار قد يغذي ضغوطًا إضافية على النقل والسلع والخدمات، حتى لو لم تظهر الصدمة كاملة في نفس الشهر.
ولا يقف التأثير عند حدود المستهلك، بل يمتد إلى الميزان التجاري أيضًا. فقد بلغت الفاتورة الطاقية للمغرب خلال سنة 2025 نحو 107.56 مليارات درهم، بانخفاض سنوي قدره 5.5% بحسب مكتب الصرف، وهو تراجع تحقق أساسًا في سياق أسعار أقل نسبيًا من المستويات الحالية. لذلك، فإن أي استمرار للأسعار المرتفعة في 2026 قد يعكس الاتجاه مجددًا ويدفع فاتورة الواردات الطاقية إلى الارتفاع، بما يعنيه ذلك من ضغط على احتياطات العملة الصعبة وعلى كلفة الاستيراد عمومًا.
وفي خلفية هذا المشهد، لا تبدو الأسواق الدولية مطمئنة. فإلى جانب تقرير رويترز الذي أظهر بقاء برنت فوق 107 دولارات، نقلت الوكالة في تقرير آخر أن بعض المشترين الآسيويين بدأوا التحول من مرجع دبي إلى مرجع برنت في تسعير بعض الشحنات الأمريكية، بعد أن قفز خام دبي إلى مستويات قياسية. وهذا المعطى يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب تسعير الخام في آسيا والشرق الأوسط، ويؤكد أن المسألة تجاوزت مجرد ارتفاع مؤقت إلى حالة اضطراب أوسع في موازين السوق.
المحصلة أن المغرب يدخل مرحلة دقيقة: فكل ارتفاع جديد في النفط يعني عمليًا ضغطًا على المحروقات، وكلفة أعلى للنقل، ومخاطر إضافية على التضخم، واحتمال اتساع فاتورة الاستيراد الطاقي. وحتى الآن، لا يمكن تأكيد إلى أي مدى ستنتقل الزيادة العالمية الحالية بالكامل إلى الأسعار الداخلية خلال الأيام المقبلة، لأن ذلك يرتبط أيضًا بعوامل محلية مثل وتيرة التوزيع وهوامش السوق والتطورات الجيوسياسية نفسها. لكن المؤكد، وفق المعطيات الرسمية والدولية المتاحة حتى اليوم، أن بقاء النفط عند هذه المستويات لم يعد خبرًا اقتصاديًا عابرًا، بل أصبح إنذارًا حقيقيًا لاقتصاد يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة.


التعاليق (0)